أدب

قراءة في كتاب “بقايا أسفٍ من الأمس” للكاتبة السورية تيماء غسان قوجه

صدر الكتاب عن دار ديوان العرب للنشر والتوزيع

بقلم:  قمر عبد الرحمن| فلسـطين

يأتي كتاب “بقايا أسفٍ من الأمس” للكاتبة السورية تيماء غسّان قوجه بوصفه تجربة أولى ورقية، لكنه لا يحمل سمات البدايات المرتبكة بقدر ما يكشف عن وعيٍ جماليٍّ مبكر بطبيعة الكتابة وحدودها ووظيفتها الوجودية. فالكتاب، وإن انتمى شكليًا إلى أدب الخاطرة، يتجاوز هذا التصنيف التقليدي ليقف في منطقة وسطى بين الخاطرة وقصيدة النثر والنص التأملي المفتوح.

بداية العنوان بوصفه عتبة دلالية، يكتسب “بقايا أسفٍ من الأمس” عمقه من كونه لا يشير إلى ماضٍ منقضٍ بقدر ما يستحضر جرحًا يعرف كيف يقيم في الذاكرة. فـ”البقايا” هنا ليست ما تبقّى بعد الخسارة، بل ما نجا منها ليواصل فعلَه في الروح، شاهدًا على زمنٍ لم يغادرنا تمامًا. هذا العمق الدلالي ينعكس مباشرةً على لغة الكتاب؛ لغةٌ عالية ومكثّفة، لا تعرف الترهل ولا الإسهاب، حيث تبدو المفردات مختارة بعناية فائقة، وكأن الكاتبة كانت تُغربل كل خاطرةٍ على حدة، تُنقّيها من الزوائد قبل أن تقدّم هذا العمل كطبقٍ شهيّ لضيوف الأدب. ويُحسب للتجربة أيضاً خلوّها اللافت من الأخطاء النحوية واللغوية التي كثيراً ما ترافق الإصدارات الأولى، ما يدل على وعيٍ مبكر بأخلاقيات الكتابة وجديتها، ويجعلنا نتنبأ لتيماء قوجه بمستقبلٍ أدبيٍّ ذي شأنٍ عظيم.

أما من حيث البناء الداخلي وتصاعد المنحنى الشعوري، فيقوم الكتاب على تقسيم ثلاثي: جرحٌ على طاولة قمار، أرواح من زجاج، ماذا تبقّى لنسميه وطنًا. وهذا التقسيم ليس شكليًا، بل يوازي تطورًا نفسيًا وفكريًا في صوت الكاتبة؛ من الذاتي الجريح، إلى الهشاشة الإنسانية، وصولاً إلى السؤال الوجودي الجمعي المتعلق بالوطن والانتماء. هنا يتحول النص من أنا فردية إلى أنا تمثيلية تعبّر عن جيل بأكمله.

أما اللغة فهي تراوحت بين الكلاسيكي والمحدث، إذ تعتمد تيماء قوجه لغة يمكن وصفها بـ”الكلاسيكية المُحدَّثة”؛ فهي لغة مشحونة بالصور البلاغية، لكنها لا تسقط في فخ الزخرفة المجانية. نلاحظ عناية واضحة بالإيقاع الداخلي، وتوظيفًا واعيًا للتكرار، والجملة الطويلة المتدفقة التي تشبه تيار الوعي، كما في النصوص العديدة الملهمة، حيث تتحول الجملة إلى مساحة شعورية ممتدة لا تُقرأ بقدر ما تُعاش.

وعن ثيمة الزمن والذاكرة فتشكل الذاكرة العمود الفقري للنصوص، والزمن ليس إطارًا محايدًا بل كائنًا حيًا يضغط ويجرح ويستفز البوح. الأمس عند الكاتبة ليس ماضيًا منغلقًا بل حاضرًا مؤجلًا. وهذا ما يمنح النصوص عمقًا فلسفيًا يتجاوز البوح العاطفي، ويضعها في سياق أدب التأمل الوجودي.

كما أود الإشارة إلى أمرٍ هام، وهو الكتابة بوصفها موقفًا، حيث يبرز في الكتاب وعيٌ واضح بمكانة الكتابة ذاتها، فالورق يُقدَّم بوصفه “الملاذ الأخير”، والكتابة ليست ترفًا ولا شكوى، بل فعل مقاومة ناعم في وجه الخسارة، والخذلان، وتشظي الهوية. من هنا يمكن قراءة الكتاب بوصفه انتصارًا لصوت المرأة الكاتبة، لا عبر الشعارات، بل عبر العمق والصدق والقدرة على تحويل الهشاشة إلى قوة فنية.

“بقايا أسفٍ من الأمس” ليس كتابًا لتفريغ الحزن بقدر ما هو محاولة واعية لإعادة صياغته جماليًا، تجربة تُحسب للكاتبة تيماء قوجه من حيث النضج اللغوي، والاشتغال على الصورة، والقدرة على بناء عالم شعوري متماسك. وهو عمل يبشّر بصوت أدبي يمتلك أدواته، ويعي مسؤوليته تجاه الكلمة، ويؤكد أن الجيل الأدبي الشاب ما زال قادرًا على إنتاج نصوص ذات قيمة فنية وإنسانية في آنٍ معًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى