آمنة بوعود، آمنة القرمازي، زينب الفريخة ومريم بوعود… أسماءٌ صغيرة تكتب مستقبل الفن بألوانٍ كبيرة

في زمنٍ أصبحت فيه السرعة تبتلع التفاصيل الجميلة، تظهر أربع فتيات شابات ليُثبتن أن الفن ما زال قادرًا على صناعة المعنى، وأن الموهبة حين تجد من يرعاها، تتحول إلى مشروع إنسانٍ كامل وتتسامى عن كونها مجرد هواية عابرة.
ضمن الجيل الثالث من طالبات الفنانة التشكيلية والأديبة سناء هيشري، برزت أربع تجارب فنية واعدة، جمعتها روح البحث والتجريب، وميزها الشغف الصادق بالرسم رغم صغر سنهن. هذه الأعمال هي ثمرة سنوات من المرافقة الفنية الواعية، وثقة عائلات آمنت بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ حين نمنح أبناءنا فرصة اكتشاف ذواتهم.
آمنة بوعود… حين يركض الحصان داخل الحرف
في الثالثة عشرة من عمرها، تقف آمنة بوعود إلى جانب لوحة جريئة تجمع بين قوة الحصان وجماليات الخط العربي. لقد تجاوزت مجرد رسم الحصان لتصنع حوارًا بصريًا عميقًا بين الحركة والهوية، وبين الرمز والجمال. فالحصان في عملها استعارة حية للحرية والإرادة والانطلاق، بينما تتحول الحروف إلى نبضٍ يرافق اندفاعه؛ إنها تجربة تكشف حسًا بصريًا مبكرًا وقدرة على التعامل مع الرموز بوعي يفوق سنوات العمر.
آمنة القرمازي… التجريد الذي يتكلم لغة الروح
أما آمنة القرمازي، ذات الخمسة عشر عامًا، فقد اختارت طريقًا أكثر جرأة، حيث قدمت عملاً تجريديًا كاليغرافيًا من ابتكارها الخاص. في لوحتها تتداخل الحروف والمساحات اللونية في نسيج بصري حر، يترك للمتلقي مساحة واسعة للتأمل ويأخذه في رحلة للمشاركة في اكتشاف المعاني. هذا النوع من الأعمال يحتاج إلى حساسية فنية خاصة، حيث يتجاوز الفنان سرد الحكاية مباشرة، ليتركها معلقة بين الإحساس والتأويل.
زينب الفريخة… وجه يحمل أبعاد الملامح
وفي الثالثة عشرة من عمرها أيضًا، قدمت زينب الفريخة لوحة بورتريه تنبض بالهدوء والتأمل. يتجاوز العمل نقل ملامح الوجه السطحية ليمسك بما هو أعمق: الحالة الإنسانية والوجدانية المختبئة خلف النظرات. وقد وفقت في اختيار ألوان دافئة وتكوين متوازن، فبدت الشخصية وكأنها تخرج من اللوحة لتروي قصتها الخاصة.
مريم بوعود… ذاكرة المكان بلون جديد
أما مريم بوعود، البالغة من العمر خمسة عشر عامًا، فقد حملت ريشتها نحو أحد أكثر الأماكن حضورًا في الوجدان التونسي: “سيدي بوسعيد”. لقد نقلت المشهد برؤية الروح وإحساسها، فجاءت اللوحة مفعمة بالضوء والدفء وذاكرة المكان الممتدة، لتؤكد أن الفن الحقيقي يعيد اكتشاف الواقع ويصيغه برؤية متجددة.
وراء كل فنانة عائلة تؤمن بالحلم
إن القاسم المشترك بين هذه التجارب الأربع هو تكامل الموهبة مع وجود عائلات آمنت ببناتها، وقررت منحهم الوقت والدعم والوسائل اللازمة للتطور. فالنجاح الفني في سن مبكرة يولد من تضافر الموهبة مع بيئة حاضنة للفضول، ومشجعة على التجربة، وبيئة تعتبر الثقافة والفنون استثمارًا حقيقيًا في شخصية الإنسان ومستقبله.
وتقول الفنانة سناء هيشري:
“حين تؤمن الأسرة بموهبة ابنتها، فإنها تبني إنسانة متكاملة قادرة على التفكير والإبداع والثقة بالنفس، ويتجاوز هذا الدعم حدود الرعاية الفنية الضيقة.”
وتضيف:
“هذه الأعمال هي بداية طريق واعد؛ وأثمن ما أراه اليوم في طالباتي هو شجاعة التجربة، وهي الشرط الأول والأساسي لكل إبداع حقيقي
الفن كمساحة للنمو
ما تقدمه هذه الفتيات الأربع يتجاوز حدود اللوحات المعروضة؛ إنه رسالة تؤكد أن الأجيال الجديدة تملك طاقات إبداعية زاخرة متى وجدت التوجيه السديد والإيمان الصادق. فبين حصانٍ يركض داخل الحروف، وتجريدٍ يبحث عن معناه، ووجهٍ يحكي قصته، ومدينةٍ تتنفس ألوانها الخاصة، ترسم هذه الفنانات الصغيرات ملامح مستقبل واعد للفن.
إنهن صغيرات في العمر، لكن أعمالهن تهمس بحقيقة جميلة: الإبداع يُقاس بقدرة الروح على أن ترى العالم بطريقة مختلفة وعميقة.





