الأخطاء التي تعرض لها المؤرخون في تحليل التاريخ بين ضغوط السلطة وإغواء الأيديولوجيا (4)
التاريخ بين التقديس و التدنيس

د. طارق عبده الحامد
بعد أن استعرضنا في الفصل السابق الأخطاء المتأصلة في النصوص والكتابات التاريخية، ننتقل في هذا الفصل إلى محور أكثر دقة وحساسية: المؤرخ نفسه بوصفه الكائن البشري الذي ينتج تلك النصوص. فالمؤرخ ليس وعاءً محايدًا يجمع الوقائع، بل هو ذاتٌ ثقافية واجتماعية وسياسية تخترقها الميول والتحيزات وتحيط بها المؤثرات. الهدف هنا ليس تقديم صورة سلبية عن المؤرخين، بل فهم العوائق الذاتية والموضوعية التي تهدد نقاء تحليلهم حتى مع حسن النية، وأيضًا الضغوط التي تدفع بعضهم إلى التضحية بالحقيقة التاريخية. هذه العوائق تمثل اختبارًا حقيقيًا للنزاهة الفكرية، وتجعل من مهنة المؤرخ، كما وصفها مارك بلوك، “مغامرة فكرية ومهنة إنسانية في آن واحد”¹.
1. ضغوط السلطة والسياسة وتأثيرها على المؤرخ
1.1. الرقابة والتوجيه المباشر: التاريخ الرسمي
منذ العصور القديمة، مارست السلطات الحاكمة (ملوك، أباطرة، خلفاء، دول حديثة) شكلاً من أشكال الرقابة التاريخية. هذا التدخل يأخذ صورًا عديدة:
· المنع والتدمير المباشر: حظر كتب التاريخ التي تتعارض مع الرواية الرسمية، أو إتلاف الوثائق والمحفوظات، أو منع المؤرخين من الوصول إلى أرشيفات معينة. يقول المؤرخ البريطاني جون توش: “أكثر ما يخشاه الطغاة ليس المؤرخين المستقبليين، بل المؤرخين المعاصرين لهم”². فالدولة الحديثة، رغم ادعاءاتها، غالبًا ما تمتلك “سياسة أرشيفية” انتقائية.
· التمويل والتوظيف: توجيه البحث التاريخي عبر تمويل مشاريع معينة (مثل تاريخ الجيش، تاريخ الأسرة الحاكمة) وتهميش أخرى (مثل تاريخ الحركات العمالية، أو تاريخ الأقليات المضطهدة). فالمؤرخ الذي يعمل في مؤسسة رسمية (جامعة، أكاديمية، مركز بحثي تابع للدولة) قد يجد نفسه مقيدًا ضمن خطوط حمراء، صريحة أو مضمرة.
· التكريم والعقاب: تقديم الجوائز والمناصب والألقاب للمؤرخين الذين يكتبون تاريخًا “وطنيًا” تمجيديًا، ومقاطعة أو تهميش أولئك الذين يقدمون روايات نقدية. في العصور الإسلامية، كان الكثير من المؤرخين (كالطبري، المسعودي) يعتمدون على عطايا الأمراء، مما يضعهم في موقف حرج تجاه نقد هؤلاء الأمراء أو أسلافهم.
1.2. التاريخ كأداة للتبرير الشرعي
غالبًا ما تستدعي السلطة الحاكمة المؤرخين لتقديم سردية تاريخية تبرر حكمها وتضفي عليه الشرعية. فالحاكم الجديد يحتاج إلى ربط نفسه بماضٍ مجيد، أو بخط شرعية متصل (نسب، خلافة، انتصار ثوري). كما يحتاج إلى تشويه خصومه، ووصفهم بالطغاة أو العملاء. المؤرخ الذي يقع تحت هذه الضغوط، حتى لو لم يُكره صراحة، قد يلجأ إلى:
· تحيز الصمت: تجاهل الفترات المظلمة أو الشخصيات المحرجة، أو ذكرها بشكل عابر دون تحليل.
· اللغة الانتقائية: استخدام مصطلحات تمجد الحاكم (المجدد، المنقذ، البطل) وتشيطن الخصم (الخائن، المارق، العميل).
· تركيب سردية الانتصار: تقديم تاريخ الدولة كمسار حتمي نحو التقدم والنصر تحت قيادة النظام الحالي، وتصوير أي معارضة على أنها عائق في طريق “المصير الوطني”.
1.3. تأثير القومية والصراعات الإقليمية
قد يقع المؤرخ، بوعي أو دون وعي، ضحية العاطفة القومية الحادة، خاصة في أوقات الحروب أو الصراعات الإقليمية. فيصبح التاريخ ساحة لتصفية الحسابات الحالية، ويتحول المؤرخ من باحث إلى جندي ثقافي. يتم ذلك عبر:
· اختلاق الحقائق التاريخية لدعم المطالب الإقليمية (أطماع في أراضي الجوار بناءً على تاريخ مزعوم).
· الاستخدام الانتقائي للمصادر: حيث تُقبل روايات المصادر “الوطنية” دون تمحيص، وترفض روايات مصادر “العدو” جملة وتفصيلاً.
· بناء أساطير التضحية والبطولة لتعزيز الروح القتالية، وتقديم صورة نمطية عدائية للشعب أو الدولة المجاورة عبر التاريخ.
2. التحيز الفكري والمذهبي وأثره على النتائج
2.1. سجن الإطار الأيديولوجي
المؤرخون ليسوا ملائكة؛ فهم ينتمون إلى مدارس فكرية وسياسية (ليبرالية، ماركسية، قومية، إسلامية…). الإطار الفكري ضروري لتوجيه البحث وطرح الأسئلة، لكنه يصبح مشكلة عندما يتحول إلى سجن عقائدي يفرض استنتاجات مسبقة. يظهر هذا في:
· إسقاط النظرية على التاريخ: بدلاً من استخلاص النظرية من الواقع التاريخي، يسعى المؤرخ لإثبات صحة نظريته المفضلة عبر انتقاء الوقائع المناسبة وتأويل البقية لتتوافق معها. المؤرخ الماركسي الجامد قد يرى الصراع الطبقي في كل حدث، والمؤرخ الليبرالي قد يرى مسيرة الحرية، والمؤرخ الإسلامي قد يرى صراع الحق والباطل.
· المفاضلة المسبقة بين المصادر: تفضيل المصادر التي تتوافق مع قناعات المؤرخ المذهبية، ونبذ أو التشكيك المفرط في المصادر التي تخالفها، حتى لو كانت موثوقة من الناحية المنهجية. في التاريخ الإسلامي، نجد هذا جليًا بين مؤرخي السنة والشيعة، حيث يتم التعامل مع مصادر الطرف الآخر بشك منهجي مبالغ فيه، بينما تُقبل مصادر الطرف نفسه بسهولة.· قراءة النصوص خارج سياقها اللغوي والتاريخي: خاصة في التعامل مع النصوص الدينية المتعلقة بالأحداث التاريخية. فالمؤرخ الملتزم أيديولوجيًا قد يسعى لتأويل النص ليتفق مع روايته التاريخية، بدلاً من أن يجعل الرواية التاريخية خاضعة لمعطيات النص والسياق.
2.2. التحيز الطائفي والمذهبي
في المجتمعات المتعددة مذهبيًا، يصبح التاريخ أرضية خصبة لاستمرار الصراع. التحيز الطائفي قد يكون أكثر خطورة من التحيز الأيديولوجي العام، لأنه غالبًا ما يكون جزءًا من الهوية الشخصية للمؤرخ. ينتج عن ذلك:
· كتابة تاريخ منقسم: تاريخ شيعي وآخر سني، تاريخ كاثوليكي وآخر بروتستانتي. كل تاريخ يقدم نفسه كتاريخ “الحقيقة” ويقدم تاريخ الآخر كتاريخ “الضلال” أو “المؤامرة”.
· تحميل التاريخ بأعباء لاهوتية: تقديم الأحداث التاريخية (كمعركة كربلاء أو الصراع على الخلافة) وكأنها مجرد تجسيد لصراع عقائدي ثابت، مع إغفال تام للأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتلك الأحداث.
· استخدام التاريخ للتفاخر أو الإدانة الجماعية: استدعاء مظالم تاريخية (مذابح، حروب) لتغذية خطاب الكراهية الحاضر، أو للتفاخر بانتصارات تاريخية على الطائفة الأخرى، مما يعيق أي مصالحة تاريخية حقيقية.
2.3. المركزية الثقافية والعرقية
هذا التحيز يجعل المؤرخ ينظر لتاريخ أمته أو عرقه على أنه محور التاريخ العالمي ومعيار الحضارة، بينما يتعامل مع تاريخ الآخرين بازدراء أو بتهميش. يظهر ذلك في:
· التاريخ الأوروبي المركزي: الذي يقدم تاريخ العالم كمسيرة قادتها أوروبا نحو التقدم، وتاريخ الآخرين مجرد ردود فعل أو عوائق.
· النظرة الاستعلائية تجاه تاريخ “الشعوب البدائية” أو “الشرقية”: حيث يُقرأ تاريخ هذه الشعوب فقط من خلال ما كتبه المستعمرون أو المستشرقون، دون إعطاء وزن لروايتها الذاتية.
· التركيز المفرط على التاريخ السياسي للطبقات الحاكمة (الملوك، القادة) وإهمال تاريخ الشعوب (History from Below)، والمرأة، والفلاحين، والعبيد، مما يعكس تحيزًا طبقيًا واجتماعيًا.
3. تأثير البيئة الثقافية والاجتماعية على رؤية المؤرخ
3.1. زمن المؤرخ كإطار حاكم
لا يكتب المؤرخ في فراغ زمني. إن الحاضر الذي يعيش فيه يفرض عليه أسئلته وهمومه وأولوياته. فالمؤرخ الأوروبي في القرن التاسع عشر، في ظل صعود القوميات، كان مهووسًا ببحث عن أصول الأمم. والمؤرخ العربي في منتصف القرن العشرين كان مشغولاً بأسئلة النهضة والهزيمة والوحدة. هذا التأثير حتمي، لكن الخطر يكمن عندما يجعل المؤرخ الماضي مجرد مرآة لحاضره، لاكتشاف “الدروس” التي تريدها أيديولوجيته، بدلاً من فهم الماضي في سياقه المختلف.
3.2. اللغة وأطر التفكير
لغة المؤرخ ليست أداة بريئة. فهي تحمل في طياتها أنساقًا فكرية وتصنيفات ثقافية موروثة. المؤرخ العربي، مثلًا، يكتب بلغة تحمل ثقلاً هائلاً من التراث الديني والأدبي، مما قد يجعله يستخدم مصطلحات مثل “فتح”، “خروج”، “ثورة”، “ردة” دون تمحيص نقدي لدلالاتها الأيديولوجية. كما أن اللغة الغربية، عند ترجمة مصطلحات تاريخية شرقية، قد تحمل دلالات مشوهة (كترجمة “السلطان” بـ “Sultan” المرتبطة بالاستبداد في المخيال الغربي).
3.3. المؤسسة الأكاديميــة والتقاليد العلمية
المؤرخ المعاصر يعمل داخل مؤسسة أكاديمية لها تقاليدها ومعاييرها للترقية والنشر والاحترام. هذه المؤسسة، رغم دورها في ضمان الجودة، قد تشكل قيدًا:
· الموضات الفكرية: قد ينجرف المؤرخ نحو المناهج أو النظريات الرائجة في أوساطه الأكاديمية (كالدراسات الثقافية، ما بعد الاستعمار، التاريخ الجديد) ليس لإيمان حقيقي بها، بل لضمان نشر أبحاثه وقبولها.
· التخصص الضيق المفرط: قد يؤدي ضغط “الإنتاج العلمي” إلى تحويل المؤرخ إلى متخصص شديد الضيق في فترة زمنية قصيرة أو موضوع صغير، مما يفقده الرؤية الشمولية والقدرة على ربط الأحداث في سياق كلي.
· التبعية الفكرية للغرب: في العالم العربي والإسلامي، يواجه المؤرخ تحدي التبعية للنظريات والمناهج الغربية. فإما أن يتبناها بلا نقد، وإما أن يرفضها جملة بدافع الخصوصية، وقلما يسعى إلى توطين المنهج (Indigenization of Methodology) أو بناء نماذج تحليلية تنبع من خصوصية التراث التاريخي للمنطقة.
خاتمة الفصل: المؤرخ بين الضرورة والمثالية
إن استعراض هذه العوائق والضغوط قد يثير سؤالًا مشروعًا: هل يمكن، إذن، كتابة تاريخ موضوعي؟ الإجابة ليست بنعم مطلقة ولا بلا قاطعة، بل هي في الاعتراف بالتحدي والالتزام بالمواجهة. المؤرخ المثالي غير موجود، لكن المؤرخ الجيد هو الذي:
· يكون واعيًا بتحيزاته ويحاول كشفها للقارئ، لا إخفاءها.
· يخضع عمله لمعايير منهجية صارمة تتيح للآخرين التحقق من أدلته ونقد استنتاجاته.
· يتمسك بالشجاعة الأخلاقية لقول ما يعتقد أنه الحقيقة، حتى لو تعارض مع السلطة أو مع الرأي العام أو مع قناعاته الشخصية الأولى.
· يفهم أن الحقيقة التاريخية ليست ملكًا له، بل هي نتاج حوار دائم بين المؤرخين عبر الأجيال، كل منهم يحاول التغلب، قدر استطاعته، على عوائق عصره وذاته.
المهنة التاريخية، في نهاية المطاف، هي ممارسة للحرية الفكرية في مواجهة كل أشكال القسر والتحيز. إن إخفاق بعض المؤرخين في تجاوز هذه العوائق لا يقلل من قيمة الجهود الجبارة التي يبذلها آخرون للاقتراب من فهم أكثر إنصافًا للماضي. دراستنا لهذه الأخطاء تذكرنا بأن قراءة التاريخ تتطلب منا، كقراء، نفس الوعي النقدي: أن نتساءل دائمًا عن السياقات التي كتب فيها المؤرخ، والضغوط التي واجهها، والأطر الفكرية التي ينتمي إليها.
هوامش الفصل الرابع
¹ Bloch, Marc. Apologie pour l’histoire ou Métier d’historien. Armand Colin, 1949, p. 61. (مارك بلوك، دفاعًا عن التاريخ أو مهنة المؤرخ، ترجمة: سليم حداد، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007، ص 89).
² Tosh,John. The Pursuit of History: Aims, Methods and New Directions in the Study of Modern History. 6th ed., Routledge, 2015, p. 146. (جون توش، السعي وراء التاريخ: أهداف، مناهج واتجاهات جديدة في دراسة التاريخ الحديث، ترجمة: عبد الرحمن عبد الله الشيخ، العبيكان، الرياض، 2018، ص 195).
³ للمزيد عن تأثير السلطة على المؤرخين في العصر الإسلامي،انظر: الدوري، عبد العزيز. مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط9، 2005، ص 25-40.
⁴ حول إشكالية المركزية الأوروبية في الكتابة التاريخية،انظر: Chakrabarty, Dipesh. Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference. Princeton University Press, 2000. (ديبيش شاكرابارتي، تأقلم أوروبا: الفكر ما بعد الاستعماري والاختلاف التاريخي، ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2013).
د. طارق عبده الحامد




