
د. دعاء رخا – شاعرة مصرية
صاحب ومدير عام لدى دار “أسفار” للطبع والنشر والتوزيع
لم يكن الأدب في أي مرحلة من مراحله عبر التاريخ مجرد وسيلة سهلة، أو ممارسة لمهارة لغوية، ولا كان فعلا بريئا يُقاس بعدد النصوص أو معدل النشر، بل كان الأدب دائما جوهرا عميقا واستجابة إنسانية لسؤال لا يكف عن الإلحاح المؤلم: سؤال المعنى، ذلك السؤال الذي يتجلى عندما يفقد الواقع قدرته على التفسير، وعندما يشعر المرء أن التجربة أثقل من أن تُعاش بلا فهم كافٍ، أو من أن يتم التعبير عنها بإعادة صياغتها بلغة قادرة على الاحتواء.
هذا السؤال لم يكن في أي مرحلة تاريخية سابقة مجرد شرف معرفي أو ترف فكري أو نتاج فراغ ذهني.. هذا السؤالكان وليدا مكتمل النمو لاختناق داخلي، وحيرة مشروعة، وشعور متراكم ومتراكب بأن الحياة في عريها الأول والملموس غير كافية أبدا، وأن التجربة ما لم تنصهر في بوتقة اللغة تظل مفككة العناصر أو ناقصة المعنى أو مبعثرة الأفكار أو عصية على التماسك الذي يضمن لها التفاعل والبقاء.
من هنا، وُلد الأدب يافعا بوصفه فعل تنظيمٍ للفوضى التعبيرية، ومحاولة دؤوبة لإنقاذ المعنى من التبدد والذوبان والعدمية.
غير أن المار على المشهد الأدبي المعاصر بتأمل كافٍ،ووعي لا يدع مجالا للتكهن يلحظ تحولا لافتا لا يمكن تجاهله أو المرور عليه مرورا لا يليق بما يؤول إليه: وفرة غير مسبوقة في النصوص، يقابلها تراجع مقلق في ثقل الأسئلة ، حضور كثيف للكتابة يقابله غياب تدريجي لوظيفتها المعرفية. كأن الأدب المعاصر في جل تجلياته الراهنة، لم يعد يسائلالعالم بقدر ما يعرض الأديب، ولم يعد يحفز في جدران المعنى بقدر ما يؤكد بإيضاح جم الوجود الرمزي للذات الكاتبة.
لم أتعرض لهذا بقصد إصدار حكم قيمي سريع، ولا بغرض انخراط نوستالجي جارف يحن إلى زمن يُعتقد أنه كان أكثر صفاء وعمقا وجمالا واكتمالا بقدر ما هو محاولة صادقة وهادئة ورشيدة لفهم آلية ومسار هذا التحول: كيف انتقل الأدب في مساحات واسعة من كونه سؤالا مفتوحا للمعنى ودلوا يُحمل به من عمق آبار الفكر ما يفيد ويبقى إلى كونه عرضا متواصلا للذات واستعراضا بهلوانيا لها؟ وما الذي كسبه أو خسره أو آل إليه بهذا الانتقال؟
الأدب بوصفه سؤالا للمعنى
إذا عدنا إلى وظيفة الأدب الأولى كما حملها لنا التاريخ وعلمتنا إياهاالحكمة والمعرفة الرصينةبعيدا عن التصنيفات المدرسية أو التقسيمات الأكاديمية، سنجده وبلا منازع أو معارض فعل مقاومة ناعمة للغموض. مقاومة مسلحة باللغة لا بالسلاح. كان الأدب محاولة لفهم ما وراء المباشر وما يتجاوز الجليّ وتسمية ما استعصى على التسمية، ومنح التجربة الإنسانية شكلا يمكن احتماله نابضا بالحياة والشعور المتكامل.
كان الأدب في هذا السياق أداة تفكيك للواقع المعاش إذ لم يكن مرآة صافية له تنقل العالم كما هو فحسب، بل كما يُفهم فعلا أو كما يُخشى أو كما يُرتجى؛ ولهذا نجد أنه ارتبط ومنذ الثقافات الأولى للبشرية بأسئلة الوجود الكبرى: من نحن؟ ولماذا نتألم؟ وما الذي يمنح الحياة معناها الحقيقي؟ وماذا سيأتي بعدها؟ ومتى؟ ولماذا؟
كانت هذه الأسئلة تُطرح بأقلام ذويها ليس من باب الفلسفة المحضة، إنما بوصفها جراحا مفتوحة ومآزق إنسانية وتجارب معيشة مشتركة.
من هذه الزاوية، نجد أن الأدب لم يكن زينة ثقافية ولا ترفا اجتماعيا ولاوجاهة معرفية، بل كان ضرورة لحياة تُفهم وتُعاش، ضرورة أخلاقية ومعرفية في آن.
لا يستطيع ناكرٌ إنكار أن الأدب كان في صورته الكلاسيكية وسيطا لا بطلا؛ إذ كان يختفي صوته كثيرا لنسمع صوت الإنسان، ويذوب حضوره الشخصي بين السطور ليمنح النص قدرة على العبور من الأوراق إلى الآفاق كافة ومن الخاصالضيق إلى العام الواسع والشامل. وحتى لو كانت الذاتالكاتبة حاضرة بقوة، فإنها بذلك لم تكن ذاتا معلنة بقدر ما كانت ذاتا كاشفة للمعنى، وذاتا تُستخدم كأداة للفهم لا للعرض.
لحظة التحول: من النص إلى الكاتب
وإذا تساءلنا الآن، ما الذي تغير إذن؟
سيقودنا هذا التساؤل إلى أن التغير لم يحدث فجأة، ولا يمكن اختزال أسبابه في سبب واحد مهما بدا ذلك، لكن هذا التغير نتج عن تحولات اجتماعيةوتقنية بل وثقافية متداخلة تداخلا غريبا،ومن أهم هذه التحولات انتقال مركز الثقل الأدبي من النص إلى صاحبه، ومن التجربة إلى تمثيلها وشخصنتها، ومن السؤال المؤول إلى الصورة.
لم يعد النص يعيش وحده في الفضاء الثقافي المعاصر، بل صار محاطا بسياج سميك مدجج بالتعريفات والحسابات والمتابعات والتفاعلات، حيث أنه وبلا إنذار سابق لم يعد يُقرأ فقط، بل أصبح يُشاهد ويُشارك ويُقيَّم لحظيا. هذا التحول المعاصر – تقنيا كان أو مجتمعيا أو ثقافيا –أعاد تشكيل علاقة الكاتب بنصه، وربما بنفسه؛ فصار ظهور الكاتب بنفسه أو بصورتهجزءا من فعل الكتابة، بل وأحيانا شرطا مقدسا من شروطها غير المعلنة.
وبالنظر إلى هذا التحول، وجدنا أن الكتابة بدأت تتحرك تحت ضغط الزمن المتسارع، فلم يعد النص يُمنح فرصة للنضج الكافي، ولم تعد التجربة تترك لتتخمر؛ فكل شيء أصبح تحت مقصلة المطالبة بأن يكون جاهزا فورا وقابلا للنشر والتفاعل. ومن هنا بدأ الأدب في كثير من تجلياته يتخفف من عبء المعنى لصالح الأداء الخفيف، فلم يعد السؤال الآن ضرورة ما دام الحضور مضمونا، ولم يعد العمق الفلسفي والنفسي مطلبا مادام التفاعل حاضرا وجليا.
الذات بين الكشف والاستعراض
لكن، هل يعني هذا أن حضور الذات الكاتبة في الأدب خطيئة؟
بالتأكيد لا.
فالذات كانت، وما زالت، وستظل جزءا لا يتجزأ من الكتابة؛ فالأدب لا يُكتب من فراغ، ولا يتشكل من خارج التجربة الشخصية. غير أن هناك فارقا جوهريا يكمن في طبيعة وآلية هذا الحضور الشخصي: هل الذات وسيلة لفهم العالم؟ أم أن العالم مجرد خلفية لعرض الذات؟
الذات الكاشفة هي التي تدخل النص لتُضيء لا لتُضاء.هي التي تستخدم ألمها وأسئلتها وخبراتها الممتدة لتفتح أفقا يتجاوزها، هي التي لا تقول: “انظروا إليّ”، إنما تقول: “انظروا معي” أما الذات العارضة أو المستعرضة هي التي تحاول دائما أن تتقدم الصف، بل وتطلب بنفسها وبصراحة الاعتراف قبل الفهم والحضور قبل المعنى. وفي هذا النمط يصبح النص ملحقا بالكاتب وتابعا له لا العكس، وتتحول الكتابةإلى تأكيد وجودي ودلالة وضوح أكثر منها فعل معرفة. والفارق بين النمطين ليس لغويا فقط، بل أخلاقي أيضا؛ فالأدب حين ينحاز إلى الكشف يحمّل كاتبه مسؤولية مضاعفة: مسؤولية الصدق، ومسؤولية العمق، ومسؤولية ألا تتحول التجربة الخاصة إلى عبء على القارئ، بل يعبر به نحو فهم أوسع.
أثر التحول على القارئ
وبالنظر العميق، يتبين أن هذا التحول لم ولن يمر دون أثر على القارئ؛ فالقارئ بدوره قد تغيرت وظيفته الحالية؛ إذ لم يعدشريكافي إنتاج المعنى ومحاولة سبر أغوار النص للوصول إلى المراد منه، بل أصبح مستهلكا للنصوص؛ يتلقى بسرعة، ويصدر حكما أسرع، ثم ينتقل إلى نص آخر دون أن يترك للأثر فرصة للاستقرار.
ومع هذا النمط من التلقي، نجد أن العلاقة الآنية بين النص والوعي قد تغيرت تغيرا جذريا، إذ لم تعد القراءة فعل انخراط، إنما أصبحت نشاطا عابرا ضمن سيل من المحتوى الذي يدفع بعضه بعضا عبر قفزات من الزمن لا تتعدى زمن ضغطة زر؛ فالنصوص أصبحت تتشابه، والأصوات تتقارب، والفروق الدقيقة التي كانت تميز التجارب الجادة تبدأ في التلاشي، لا لأن الكتابة فقدت قيمتها بالضرورة، بل لأن شروط تلقيها قد تغيرت.
إذن، إذا غاب السؤال، غاب القارئ الحقيقي، وإذا تحول الأدب إلى مجرد أداء، تحول القارئ إلى مجرد جمهور، والجمهور بطبعه لا يبحث عن المعنى مهما بدا قريبا، إنما يبحث دائما عن المتعة السريعة أو التعاطف اللحظي. وهنا يفقد الأدب إحدى أهم وظائفه على الإطلاق: أن يبطئ الزمن، ويجبر القارئ على التوقف والتفكير، وإعادة النظر.
المشهد الثقافي بين الكم والوظيفة
عند النظر إلى المشهد الثقافي على مستواه العام بمنظور واسع، نجد أن هذا التحول قد أدى إلى مفارقة لافتة جدا: ازدهار في الإنتاج، يقابله تراجع في الوظيفة. فنجد نصوصا كثيرة، لكنها ذات أثر محدود، ونجد أسماء لامعة لكن حضورها المعرفي هش، ونجد حركة مستمرة، لكن اتجاهها غير واضح دائما.
هذه المفارقة لا تعني بالضرورة غياب القيمة الفعلية، بل قد تشوشها؛ فحين تتكاثر النصوص دون معيار واضح، يصبح من الصعب التمييز بين ما هومارٍّ أو عابر، وما هو تأسيسي أصيل. وحين يُقلس النجاح بالانتشار، لا بالقدرة على إحداث أثر معرفي بارز وطويل الأمد، فإن ميزان التقييم يتغير برمته.
في مثل هذا المناخ، نجد أن الدفاع عن وظيفة الأدب المعرفية أصبح فعل مقاومة هادئة. مقاومة لا تعادي الواقع، إنما تحاول فهمه، ولا تنكر التحول، إنما تسعى إلى وعيه، وإلى إعادة طرح السؤال الأساسي: لماذا نكتب؟
هل يمكن استعادة السؤال؟
يبقى أمامنا سؤال مهم: هل يستطيع الأدب أن يمارس وظيفته الرئيسة بوصفه سؤالا للمعنى؟ أم أن دوره قد تغير فعليا، وما علينا إلا أن نتقبل هذا التحول؟
ربما لا نجد إجابة حاسمة، فالأدب كائن حي، يتشكل ويتأقلم وفق معطيات عصره. لكنه، في الوقت نفسه يملك قدرة نادرة على تجاوز تلك المعطيات إذا وجد من يكتب بدافع الضرورة لا الظهور،وبوعي لا انفعال.
استعادة السؤال لا تعني العودة إلى الماضي، ولا التنكر للذات، ولا رفض الوسائط الجديدة، لكنهاتعني إعادة ترتيب الأولويات، وتعني أن يكون المعنى سابقا على الأداء، وأن تكون الكتابة فعل فهم قبل أن تكون فعل حضور.




