
تامر محمد عزت | القاهرة
(مابين 1985 إلى 1988)
رجل طويل يقف في شرفته كل صباح، مع اشعاع الشمس، نرى رجل شامخ الطول، له هيبه، إذا دققت بملامحه ، ورأيت شاربه الدقيق، وأنفه المدبب، وعيونه اللامعه،وبشرته القمحية،وبعض شعرات رأسه صارت فضية اللون، تحسبه جمال عبد الناصر، هكذا كنت أراه دائما، لم أجده إلا واقفا في شرفة الدور الأرضي، على سور الشرفة ترى فنجانا من القهوة، يتصاعد دخانه في هدوء مثل صبره في الوقوف، يرتدي البيجاما فوقها الروب الصوفي ، أما شموخه هكذا لها قصة، وأما وقوفه دائما في الصباح فهي تكملة القصة، فما هي قصة عم داوود؟
(عام 2024)
كان عم داوود من ضمن الحوار الذي دار بيني وبين صديقي،ذلك الجار القديم الذي يسكن في نفس الشارع، ومع إعادة الذكريات، انتقلنا بين حُب بنت الجيران، وبين عم عبده البقال، وعم فؤاد المكوجي،والحاج محمد صاحب المكتبة، وهكذا ننتقل بين الشقق والبيوت والغرف المغلقة، بين الدكاكين في الشارع والحارات، والتي لا تزال قائمة والتي انهارت والتي تبدلت، وتذكرت عم داوود،سألت صديقي عنه باعتبار أنه يسكن في الدور الخامس من نفس العمارة، ولا أعلم عنه شيء غير تلك الصورة التي أراه عليها دائما، لم تتبدل لسنوات حتى مات.
روي لي صديقي وهي يلتقط أنفاسه عن حكايته من أبيه :
عم داوود أحد ضباط الصف في الجيش المصري، بعد هزيمة 67 تم أسره، حيث كان يخدم في العريش، أخذوه الصهاينة، ولكنه بطريقه ما،هرب، كانت هروبه عجيبه، هرب إلى غزه، وارتدى الزي الفلسطيني إلى الأردن، الذي سهٌل عليه الهروب، هو ملامحه القريبة الشبه من جمال عبد الناصر، وبعدها إلى مصر، أيام و شهور والجميع يحسبونه من الشهداء، ولكنه كان حي يرزق، ولم يصدقوا أنفسهم عندما رأوه أمامهم مرة أخرى، كان لهروبه أثر عسكري أنه عرف بعض المعلومات عن الجيش الاسرائيلي وشرحها للجيش المصري، وحارب معهم في 73، بعد الانتصار، ظن أنه سوف يقومون بتكريمه بعد تلك المغامرة، لكنه لم يحدث، أحيل للتقاعد بعد إصابته في الحرب، كان ينتظر أن تُكتب قصته في الصحف أو المجلات أو شجاعته في الهروب والادلاء بمعلومات هامه، ولكنه لم يحدث، وبقي حاله هكذا كما كنت تراه، يقف شامخا من الصباح إلى الظهر، في حالة انتظار دامت طويلة جدا، ولم ييأس يوما. كانت شرفته هي برج المراقبة يقف حارسا لتاريخه الذي شعر أنها تستحق التحية.
مشهد لم يراه أحد..إلا القليل وتبخر في لحظات مع دخان فنجان القهوة.
( عام 1989)
..وقبل وفاته بأيام قليلة، وبينما كان يقف وقفته المعتادة، توقفت سيارة عسكرية فخمة أمام شرفته، نزل منها نقيب شاب، اقترب من السور، وأدى التحية العسكرية بصرامة غريبة، بينما ابتسم عم داوود للمرة الأولى منذ سنوات، كان النقيب هو ابن أحد رفاقه في الأسر، جاء ليسلمه (مذكرات والده) التي نُشرت أخيراً، وفي فصلها الأول عنوان عريض: ‘داوود.. الرجل الذي عبر مرتين’.
ابتسم أخيرا عم داوود، ودخل غرفته، ونام بعمق، كجندي أنهى أخيراً أطول نوبة حراسة في التاريخ.



