مقال

كيف حوّل القضاء العُماني نزاهته إلى أسلوب حياة؟

عوض الله الشيخ العوض| مستشار قانوني

في عالم تطغى عليه التعقيدات التشريعية وتتزعزع فيه الثقة في كثير من الأحيان، تقف سلطنة عُمان شامخة بنموذجها القضائي الفريد، ليس كنظام لفصل المنازعات فحسب، بل كفلسفة حكم متجذرة تحوّل فيها مبدأ “سيادة القانون” من نصٍ جامد إلى ممارسة يومية يشعر بها المواطن في كل محكمة وكل قضية. هنا، حيث تتحول النزاهة من شعارٍ إداري إلى أسلوب حياة مؤسسي، يصبح القضاء العُماني قصة نجاح تستحق الوقوف عند أسبابها.

البداية تكمن في الاستقلالية المصونة بدرع دستوري لا يقبل المساومة. فالقاضي العُماني لا يخضع لسلطان إلا لضميره المهني ونصوص القانون الواضحة، بعيداً عن أي ضغوط خارجية. هذه الحصانة ليست امتيازاً، بل هي التزام أخلاقي وسلاح فعّال لمواجهة أي محاولة للتأثير، مما يخلق بيئة قضائية نقية ينمو فيها العدل كشجرة وارفة الظلال.

ولكن، كيف تضمن النظام حماية هذه النزاهة؟ الجواب في البناء الهرمي المحكم الذي يشبه القلعة الحصينة. بدءاً من المحاكم الابتدائية، مروراً بمحاكم الاستئناف، وصولاً إلى المحكمة العليا كحارس أخير للشرعية، يوفر هذا الهرم درجات متعددة للتقاضي ومراجعة الأحكام. إنه نظام يكشف أي خلل تلقائياً، ويجعل كل حكم تحت المجهر القانوني، مما يرفع سقف المساءلة ويجعل الشفافية جزءاً لا يتجزأ من العملية القضائية.

غير أن الروعة الحقيقية تكمن في الالتزام الحرفي بالعدالة النزيهة، حيث تطبق المحاكم القانون بصرامة تحيّر المراقبين. فالقضاء في عُمان لا يعرف المحاباة أو الوساطة، فالجميع سواسية أمام منصة القضاء: الوزير والمواطن، التاجر الكبير والموظف البسيط. هذه المساواة المطلقة تخلق شعوراً عميقاً بالاطمئنان، وتجعل الثقة في القضاء إرثاً مجتمعياً وليس مجرد ثقة مؤسسية.

لكن القصة لا تكتمل دون الحديث عن السياج الوقائي المتعدد الطبقات. فإلى جانب الرقابة الذاتية للقضاة، توجد هيئات رقابية متخصصة مثل هيئة مكافحة الفساد “هيائم”، التي تراقب وتتحرى دون استثناء. كما أن التطور المستمر للقوانين واعتماد التقنيات الحديثة في التوثيق والبتّ في القضايا يغلق أي ثغرة محتملة ويجعل النظام في سباق دائم مع التحديات العصرية، من الجرائم الإلكترونية إلى مستجدات الاقتصاد العالمي.

الأثر المجتمعي لهذا النموذج عميق ومتعدد الأوجه. فقد ساهم في ترسيخ ثقافة قانونية حيث يلجأ الأفراد إلى القضاء كخيار أول لحل نزاعاتهم، واثقين في نزاهته وسرعة إجراءاته. كما عزز من سمعة عُمان كبيئة آمنة للاستثمار، حيث يحترم العقد ويُفعل القانون. إنها حلقة حميدة: قضاء نزيه يبني ثقة، والثقة تدفع نحو مزيد من النمو والاستقرار.

ختاماً، فإن القضاء العُماني لا يقدم لنا مجرد دروس في الإدارة القضائية الفعّالة، بل يقدم نموذجاً إنسانياً راقياً عن كيفية تحويل المبادئ السامية إلى واقع ملموس. إنه يثبت أن النزاهة ليست كلمة تقال، بل هي نظام يُبنى، وثقافة تُزرع، وتراث يُصان. في قاعات محاكم عُمان، نجد أجمل إجابة على سؤال قديم: كيف تبني أمة مستقبلها؟ الإجابة ببساطة: بالعدل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى