مقال

“ويطعمون الطعام” (9)

الشح قرين الكفر.. والإطعام كمال الإيمان

إبراهيم محمد الهمداني | شاعر وكاتب من اليمن

يعد الشح من أقبح الصفات، وأسوأ الأعمال وأرذل السلوكيات، نظرا لما فيه من مساوئ حب المال، والحرص على جمعه واكتنازه، وكراهة الإنفاق منه، وإذا كان البخيل يكره إنفاق ماله على غيره، فإن الشحيح يظن بما معه حتى على نفسه، وذلك أعلى درجات الحرص والبخل، وله عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع، وقد كان سبب هلاك الأمم السابقة، حيث حملهم على سفك الدماء واستحلال المحارم، وهو يعبر عن حالة من النفاق، وعدم الإيمان بالله تعالى، يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:- “لا بر مع الشح”، أي أن الشح ينفي عن حامله، أدنى خصلة من خصال البر والإحسان، ويخرجه من دائرة المشمولين بالاستجابة لقوله تعالى:- “وتعاونوا على البر والتقوى”، وبالتالي يدخله في دائرة المتعاونين على الإثم والعدوان، والجفاء وقسوة القلب، وإذا كان البخل أشنع الرذائل، فإنه يعكس الوجه الآخر للكفر، الذي يعد أقبح العقائد، لما يتركه الشح في نفس صاحبه، من عدم الثقة بالله، وما يتبع ذلك من فقدان الإيمان بالله تعالى تدريجيا، حتى يصبح مسمى “مؤمن”، مفرغ تماما من دلالته ومعناه.

إن عدم الحض على طعام المسكين، يعد شاهدا واقعيا ملموسا، على قبح الشح وخطره، لأنه يمتنع عن أداء حق/ طعام المسكين، الذي أوجبه الله تعالى، وأكد عليه ورغَّبَ فيه، فبشر فاعله بالخير في الدنيا والجنة في الآخرة، وأنذر تاركه بعذاب جهنم وبئس المصير، وقد ورد عدم الحض على الإطعام، في القرآن الكريم، معطوفا على الكفر بالله تعالى، في أكثر من موضع، منها على سبيل المثال:-

قوله تعالى:- “بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ (١) فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ) (٣)، سورة الماعون. وقوله تعالى:- “كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ (١٨)، سورة الفجر. وقوله تعالى:- “مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ (٤٤)، سورة المدثر. وقوله تعالى:- “إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ ٱلۡعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ (٣٤)”، سورة الحاقة.

يقول السيد المولى العلامة، العالم الرباني السيد المجاهد “﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ فاستحق العذاب بترك الإيمان وبما اكتسبه من السيئات التي اقترفها؛ لأنه لم يكن له إيمان يردعه، ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ لأنه لا خير فيه ولا ميل إلى الخير؛ لأنه لا يرجو ثواباً لعدم الإيمان في قلبه، ولا يخشى عقاباً بترك الإطعام حيث يجب الإطعام للضرورة أو للرحامة أو من الزكاة أو إذا سأل المسكين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة:177] أو هي عامة للمسكين السائل والمسكين المحروم فتدل على وجوب إطعامه مطلقاً سأل أو لم يسأل وهذا هو الراجح، وقد دخل في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ..﴾ إلى قوله: ﴿.. وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [البقرة:177]، ويقول السيد القائد يحفظه الله:- “فيما يتعلق بالأسباب الرئيسية لدخول النار: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}[المدثر: الآية42]، سؤال لأهل جهنم، يسألهم أهل الجنة: [ما الذي ورَّطكم هذه الورطة الرهيبة، المخيفة، التي تمثل خسراناً أبدياً؟!]، {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ}[المدثر: 43-44]، أيضاً من أهم ما في الزكاة، هو: العناية بالفقراء والمساكين، حصةٌ رئيسيةٌ لهم في الزكاة، عندما يبخل بها الناس، هم يبخلون بهذا الحق الذي يتضرر أهله، فمن مثل هذه النتيجة: {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ}”.

إن الشح أو عدم الحض على طعام المسكين، يدل في محمولاته المسكوت عنها، ترك الفعل/ الإطعام ذاته، ليس عجزا أو فاقةً، وإنما كفرا وجحودا وعنادا ورفضا لأمر الله تعالى، ولهذا قالوا بكل صلف وقبح، “أنطعم من لو يشاء الله أطعمه”، وهو ما يدل على أن الشح قرين الكفر، وأن المؤمن لا يجوز له بأي حال من الأحوال، أن يكون بخيلا شحيحا، وهو ما يؤكده التعاضد الدلالي التراكمي، عند تحليل المبنى التركيبي للآيات الكريمة السابقة، حيث اقترن فساد الجانب العقائدي (الكفر بالله)، بسادس الجانب الأخلاقي والسلوكي (دفع اليتيم عن حقه، والمسكينعن الواجب من طعامه)، بسبب قسوة القلوب، وفساد الظمائر وخبث النفوس، وهو ما أدى إلى انتشار الشح والتوحش، وسيادة قانون الغاب بين أبناء المجتمع، حيث يمنع الأغنياء ما أوجب الله تعالى، في أموالهم من الحقوق المعلومة، للفقراء والمساكين والمحتاجين والأيتام، ومن في حكمهم، ولذلك كان فعل الشح/ عدم الحض على الإطعام، جريمة موازية لجريمة الانحراف العقائدي/ الكفر بالله، ولذلك عُطِفَ جرم حرمان المسكين حقه، على جرم الكفر بالله، وأصبح الشح قرين الكفر، ودالاً عليه، ويحمل ذلك الارتباط التلازمي بينهما، دلالات متعددة، منها:-

١- إن الإطعام واجب ديني بحت، يشمل جميع أبناء المجتمع، إلا من كان فقيرا معدما، فيجب عليه حض غيره.

٢- إن الإطعام جزء لا يتجزأ من الإيمان بالله تعالى، ولا يتحقق كمال الإيمان إلا به.

٣- إن حرمان المساكين حقهم، جرم عظيم، قرنه الله تعالى بالكفر، وجعله دليلا عليه.

٤- إن عدم الحض على الإطعام والإنفاق، جرم كبير، وشاهد على الجرم المسكوت عنه، في ترك الفعل ذاته.

٥- إن كفر الكافر لم يسقط عنه واجب الإنفاق والإطعام – مادام قادرا – والحض عليه، وبذلك فهو على المؤمن أوجب وآكد.

٦- إن عطف رذيلة السلوك (الشح)، على قبح العقيدة (الكفر)، يؤكد طبيعة العلاقة التلازمية بينهما، وأنهما لا يصدران إلا عن نفوس منحطة بالحرص، وقلوب مريضة بالنفاق.

٧- إن المؤمن وإن ترك الإنفاق والإطعام لعجز أو فاقة، فإنه لا يترك الحض عليه، والحرص والإصرار على الغير، من أجل القيام به، تحقيقا لكمال الإيمان بالله.

يمكن القول إن الإنفاق عامة، والإطعام على وجه الخصوص، لم يعد أمرا اختياريا بين أبناء المجتمع المسلم، أو مندوبا ومستحبا يخص الأغنياء فقط، وإنما هو واجب ديني مؤكد، وفرض إنساني محقق، يشمل كل فئات المجتمع الإنساني، ويوجب عليهم المسارعة وبذل الممكن والمتاح والمتوفر، في إطار تتفيذ الأمر الإلهي، وتعزيز التكافل الاجتماعي، وذلك ما نحن معنيون به جميعا، في هذا الشهر الفضيل، الذي يضاعف فيه الأجر والثواب، وفي غيره من الشهور، ليكون ذلك مصداقا وتحقيقا لإيماننا بالله تعالى، على الوجه الذي يرضيه عنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى