فضائل العلم

طاهر العلواني | مصر

إنّ العِلمَ صنعةُ الأنبياء، ومقامُ الصالحين والأولياء، وإنّ له أربابا، كما أنّ له أبوابا، فمنه بابٌ يدعو الخاملَ للكِبرِ والخُيَلاء، فهذا جِماعُ العَطَبِ والبلاء، ومنه بابٌ يدعو السفيهَ لمباراةِ الفضلاء، ومجاراةِ النبلاء، حتى يسقطَ من عديدِ السفهاء، ويحسبَ في زمرةِ النبهاء، فهذا دنياه بهاء، وأخراه هباء، ومنه بابٌ يدعو صاحبَه إلى المال، وإرسالِ الأسبابِ لطولِ الآمال، فدنياه في عيشةٍ راضية، تنقضي إذا جاءت القاضية، فحينئذ يتركُ ما خلّف، وهنالك يبلو ما أسلف، ومنه بابٌ يدعو صاحبه إلى العُجبِ والرياء، وسلوكِ سبيلِ الهالكين الأشقياء، فهذا جزاؤه إمتاعُ الآذان، وبقاءُ الذكرِ في الأذهان، وأنْ يدعى في الناسِ بالحبرِ العليم، وفي الآخرةِ عذابٌ أليم.

ومنه بابٌ في ورودِهِ الرِّي، والشفاءُ بعدَ العِّي، وهو المقصودُ به وجهُ اللهِ الأحد، لا يشاركُهُ فيه من عبادِهِ من أحد، فهذا سبيلُ الرشادِ والفلاح، وطريقُ المفازةِ والنجاح، وغيرُه على أنَّ فيه مهلكَهُ وحَزَنَه، فإنَّ القرنبى في عينِ أمِّها حسنة. وبذلك استبنتَ المليحَ من الدميم، وعرفتَ الحيَّ من الرميم.

فمن قصد ذلك الباب، ولم يقنعْ بالطرفِ عن اللباب، فإن فيه المشقةَ والتعب، والإدآبَ والنصب، ومدخلُهُ حُسنُ الأدب، وإلا تاهَ وسطَ بنياتِ الطريقِ وارتجّ، وضاع هداه وأُدخلَ عليه من كلِّ فجّ، فاعرفْ لأهلِ العلمِ فضلَهم وجميلَهم، وأنزلْهم منازلَهم، وليكنْ توقيرُك لهم وافرا، وردُّك على مذمَّتِهم حاضرا، فإن هؤلاء الأكابرَ الجلة، هم نقلةُ الدينِ وحماةُ الملة، وليكن حملُك على المخالفِ حملَ الأسد، ولتحسنِ الثناءَ على من سلفَ في معارجِ السبيلِ الأسد، فمعرفةُ حقِّ من سبق في الهدى والنجاح، هو علامةُ على كل فضيلةٍ وصلاح، وادأبْ في الطلبِ واحرصْ على التأني، ولا يأخذنَّك الكسلُ فتهلكَ في بحرِ التمني، واحذرْ من يهدي بسُمّ كالعسلِ إلى التحريفِ والزور، واهجرْ كل مدعاة مُقحِمة في الزهوِ والغرور، فإنَّ المرءَ مهما علا وصال، فمبدؤه من ترابٍ ثم صلصال، وصنْ نفسَك أنْ تكونَ ممن حاز بكلامِه الثنايا العطرةَ المليحة، ونالَ بسوءِ عملِه كلَّ مذمةٍ وفضيحة، واحرصْ على الخلوةِ بنفسِك فتفقدْ حالَها، وحاسبْها لتعلمَ ما عليها وما لها، ثم انظرْ فيما عليها وما أنت فيه تصنع، من قبل أن يأتيَ يوم لا مالٌ ولا بنونَ ينفع، وانتهِ عما حذَّرَ منه الغابرُ ونهى، فهذا علامةُ رجحانِ الحجا والنهى، تُحصّلِ العلمَ الأمتن، وتُجزَ الجزاءَ الأحسن.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى