مع الشاعرة الكردية العراقية ظمياء ملكشاهي 

بقلم: شاكر فريد حسن  

ظمياء ملكشاهي شاعرة كردية عراقية موهوبة، تمنحنا في نصوصها دفء كلماتها وحروفها الشفيفة، وتراتيلها الحزينة المعذبة، ولغتها الحية النابضة بالجمال والدهشة والإبداع الحقيقي. إنها صوت شعري حداثي صدّاح فتّان في السردية التعبيرية الشعرية، عرفناها من خلال كتاباتها الشعرية والنثرية المنشورة في عدد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية العراقية والعربية، ومن إصداراتها “ذاكرة الظّلال” و”تراتيل فيلية”.

وفي قصائد ظمياء نلتقي مع الحب والفجيعة والألم والاغتراب، ونلمس حبها الكبير للعراق، وتمسكها بهذا العشق السرمدي.

وهذه القصائد متناغمة ومتكاملة، تفيض لوعة وحسرة ووجعًا، ومميزة بأسلوبها وطريقة حياكة القضايا الحياتية والواقعية، ونسجها رؤى عميقة لمسائل ومواقف إنسانية واجتماعية وسياسية.

وبالرغم من شعورها بالقلق والاضطراب، فظمياء ملكشاهي تحرص على أن تعبر عن إحساسها الفني باستخدام بساطة المعاني واقتناص فني للصورة وللمشهد الشعري المراد التعبير عنه، ومن خلال تعبيرها عن قلقها الوجودي وحزنها الذاتي تتطرق وتتناول موضوعات تهم هموم الأنسان والوطن العراقي والقضية الكردية وهموم الناس البسطاء والمعذبين في الوطن العربي، تاركة العنان لانفعالاتها وأحاسيسها تتدفق بشكل عفوي دون تكلف وتجسيد للحالة الشعورية والواقع الحياتي.

وغني عن القول، أن قصائد ظمياء ملكشاهي لوحات شعرية تعبيرية وصور إبداعية تعرض فيها معاناتها الذاتية والمها الشخصي وما يعتصر قلبها من أسى ومعاناة في الأعماق وهي تشاهد في كل زاوية من زوايا وطنها الخراب والدمار والتشرد والغربة.

وفي قصائدها الحرة يتجلى البعد الإنساني، والقلق الوجودي، والمشاعر المتأججة، والأحاسيس المرهفة، وجوهر الشعر الصادق، والانزياحات الدلالية واللغوية، واللغة المتموجة الواضحة في نسيجها الشعري، والصور المكثفة المركزة الصادرة من مخيالها الجموح، والمكتنزة بالحب والغربة والوجع والهم الإنساني.

ومن قصائدها اخترت هذا النموذج بعنوان “أقبية الحب”، حيث تقول:

أقبية الحب 

الفراشات تحت ظل سباتها 

حلقت روحي هناك… 

ألثمها ولا أدري هل يلثم البعض بعضه 

هي مني امتداد لامتداد 

وبقايا من وريقات عبثت بها الريح 

هي قلبي ونبض من شتات… 

قد تناثر بين أصداء الدموع 

وأطلال الأسى… 

ليورق زهرة التوليب 

ليندس كرائحة الندى 

بين روحي وروحي 

كم أينعت ضحكاتها فوق مروج الأمنيات 

فوق سهوب الآه المفترشة أصداء المدى 

أقتات على غربتك 

أيتها المقيمة في تلافيف الوحدة 

أعانق أنفاسك لأغتذي وأفيق عبقا 

كم تداعبني أطيافك ترنو للبعيد 

كم تهمسين للعيد أن تعال 

قبل أن تشيخ الحكاية… 

قبل أن يأكلك سكر التلبد والغباء 

هذا الذي أستعمر مملكة الندى 

أطاح بالزنابق ليهدر بالآه 

كم أبتعت لك أقراطا من الشمس 

وأحجية من الشوق 

ولا تزالين ثغرا يورق بالرضاب 

يعتق خمرة دافقة… 

من ألف عام أرمم ما خربوه في خمائلك 

أشيد أسيجة وعبور 

أتلفع وحدتك والدمية التي تقول ماما 

كم أخبرتني عيناك جذوة التشبث 

كم تمدد أرقك الصغير فوق سطوري 

فراشة روحي… 

يراعات حزني المضيئة في جدب ضمير 

أتوسد ضياءك لأوقد الفرح المستحيل 

أحبكم…. 

أرنو بعين الى الله يعلمها… 

أخفق كطائر مكسور الجناح…. 

وافيق كليلة أحمل سلال الشعر 

أبتاع أغنية للقناديل المعتمة 

أفترش أرصفة الصحو لأنجو… 

مناجاة تتسمر على أزيز الثورات 

وحدنا نعلم سر التشبث بموجة هاربة 

يهزأ بنا الشراع فنكون فنارا… 

تسحقنا مرارا وتكرارا آلهة التشظي 

نراود الحياة عن كذباتها البغيضة 

ونلون ما تبقى من رمادنا في اللوحة 

لم يزل يفتر ثغرك عن رضا 

لم تزل أهدابك توحي بالصحو للسماء 

أيقونة الندى السرمدي 

تعويذة الفرح… 

لا تأبهي ليد مكسورة وعمرا تجاوز الخمسين… 

لازلت أطارد العصافير… 

وأشتري لك أطواقا من ياسمين 

أعانق جدائل الشمس… 

أغزل من أفتناني بك مرايا الغربة 

اتدلى من سقوف المستحيل 

وأعبث بكل قوانين العمر وساعات الانتهاء 

أحب الجبال الشاهقة 

أغازل الشمس والنوارس 

وأبدا لا أنحني للموت قبل أن يسحقني 

سنسير معا…الثلاثة 

نوثق بالطيارات الورقية عهود الغيمات 

نمطر فقاعات ملونة… 

نتناثر فوق سطوح مسراتنا السرية 

ونلتحف بعضنا في أبدية غامضة 

ليس لنا ألا الريح… 

تكنس عناء المشافي…. 

تحول السكر في دمنا الى ومضات سحرية 

سنصنع ملاذنا… 

أعدكم بالحب المطلق…. 

بحنان لا يملك غير دموعي… 

أعدكم بكل القطط البرية والفراشات 

بكل عصافير المسافات المغتربة 

أعدكم بكل الحروف التي لم تكتب 

عسى أن تقرأوها يوما… 

بعد رحيل النبوءات 

وعودة يوسف الى حضن يعقوب 

ألقي عليكم قميصي المزخرف بالشعر 

لتبصروا آيات حبي الكبيرة 

تسابيح عشقي البكر 

رذاذ الموجات الصغيرة في كتبي التافهة 

اترك لكم كل أرصدتي المخبأة 

في حنايا كتب الجنيات 

في رداء ليلى وذئبها المخبول 

في أقبية الحب … 

ظمياء ملكشاهي شاعرة أنيقة في بوحها وتعبيراتها، ومبدعة مختلفة، تمتلك أدوات الشعر وناصية اللغة، وكتاباتها تنفذ مؤثرة في أعماق القارئ والمتلقي دون عناء ومشقة، وهي توظف المحسوسات المختلفة لرسم لوحاتها السّردية، والتعبير عن الذات المبعثرة والمتشظية. وبالرغم من عناوينها الرقيقة إلا أن ألفاظ القهر والوجع والتمرد تتسرب داخل نصوصها بكل الألم الذي يظهر جليًا مكوناتها، ومدى عباراتها الممتدة إلى مسافات واسعة وأنساق مختلفة.

أحيي الصديقة الشاعرة الكردية ابنة العراق، ظمياء ملكشاهي، متمنيًا لها المزيد من التألق والسطوع والتجدد الشعري، مع دوام الصحة والعافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى