تاريخ

أهمية التاريخ في تفسير الأحداث المعاصرة 8

التاريخ بين التقديس و التدنيس

د. طارق حامد | مصر

إذا كانت فصول الكتاب السابقة قد وضعت الأسس المنهجية والفلسفية لفهم التاريخ، فإن هذا الفصل يمثل منعطفاً عملياً نحو الحاضر، ليبين كيف أن هذا الفهم ليس ترفاً فكرياً، بل هو أداة تشخيص لا غنى عنها لفك شفرات الواقع المعقد الذي نعيشه. فالأحداث الجارية – من صراعات سياسية إلى تحولات اجتماعية، ومن أزمات اقتصادية إلى تحالفات دولية – لا تنبثق من فراغ. إنها، في جوهرها، نتاج تفاعل تراكمي لمجموعة هائلة من القوى والاختيارات التي شكلها الماضي. إن تجاهل التاريخ عند محاولة تفسير الحاضر يشبه محاولة تشخيص مرض مزمن دون معرفة التاريخ المرضي للمريض؛ فهو يؤدي إلى تشخيص سطحي وخطير. هذا الفصل يهدف إلى توضيح الكيفية التي يمكن بها للوعي التاريخي أن يضيء زوايا مظلمة في حاضرنا، ويجعلنا نفهم أنه ليس قدراً محتوماً، بل مرحلة في مسيرة مستمرة.

1. التاريخ كأداة للتفكيك النقدي للخطاب السياسي المعاصر

1.1. فضح أساطير الحاضر

تعتمد الأنظمة السياسية والحركات الأيديولوجية في خطابها التبريري على أساطير تاريخية تقدم نفسها كحقائق مسلم بها. الوعي التاريخي النقدي يمكّننا من تفكيك هذه الأساطير. على سبيل المثال:

· أسطورة “النزاع الأبدي”: عندما يصور خطاب سياسي صراعاً معيناً (كالصراع العربي-الإسرائيلي، أو النزاعات الطائفية) على أنه “صراع أبدي” منذ آلاف السنين، يأتي التاريخ ليكشف زيف هذه المقولة. فالتاريخ يظهر أن طبيعة الصراعات تتغير، وأن فترات التعايش والتجاور كانت أطول وأكثر رسوخاً من فترات العنف في كثير من الأحيان. كما يكشف أن هذه “الأبدية” هي بناء حديث لخدمة مصالح سياسية راهنة.
· أسطورة “الشر التاريخي” أو “البراءة التاريخية”: كثيراً ما تُصوَّر دولة أو جماعة على أنها مصدر الشر عبر التاريخ، أو العكس، كضحية بريئة دائماً. دراسة التاريخ بتعقيداته تكشف أن كل الكيانات السياسية شاركت في ممارسات إيجابية وسلبية، وأن تبسيط الماضي إلى هذا الحد هو تلاعب بالوعي.

1.2. فهم جذور المشكلات المستعصية

كثير من المشكلات التي تبدو “مستعصية” في حاضرنا، تكمن جذورها في قرارات أو أحداث تاريخية لم تُعالج، أو في تراكمات موروثة. التاريخ يساعد في تشخيص هذه الجذور:

· قضايا الحدود والنزاعات الإقليمية: لا يمكن فهم النزاع في كشمير أو الصحراء الغربية أو إقليم ناغورني كاراباخ دون العودة إلى اتفاقيات الاستعمار وخرائط سايكس-بيكو وتقسيمات ما بعد الحربين العالميتين. فالمشكلة ليست في الجغرافيا فقط، بل في التاريخ السياسي الذي رسم هذه الجغرافيا بشكل تعسفي.
· الأزمات الهيكلية: أزمة الديمقراطية في العديد من الدول العربية، مثلاً، لا تُفهم بمعزل عن تاريخ أنظمة الحكم المركزية التي أرساها الاستعمار، ثم عززتها الأنظمة الوطنية عبر عقود من حكم الحزب الواحد أو العسكرة، وأفقرت المؤسسات الوسيطة والقوى المجتمعية¹.

1.3. تتبع التحولات في المفاهيم والمصطلحات

المصطلحات السياسية التي نستخدمها اليوم، مثل “الشعب”، “الأمة”، “الدولة”، “المواطنة”، “الإرهاب”، لها تاريخ طويل وتطور دلالي. فهم هذا التاريخ يمنعنا من الوقوع في فخ الالتباس. مثلاً:

· مفهوم “الوطنية” في الشرق الأوسط الحديث ارتبط عضوياً بصراع مع الاستعمار وبعملية بناء الدولة القومية، وهو مختلف عن مفهوم الانتماء في العصر العثماني أو ما قبله.
· عندما تستخدم جماعة ما مصطلح “الجهاد” أو “المقاومة”، أو تستخدم دولة مصطلح “مكافحة الإرهاب”، فإن الرجوع إلى التاريخ السياسي والديني لهذه المصطلحات يسمح لنا بفهم الحمولة الأيديولوجية التي تحملها، وكيفية توظيفها في الصراع الراهن.

2. التاريخ كمرآة لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية

2.1. تفسير صعود وسقوط الحركات الاجتماعية

لماذا تظهر حركة اجتماعية أو ثقافية في وقت معين وتنتشر، ثم تختفي أو تتحول؟ الجواب غالباً ما يكون تاريخياً.

· صعود الحركات الإصلاحية الدينية: لا يمكن فصل صحر الحركات السلفية أو الإحيائية الإسلامية المعاصرة عن تاريخ الصدمة الاستعمارية، وفشل المشاريع القومية والعلمانية في تحقيق النهضة، وعن رد الفعل التاريخي على الحداثة الوافدة بصورتها الاستعمارية². إنها استجابة لمأزق تاريخي عميق.
· التحول في الأدوار الاجتماعية (مثل وضع المرأة): النقاش الحالي حول حقوق المرأة ودورها في العالم العربي والإسلامي لا معنى له دون فهم التاريخ الطويل للبنى الأبوية، وتأثير التشريع الإسلامي والعرف القبلي عبر القرون، وتأثير الاحتكاك بالغرب خلال القرنين الماضيين. التغيرات الحالية هي لحظة في مسار تاريخي طويل من التفاوض والصراع حول الأدوار.

2.2. فهم التحولات في الهويات الجماعية

الهويات ليست ثوابت، بل هي بناءات تاريخية ديناميكية. التاريخ يشرح لنا كيف تشكلت الهويات التي نعتبرها اليوم بديهية.

· الهوية الوطنية: كيف تحول انتماء الفرد من كونه “رعية” في الدولة العثمانية إلى “مواطن” في دولة قومية حديثة؟ هذه العملية تتضمن تاريخاً من التعليم الموحد، والتجنيد الإلزامي، ووسائل الإعلام، وبناء الروايات التاريخية الوطنية.
· الهوية الطائفية: التوترات الطائفية الحالية في المشرق العربي، على سبيل المثال، لا تُفهم دون الرجوع إلى السياسات العثمانية في التعامل مع الطوائف (نظام الملل)، ثم السياسات الاستعمارية التي عززت الهويات الطائفية كوسيلة للسيطرة (“فرّق تَسُد”)، ثم سياسات الأنظمة الوطنية التي استخدمت الطائفية أحياناً كأداة للحكم³.

3. التاريخ كإطار لفك تشابك الأزمات الاقتصادية

3.1. أزمات الاقتصاد السياسي

الأزمات الاقتصادية المتكررة (التضخم، البطالة، الديون، التبعية) لها جذور في الاختيارات التنموية التاريخية.

· التبعية الاقتصادية: هيكل الاقتصاد في كثير من دول الجنوب، القائم على تصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنعة، هو نتاج التاريخ الاستعماري الذي أعاد تشكيل اقتصاديات هذه المناطق لخدمة المراكز الصناعية في أوروبا. اتفاقيات التجارة الحرة اللاحقة غالباً ما كرست هذا النمط.
· الريعية والدولة الرعوية: اعتماد العديد من الدول العربية على ريع النفط، وتحولها إلى “دول ريعية” توزع العطاءات على مواطنيها بدلاً من خلق اقتصاد إنتاجي، له تاريخ بدأ مع اكتشاف النفط وعلاقات التحالف مع القوى الغربية في فترة الحرب الباردة، وسياسات “الشراء الاجتماعي” للسيطرة السياسية⁴.

3.2. التفاوت الاجتماعي والطبقي

الفجوات الهائلة بين الفقراء والأغنياء في العديد من المجتمعات ليست حتمية طبيعية، بل هي نتيجة عمليات تاريخية مثل:

· سياسات الخصخصة في تسعينيات القرن العشرين التي نقلت الثروة من القطاع العام إلى نخب مرتبطة بالسلطة.
· القوانين العقارية التاريخية التي حرمت الفلاحين من الأرض ومركزت الملكية في أيدي قلة.
فهم هذه العمليات التاريخية يظهر أن التفاوت هو نتاج سياسات واختيارات،وليس مجرد “سوق حر”.

4. أمثلة تطبيقية: كيف يساعد التاريخ في تحليل أحداث راهنة

المثال الأول: أزمة اللاجئين السوريين والأوروبيين

لا يمكن تحليل الأزمة الإنسانية للاجئين السوريين ورد الفعل الأوروبي عليها بمعزل عن التاريخ:

· الجانب السوري: يتطلب فهم لماذا انهارت الدولة السورية بهذه الصورة؟ هنا، التاريخ السياسي الحديث لسوريا حاسم: تاريخ حكم حزب البعث، وصعود النظام الأسري، وسياسات القمع، والتحالفات الطائفية، وتدمير المجتمع المدني عبر عقود، كلها عوامل أنتجت بيئة خصبة للانفجار.
· الجانب الأوروبي: رد الفعل المتخوف والمتناقض في أوروبا يفهم من خلال: تاريخ العلاقات الاستعمارية مع المنطقة، وتجارب الهجرة السابقة غير المدروسة، وصعود اليمين الشعبوي الذي يستحضر ذكريات تاريخية (مثل الغزو العثماني لأوروبا) لتغذية المخاوف. الخلاف بين دول أوروبا الشرقية والغربية تجاه استقبال اللاجئين يعكس أيضاً تاريخاً مختلفاً في التعامل مع التنوع (الإمبراطوريات المتعددة القوميات مقابل دول قومية “نقية” تاريخياً).

المثال الثاني: صعود التيارات الشعبوية في العالم

موجة الشعبوية اليمينية في أوروبا وأمريكا، والشعبوية القومية في دول أخرى، تبدو ظاهرة معاصرة، لكنها ذات أبعاد تاريخية عميقة:

· الخوف من فقدان الهوية: في أوروبا، يتغذى هذا الخطاب على تاريخ طويل من الحروب والصراعات التي شُيدت عليها الهويات القومية. فكرة “أوروبا المسيحية البيضاء” هي بناء تاريخي يتم استدعاؤه لمواجهة التعددية الحالية.
· الغضب الاقتصادي: في أمريكا، يرتبط غضب الطبقة العاملة البيضاء في “الحزام الصدئ” (Rust Belt) بتاريخ سياسات إلغاء القيود الصناعية (Deindustrialization) التي بدأت في سبعينيات القرن العشرين، وتحول الاقتصاد من الإنتاج إلى الخدمات والمالية، مما أفقد ملايين الأشخاص مكانتهم الاقتصادية والاجتماعية التي كانت قائمة لقرن من الزمان.
· الاستبداد الجديد: صعود قيادات شعبوية ذات نزعات استبدادية في دول مثل روسيا وتركيا يُفهم في إطار تاريخ هذه الدول مع السلطة المركزية القوية (إرث القيصرية والسلطنة، ثم التجربة السوفيتية والكمالية)، وإخفاق التجارب الديمقراطية الهشة التي تلتها.

المثال الثالث: النزاع في أوكرانيا

النزاع الروسي الأوكراني هو حالة صارخة حيث يكاد الحاضر يكون تاريخاً مباشراً:

· جذور الهوية: ينبع النزاع من تاريخين متنافسين: التاريخ الروسي الذي يرى أوكرانيا جزءاً لا يتجزأ من “روسيا التاريخية” ومهد الدولة (كييف روس)، والتاريخ الأوكراني الذي يبني هوية منفصلة على تجارب مثل جمهورية القوزاق ومحاولات الاستقلال في القرن العشرين.
· الصدمة السوفيتية: انهيار الاتحاد السوفيتي كان صدمة تاريخية كبرى لكل من روسيا (فقدت إمبراطوريتها ومكانتها) وأوكرانيا (حصلت على استقلال غير متوقع). الطريقة التي عولجت بها هذه الصدمة (التحول الاقتصادي الفوضوي، التوسع شرقاً لحلف الناتو) هي التي خلقت بذور الصراع الحالي.
· ذاكرة الحرب العالمية الثانية: يستخدم الطرفان ذاكرة الحرب العالمية (“الحرب الوطنية العظمى” لدى الروس، ومأساة الاحتلال النازي وما تلاه من قمع سوفيتي لأوكرانيا) كسلاح في الحرب الإعلامية والسياسية الحالية.

خاتمة الفصل: التاريخ كبوصلة في بحر الحاضر المضطرب

إن أهمية التاريخ في تفسير الحاضر لا تكمن في تقديم إجابات جاهزة، بل في توفير الإطار العميق الذي يجعل الأسئلة نفسها أكثر ذكاءً وعمقاً. إنه يحررنا من سجن اللحظة الراهنة، ويذكرنا بأن ما نعيشه اليوم هو حلقة في سلسلة طويلة.

الوعي التاريخي يجنبنا ثلاثة أخطاء فادحة في فهم الحاضر:

1. القراءة الساذجة: وهي الاعتقاد أن الحدث المعاصر وليد لحظته فقط.
2. النظرة التآمرية المفرطة: وهي تفسير كل شيء بمؤامرة خفية، متناسية القوى البنيوية والتراكمات التاريخية الهائلة.
3. العجز القدراني: وهو الاعتقاد بأننا عاجزون أمام الأحداث لأنها “قدر” أو “طبيعة أشياء”، متناسين أن الحاضر نفسه كان يوماً ما مستقبلاً يمكن تغييره.

التاريخ، بهذا المعنى، ليس عبئاً من الماضي، بل هو مصدر للحرية. فهو يمنحنا البصيرة لنرى أن الواقع الحالي لم يكن هكذا دائماً، وبالتالي يمكن أن يكون مختلفاً في المستقبل. إنه يدعونا إلى أن نكون فاعلين واعين في صناعة تاريخنا، بدلاً من أن نكون مجرد متفرجين حائرين على أحداث تبدو غامضة ومعزولة. إن فهم تعقيدات الماضي هو أول خطوة نحو فهم تعقيدات الحاضر، وبالتالي نحو التحرك نحو مستقبل نصنعه بوعي ومسؤولية.

هوامش

¹ منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية: إبادة الهنود الحمر، تجارة العبيد، هيروشيما، دار الفارابي، بيروت، 2005، ص 55-80. (يوضح كيف أن الهياكل الاستعمارية التاريخية تستمر في التأثير).
² جورج طرابيشي،من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة، دار الساقي، بيروت، 2010، ص 200-230. (يتتبع التحول التاريخي في الخطاب الإسلامي).
³ أوغستين بيريه،الطائفية في المشرق العربي: التاريخ والهوية والدولة، ترجمة: بدر الدين عرودكي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2015، ص 75-110.
④ حازم الببلاوي،الاقتصاد السياسي للبطالة: حالة مصر، دار الشروق، القاهرة، 2001، ص 30-60. (يقدم تحليلاً تاريخياً لبنية الاقتصاد المصري والاختيارات التنموية).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى