أدب

تِيْهٌ لم يَسبقْنا إليهِ أحدٌ

شعر: خالد أبو العلا| مصر

مَشينا طويلا
نحملُ ما بقي من أجسادِنا
ونحن نضعُأرواحَنا في الأيس بُوكسِ حتى لا تَفسَد
بينمانُجرجرُ أشلاءَ مَنْ سَبقونا من أَرجلِهم
كنوعٍ منالاستئناسِ بهم
وحتى لا يظنوا -لحظةً- أننا تخلَّينا عنهم.

مشينا كثيرا
إلى أن انتهينا من ظِلالِنا التي تُطاردُنا دومًا
أو ربما انتهتْ ظلالُنا
من ملاحقتِنا لها في كُلِّ مكانٍ
كُلٌّ مِنَّا قد مَلَّ الآخرَ
فماذا نفعلُ غيرَ أن نتخلَّى عنها ذاتَ مَرَّةٍ
فنحن لم نَكُنْ نُحسنُ غيرَ المَشْي
وهي تُجيدُ المُراوغةَ والمُرورَ الخَفيَّ من تَحتِنا
في استفزازٍ واضحٍ ومباشرٍ لوجودِنا.

نعم .. مشينا بعيدا
حتى ضَللْنا طريقَ رجوعِنا إلينا
إذ كان الموتُ والفقرُ يسيران أمامَنا
ومن خَلفِنا
وعن يمينِنا وشمالِنا
لم يكن يستقلُّ الفقرُ حافلةً أبدا
إذ كان يدَّخرُ ثَمَنَ التذكرةِ لشراءِ رغيفِ خُبزٍ لأبنائِهِ
وينثرُ عَرَقَهُ على الطُّرقاتِ
حتى لا نفقدَ أثرَهُ
كما لا يُمكنُ للموتِ قطعًا
أن يسيرَ في الطُّرقِ البطيئةِ
فكان لِزامًا علينا
أن نسيرَ على حَدِّ الطُّرقِ السريعةِ
وما كان لنا أن نستخدمَ كوبري المُشاةِ الحُفاةِ
في عبورِنا للجِهةِ المُقابلةِ
حتى لا نُضيِّعَ احتمالًا شبهَ مؤكَّدٍ
في أن تصدمَنا إحدى السياراتِ الفارهةِ
أثناءَ عُبورِنا الطريق.

مَشينا حَدَّ التَّعَبِ
فكان لنا أن نتخفَّفَ من أحمالِنا
مثلًا؛ حقائبِ السِّفرِ الجِلديةِ المُهترئةِ
بعضِ أحلامٍ تسرَّبتْخلسةً
إلى أرواحِنا أثناءَ غَفوةٍ في الطريقِ
لحظةِ أملٍ كان يمرُّ من فوق رؤوسِنا سريعًا
ثم يختفي في غياهبِ الأفقِ الرماديِّ
فُرشاةِ حِلاقةٍ وأنبوبةِ مَعجونٍ رخيصٍ
فُرشاةٍ للأسنانِ
دِهانِ الروماتيزم الليليِّ
وحُقنِ الأنسولين
وصُورةِ أطفالِنا
أيامَ أن كان لنا أطفال.

مشينا عُمرَنا
ذَرعناهُ طُولًا وعَرضًا
حتى انتهينا إلى تِيهٍ لم يسبقْنا إليهِ أحدٌ
فتَركْنا لاشيءَ
كان آخرَ ما نملكُ
وصَعدْنا بأرواحِنا
إلى جَبلٍ يعصمُنا من الطوفانِ
هو لا بُدَيجيءُ
يأتي كَشَيءٍ حقيقيٍّ تماما
هكذا تقولُ الرواياتُ المُحكمةُ
عن رواةٍ ثقاتٍ
عن آخرِ نَبيٍّمُعتمَدٍ
تَركَ رِسالتَهُطَواعيةً
من أجلِ ارتكابِ مَعصيةِ القصيدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى