د. يوسف زيدان يستذكر: آباء المتكلمين واستشهادهم .. معبد الجهنى

كان الجهنى، حسبما يدل على ذلك لقبه، من قبيلة جهينة، وقد عاش بالبصرة، و أشير إليه دوما في كتب التراجم بأنه (نزيل البصرة) ؛ أى أنه كان يعيش في المحيط الثقافي العربي، الذى عاصر المسيحية قرونا، وساد فيه قبيل الإسلام مذهب النساطرة.

و قد امتد حياة معبد الجهني فترة طويلة، إذ الظاهر من أخباره الواردة في كتب المؤرخين، أنه شهد (التحكيم ) بين على بن أبى طالب و معاوية، و ناقش أبا موسى الأشعري و عمرو بن العاص في الأمر، ثم كانت وفاته بعد ثمانين هجرية، و قبل سنة تسعين؛ حسبما يقول الذهبي.

وكان معبد معدودا من (علماء) القرن الأول الهجري، وموصوفا بأن: صدوق في الحديث؛ أي في رواية الأحاديث النبوية. كما كان مشاركا في الأحداث السياسية والثورات التي هاجت في عصره، حتى اشتهر عنه أنه: قاتل الحجاج بن يوسف الثقفي، في المواطن كلها.

وقد دارت آراؤه الكلامية، أو بدعته (هرطقته) حول نقطة وحيدة، هي نفي القدر..  ومع ذلك، تسمى مذهبه بعكس مقصوده، فقيل له: مذهب القدرية.

ولم يقدم لنا المؤرخون صورة واضحة عن هذا (المذهب) عند معبد و إن كانوا جميعا يجمعون على أنه: مؤسس القدرية؛ ولسوف تلحق هذه الصفة (القدرية) من بعد بالمعتزلة، الذين أشير من ناحية مخالفتهم بهذه الصفة، وردد هؤلاء المخالفون للمعتزلة حديثا شريفا نسبوه للنبي، بغية إغاظة المعتزلة و الحط من مذهبهم، وهو الحديث الشهير: القدرية مجوس هذه الأمة.

والظاهر من الأمر، أن سبب هذه التسمية أصلا، هو أن معبدا الجهني، كان يناقض المذهب الجبري الذي حرص الأمويون على تعميمه بين الناس، لقبول الحكم الأموي باعتباره من الله، وأن الإنسان عموما ليس بيده شيء، لأنه لا يملك دفعا للمقادير الإلهية. لأن الله له مشيئة واحدة، وإرادة واحدة، لا بد أن تتحقق!

و هو ترجيع لألحان المذهب (المونوثيلي) الذى لم تسمح الظروف التاريخية بتطوره في حضن المسيحية، فظهر في الزمن الإسلامي المبكر، تحت اسم: الجبرية؛ وقد صيغ في مقابله، المذهب (القدري) صياغته الأولى؛ في عبارة مشهورة تقول: لا قدر والأمر أنف.

وهو ما يفهم منه أن الأمر، أو السلطان، مفروض بسطوة الحكام رغم أنف المعارضين؛ ولا شأن لذلك بالقضاء والقدر (الإلهيين) فالمفروض على الناس، فرضه أناس آخرون، لهم في ذلك مصلحة. و لا يجوز تعليق ذلك، على الأمر الإلهي الذى هو (أنف) أي بحسب قول عبد الله بن عمر : يستأنف استئنافا من غير أن يسبق به سابق قضاء و تقدير، و إنما هو على اختيارك و دخولك فيه.

فالأمر لا يتم في العالم بمقتضى (الإرادة) الإلهية، أو المشيئة الإلهية الواحدة التي لا تتغير، مثلما كانت تقول (المونوثيلية) ذلك المذهب المخترع لهرقل، لتقرير الجبرية والقول بأن الله إرادة ومشيئة واحدة، لا تتغير، ولها دوما فعل واحد.

ولا يفوتنا في معرض الإشارة إلى (كلام) معبد الجهني، أن نذكر مسألة تتعلق به، وطالما أوردها المؤرخون المسلمون؛ هي أن استاذه كان رجلا مسيحيا اسمه سوسن!  أو سوسر، سنسويه؛ على اختلاف رسم اسمه بين المؤرخين. و أن هذا الرجل الذي روى المؤرخون المسلمون أنه: كان نصرانيا فأسلم، هو حسب ذكر الأجري، و غير:  أول من تكلم في القدر.

كما أشار المؤرخون والمحدثون، القدامى منهم إلى أن (معبد) كان يقول بقول النصارى، و أن الحسن البصري، روى عنه أنه قال: إياكم و معبد، فإنه ضال مضل. وأن سفيان بن عيينة، قال: احذروا معبدا الجهني، فإنه كان قدريا.

وهذا الهجوم المتوالي، من أئمة المسلمين القدامى؛ إنما يعكس على نحو واضح، تخوفهم الشديد على (العقيدة) الإسلامية القويمة، من تلك الاجتهادات المضادة التي بدأ بها معبد الجهني، ثم تدفق تيارها من بعده.

مات معبد الجهني مصلوبا، بعدما أهين إهانات مريرة طفحت بها كتب المؤرخين الذين ترجموا له، و بعدما تجرع بصبر كأس التعذيب كاملة. . يقول الذهبي :

كان الحجاج بن يوسف الثقفي يعذب معبدا الجهني بأصناف العذاب، ولا يجزع ثم قتله.

قال سعيد بن عفير: في سنة ثمانين (هجرية) صلب عبد الملك بن مروان (الخليفة)  معبدا الجهني، بدمشق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى