وحوش إنسانية

د. أحمد الطباخ
طبع الإنسان على الرقة واللين والرحمة، فذاك الطبع هو الأصيل المركوز في بني آدم منذ خلقه برحمته، وكرمه في البر والبحر، ورزقه من الطيبات بعد نفخ فيه ربه من روحه، وأسجد له ملائكته، وظل هكذا حتى وقعت الواقعة بتلك الجريمة المدوية التي وقعت أول مرة على ظهر البسيطة بين ابني آدم، حيث قتل هابيل قابيل، ومن يومها وصارت الوحشية تدب في أوصال أولاد آدم ، ولم يكن لهم عاصم من ذلك بالترفع والسمو إلا بالاعتصام بحبل الله وشرعه، وما جاءت به شريعته ضبطا لنفسه الأمارة بالسوء، وحفظا لها من الهلاك والضياع ، وإذا لم يهتد بذلك تحول إلى وحش كاسر، وصار أشد منه ضرواة، لا يبقي على شيء، ولا يراعي إلا ولا ذمة، فيفترس من البر والبحر والهواء، ويعيث فسادا ودمارا وتخريبا، وما هو بمضطر كاضطرار الوحوش، ذلك أن الوحوش تفعل ذلك بطباع غرزت فيها، وركبت فهي متوافقة مع طبعها تفعل ذلك لبقائها وغذائها وطعامها، فهي مضطرة لفعل ذلك فترد عنها قوارص السغب، ولكن الإنسان يتقمص ذلك الدور، ويفعل ما يفعله في العالم ليتلذذ، ويتفكه بتنوع الألوان، واختلاف الطعام، وإرضاء لغروره وكبريائه، واستقواء على الضعفاء من خلق الله.
السبع يمارس هوايته، ويغتال فريسته من أجل نهشة من اللحم، ولكن إنساننا قد يسطو على شرف أخيه وطمأنينته، فيسلبها منه من أجل لذة فارغة، لا يضيره الاستغناء عنها، فلقد وصلت الوحشية بالإنسانية درجة لم تكن من قبل في مراحلها وتطورها، فظهور جرائم الشرف اليوم من زنا المحارم، وقتل الابن لأمه وأبيه، وخلاف الأخوة على أقل الأمور إنما هو سره تلك الوحشية التي قطعت العلاقات، وهدمت الصلات، وحولت الحياة إلى أن تكون أشبه بغابة يأكل القوي الضعيف، وتضيع قيم الحق والعدل.



