القليل من الفلسفة: في علم الجمال

د. خضر محجز | فلسطين 

أولاً: تعريف استهلالي:

ذات يوم سألني أحدهم عن معنى كلمة الأستيطيقا (Aesthetics) في الفلسفة، وهل هي تعبر عن النشاط البشري الواعي المنظم، في إدراك الفن ووصفه، أم هي أوسع من ذلك؟

فالآن أقول:

لقد استخدم الفيلسوف الألماني كانت (Kant = 1724 ــ 1804) كلمة الأستيطيقا، ليدل بها على نظريته في الزمان والمكان: بوصفهما صورتي الإدراك بأسره. لكن البعض ضيّق، فيما بعد، من مجال مصطلح كانت، فجعله محصوراً في ذلك الفرع من الفلسفة المختص بالفنون، فسماه علم الجمال. ومن ثم انتشر المصطلح وشاع، ولم يعد كما كان في أصله لدى كانت.

وكنت قد قلت سابقاً، بأن المصطلح هو توافق المستعملين ـ في حقل ما ـ على معنى كلمة شاعت دلالتها بينهم، حتى لو كان ذلك مخالفاً لتعريفات المعاجم. وبذا فلا ينبغي لأحد أن يعاود تعريف المصطلح بما يراه في اللغة.

وعلى ذلك، فعلم الجمال (الأستطيقيا) اليوم يتناول: بحث ومراقبة وتحليل ـ والدفاع عن ـ كل ما يثير فينا الشعور باللذة الحِسِّيَّة، من الإنتاجات التي تخاطب الحواس من مثل: النصوص الأدبية، واللوحات الفنية، والأعمال الدرامية، والغناء، والرقص، والموسيقى، وحتى تجويد القرآن… وكل ما يدخل في هذا المجال من الإنتاجات الناعمة.

ومن ممارستنا لهذا النشاط الرقابي النقدي التحليلي، نكتسب خبرة، حصلنا عليها أصلاً من استقرائنا لمجمل ما يعجب الناس. فكل نقد جمالي ينبني على ما أعجب المتلقين، نبحث به لم كان ذلك يعجبهم؟

ومن هنا أخلص إلى خطورة سيادة الفنون الرخيصة، كونها تقرر وعياً عاماً في المستقبل، ينفي ما كان جميلاً، ليحل مكانه ما لم يكن جميلاً، فصار جميلاً.

فإن قال قائل: فلم ننكر إذن تغير الأذواق؟ قلنا: إننا لا ننكر ذلك، إلا وقد استقر في أعماقنا ارتباط حكم القيمة بما أحببنا من قديم. وإن لدينا الكثير من الحق في ذلك، فلا يعقل أن يأتينا أنصاف موهوبين، ليقنعونا ـ بطول الإلحاح عل أذواق البسطاء ـ أننا كنا خاطئين منذ زمن بركستليس، وفيدياس، وميكل أنجلو، وهوميروس، ومحمود درويش، وسيد درويش، وصالح عبد الحي، وعبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم، لنتخلى عن كل ذلك ونتبع شعبان عبد الرحيم، وسعد الصغير، وفيفي عبده، وأضرابهم.

ثانياً: الجمال والأخلاق:

الإدراك الجمالي هو حكم الأحاسيس، أما الإدراك الأخلاقي فهو حكم المنفعة. فالجمال والأخلاق كلاهما خير، لكن ميدان كل منهما مختلف. أي أن مرجع الأخلاق هو الحكم العقلي، في حين أن مرجع الجمال هو الحكم العاطفي.

وقد يستغرب متدين قولي: إن الإدراك الأخلاقي هو حكم المنفعة. ولو تأمل قليلاً لعلم أن الأديان كلها إنما شرعت القواعد الأخلاقية لمنفعة الناس. فنحن نعلم أن الشرائع فروع لا أصول. وهذا يعيد طرح السؤال القديم: ما هو الجمال؟

ربما يجب البدء بتأكيد أنني سأسمّي كل عمل أو نص يثير المتعة عند تأمله بـ«الجميل». وعلى ذلك أبدأ بنقل أجمل عبارة في تعريفه، لم يستطع علم الجمال الحديث تجاوزها، رغم اتساع التخصص، للقديس توما الأكويني (Thomas Aquinas = 1225 ــ 1274) الذي قال: “الجميل هو الذي لدى الرؤية يسر”.

وهكذا تنبه الفيلسوف القديس ـ الذي رشحته الكنيسة لمقارعة تأثير ابن رشد على العقل المسيحي ـ إلى شكلانية الجميل. فلا يقل لي أحد: إن الجميل هو مكارم الأخلاق مثلاً. فمكارم الأخلاق تعود إلى درس العادات والطباع، وهي شيء شعوري سامٍ يتعالى ـ في الغالب ـ على الحسّ.

إذن فعلم الجمال يتناول الشكل، وما يدركه الناس من تأمل الشكل باستجابة الأحاسيس. فحتى دراسة الشكل القبيح، حقل من حقول علم الجمال.

ثالثاً: في العلاقة بين الحكم الجمالي والحكم الأخلاقي:

وأصل السؤال من الممكن تقريبه لقراء اليوم بالصيغة التالية: “هل ترى هيفاء وهبي أو هند رستم، أو راكيل والش جميلة؟ فإن أجبت بأن أيّاً من هؤلاء ليست جميلة، كونها غير منضبطة أخلاقياً؛ لم يكن حكمك جمالياً، ولم يصلح لك ان تقرأ هذه السطور. فلقد قلتُ من قبل: إن الجمال علاقة شكلية. فلما لم يفقه الناس كلامي، صاروا يسألونني عن جمال الدين والخلق وما شابه! وهذا له مجال درسي آخر، ليس هو فلسفة الجمال.

وإنما يبحث علم الجمال في “الذي إذا نظرتَ إليه سرك” كما سبق أن عبر عن ذلك القديس توما الأكويني. أي أنه حكم الحس لا حكم المنفعة. وقد قرر ذلك قدماء النقاد العرب، الذين لم يشك أحد في دينهم. ولا تزال كتب الأدب تروي نقدات كبارهم: أن علاقة الشعر بالجمال لا تقيدها المعاني الأخلاقية، فترى الأصمعي ـ مثلاً ـ يطلق مقولته المدوية، التي ستعتبر من بعد دستور النقد: “أعذب الشعر أكذبه” ثم يوضح أكثر حين يقول: “الشعر بابه النكد، فإذا دخل في الخير ضعف: هذا حسان بن ثابت فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط شعره”. وتراه في ثالثة يقول: “شعر حسان في الجاهلية من أجود الشعر، فقُطع متنُه في الإسلام”.

والحق أنه ما قطع الإسلامُ متن شعر حسان ـ وهو شاعر الرسول ـ إلا لأنه اضطر أن يتوخى الصدق، فندرت مبالغاته. وأنت خبير بأن المبالغات هي أصل الشعر.

ورابعة يقول الأصمعي في الحطيئة: “كان جشعاً سؤولاً مُلْحِفاً، دنيء النفس، كثير الشر، قليل الخير، بخيلاً، قبيح المنظر، رثَّ الهيئة، مغموزَ النسب، فاسدَ الدين، وما تشاء أن تقول في شاعر من عيب إلا وجدته، وقلما تجد ذلك في شعره”.

وقال القاضي عبد العزيز الجرجاني (وهو غير عبد القاهر)، يرد على منتقدي المتنبي: “فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحَىٰ اسم أبي نواس من الدواوين، ويُحذفَ ذكره إذا عُدّت الطبقات، ولكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية، ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وابن الزبعري وأضرابهما ـ ممن تناول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعاب من أصحابه ـ خُرساً، وبِكاءً مُفْحَمين. ولكن الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر”.

إذن فقد فصل النقاد العرب الأوائل بين الحكم الجمالي والحكم الأخلاقي، فلم يعتبروا القبيح أخلاقياً قبيحاً جمالياً. وهم في ذلك لم يخترعوا قاعدة جديدة، بل سبقهم إلى ذلك اليونانيون.

ولقد لوحظ منذ القديم، أن كل الأيديولوجيات تربط بين الحكم الجمالي والحكم الأخلاقي. وأوضح تجليين للأيديولوجيا في الواقع المعاصر، أحزاب المتدينين الجدد، والماركسيين المتحولين: فليس جميلاً لدى المتدينين الجدد والشيوعيين، إلا ما دعا إلى ما يرونه مكارم الأخلاق.

ومن ذلك ما رأيناه في الحقبة السوفيتية، من تقريظ مستمر لروايات لا تساوي الكثير، وإهمالهم لروايات أفضل منها. وأكبر مثال على ذلك ما نالته رواية “الأم” لمكسيم جوركي، تلك الرواية الأيديولوجية التي أزرت ـ في نظر الشيوعيين ـ برواية تولستوي “الحرب والسلام”. وقل مثل ذلك، فيما لقيت إنتاجات يوسف إدريس من ترحيب في العهد الناصري، وما لقيته من إهمال روايات إحسان عبد القدوس، لا لشيء إلا لما رأوه من يسارية إدريس وأرستقراطية عبد القدوس.

أما المتدينون الجدد فحدث عنهم ولا حرج، إذ بإمكانهم أن يحتفلوا بشعراء وكتاب، لمجرد أنهم يقولون: “يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما”.

لكن كل ذلك كان فلتة من الزمان، لم تلبث حتى انحسرت، واستقر الأمر لما قررته اليونان، من انفصال الحكم الجمالي عن الحكم الأخلاقي، مع تعديل بسيط ـ بهذا القدر أو ذاك ـ لأسباب موضوعية.

كيف؟

لقد كانت اليونان القديمة لا تعترف بأي حقيقة أخلاقية، إن لم تكن جميلة: فربطت الحكمَ الأخلاقي بالحكم الجمالي، وجعلت الأخيرَ شرطاً للأول. وفي هذا تطرف، لا شك، ستواجهه الكنيسة بلطف، يقلل من تأثيره المطلق. والناظر في كل تماثيل الآلهة هناك، يرى أنها مثالٌ كلها في الجمال، حتى زيوس (Zeus) رب الأرباب، صنعوه تمثالاً يفيض على الأشياء من حوله بالمهابة والجلال والجمال. دع عنك الإلٰهات، فليس تمثال أفروديت ـ إلٰهة الجمال ـ وحده هو نموذج الجمال، بل تماثيل إلٰهة الصيد أرتميس، وإلٰهة الحكمة أثينا، وكل الباقيات.

وقبل ان أختم هذا البحث الصغير عن الجمال والأخلاق أذكركم بالغانية فريني (Phryne) التي كانت تبيع الهوى في أثينا، حين اتهمها بعضهم بالإلحاد، ووقفت أمام المحكمة تدافع عن إيمانها، واستعان محاميها بجمالها، ليثبت أن جمالاً بهذا المستوى لا يمكن أن تخلقه الآلهة ملحداً: حيث شق ثوبها عن جسدها أمام القضاة، فحكموا لها بالبراءة.

رابعاً: الجمال والصدق:

الصدق في الفن ضروري، لكنه غير الصدق في الأخلاق: فلئن كان الصدق في الأخلاق: مطابقة النص للواقع، فهو في الفن إثارةُ اللّذة من خلال تأمل الشكل.

مثال:

ففي علم الأخلاق، إذا قلنا عن امرأة بأنها جميلة، فقد قصدنا الجمال الخُلقي، فهي كـ”مريم العذراء” أو “فاطمة بنت عبد الملك”. أما في الفن فإن وصفنا امرأة بالجمال، فلا شك أن ستحضر في أذهاننا “نعومي كامبل” أو “هند رستم”  أو “هيلين الطروادية”.

من هنا يبرز الخلاف بيني وبين من لا يفهمون عبارتي حين أناقش موضوعاً أخلاقياً، فأقول عن امرأة بأنها قبيحة، فيسقطون عليها حكم الفن، فيما موضوع النقاش الأخلاق. والعكس يحدث حين أتغزل في جمال “هند رستم” فينبري لي متدين جديد فيسألني باستهجان: أتراها جميلة؟ فثمة قسم آخر من الإدراك الجمالي، ينتج عن تأمل الشكل، فأرى صدقاً فنياً جمالياً لا يحكمه قانون الأخلاق:

مثال:

حين أشاهد مسلسلاً درامياً أو فيلماً سينمائياً، فأرى فنانة كـ”سناء جميل” أشعر بكم هائل من الجمال في تأملها. فماذا أتأمل؟ واضح أنني أتأمل الشكل، لكن ليس شكل “سناء جميل” فهي ـ من هذا الجانب ـ ليست جميلة في نظري، ولكني أتأمل جمالها حين تتقمص الشخصية، فيسحرني الأداء.

فما الذي يسحرني هنا؟ هل هو الأخلاق؟ كلا بالتأكيد، فربما يكون الدور شريراً. أم جمال وجهها وقوامها هو ما يبهرني؟ كلا كذلك، فهي لا تقاس بـ”هند رستم” لكنها هنا ـ في مسلسل “الراية البيضا” مثلاً ـ أجمل من هند رستم في “صراع في الوادي” بعشرات المرات. فما اسم هذا الصدق؟ إنه إمكان مطابقة الواقع، بمعنى: شعوري بأنني أشاهد شخصية بشرية من اللاتي أعرفهن، أو أتوقع معرفتهن.

نخلص من ذلك إلى أن الحكم الجمالي مختلف عن الحكم الأخلاقي.

فهل وافق الفلاسفة على هذا؟ ليس دائما، فثمة منهم ـ خصوصاً من القدماء ـ من أبى هذا الفصل، كأفلاطون.

وقد يسأل سائل: إذا كان الجمال هو الشكل، فلم طلب الله من المؤمنين أن يُحَكِّموا الحقيقة الموضوعية، دون اعتبار الشكل، في كل أمر حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة/8)؟

فأقول: لأن ذلك قدرهم وما يستطيعون. بمعنى أنهم مأمورون حين يحكمون أو يشهدون أن يعزلوا عواطفهم وعقائدهم عن التأثير في الحكم، فلا يُصدرونه متأثراً بأيٍّ منهما أو بكليهما. ذلك هو ما يستطيعونه، وذلك هو ما هم مكلفون دينيا به. لكنهم غير مكلفين ـ في نفس الأمر ـ بأن يروا هذه السيدة جميلة، لمجرد أنها صاحبة الحق.

فما معنى هذا؟ معناه أن بالإمكان وجود حكم جمالي، يعاكس الحكم الأخلاقي أو الفلسفي. ويمكن التمثيل عليه بالقصة الآتية:

فريني (Phryne) غانية من أثينا تبيع الحب، في القرن الرابع قبل الميلاد. وحديث جمالها يملأ أثينا كلها. وكان مما يزيد جمالها ذلك الغموض الذي يلف جسدها فلا يراه إلا الأغنياء، فلم تكن تظهر أمام الناس إلا وهي محجبة، من رأسها إلى قدمها، ولكنها في عيدي إلوزيا وبسدونيا تخلع ثيابها أمام الناس كلهم، وتسدل شعرها على جسمها، وتنزل البحر لتستحم.

لقد رأى الناس منها ذلك ـ في حينه ـ زكاة الجمال تنفقها امراةٌ، لديها فائض منه، على المحرومين.

وقد بلغ من جمال فريني وعشقها للنحات بركستليس (Praxiteles) وعشقه لها، أن منحته جسدها طوال الوقت، فشكرها بصلاة خاصة من صلوات الجمال الوثنية القديمة، إذ نحت على صورتها تمثال إلهة الجمال أفروديت.

إذن فقد رآها أعظم نحّات في تلك العصور ـ بعد فيدياس (Phidias) ـ الحقَّ المطلق، مع أنها لم تكن شريفةً الشرف المطلق. لكن ذلك كان انطلاقاً من النظرية اليونانية التي تقول: “ليس حقاً إلا ما كان جميلاً”. ولهذا رأينا أعضاء البرلمان يبرئونها أنْ رأوا جمال صدرها العاري.

لم يكن هذا لدى القضاة حكماً موضوعياً، وهذا النوع من الأحكام هو المنهيُّ عنه المؤمنون. فلا شك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يرى فاطمة الزهراء شديدة الجمال، لكن ذلك لم يمنعه من القول بأنها لو سرقت لقطع يدها. فكأن لو سرقت فاطمة الزهراء ـ حاشاها ـ لرآها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جميلة في النظر، خاطئة في الواقع الموضوعي. وذلك عكس ما فعل قضاة أثينا مع فريني.

إذن فنحن مطلوب منا، لكي نحكم وفق الحق الموضوعي، أن نكون على العكس تماماً من قضاة فريني، حتى لو كنا من زبائنها. وقد استطاعت الأديان السماوية أن تنتج قضاة نادرين من هذا الصنف.

والخلاصة: أننا الآن نعشق نعومي كامبل، ولكننا لن نتزوجها، لأننا في الواقع نبحث عن زوجة صادقة واقعياً. ولو قدر لأحدنا أن يتزوجها، لاتهمناه بالحمق وانعدام الأخلاق.

قد عشقنا نعومي كامبل بحكم الصدق الجمالي، ورفضنا الزواج بها بحكم الصدق الواقعي.

وهكذا يبدو ـ يا أصدقائي ـ أننا الآن قد فرغنا من وضع اللبنة الأساس، في التفريق بين الحكم الجمالي والحكم الأخلاقي.

خامساً: العلاقة بين المتعة والمنفعة:

من كل ما مضى يتحصل لنا أن لدينا نوعين من الأحكام: الأحكام الجمالية، والأحكام الخُلُقية. وبينهما ارتباط يسمى “الصدق”، ولكنه مختلف في أحدهما عن الآخر: فالصدق في الجمال هو قدرة المنتَج الفني على تحقيق المتعة، أما الصدق في الأخلاق فهو قدرة المنتَج الصناعي على تحقيق المنفعة.

ولسائل أن يسأل: ألا يمكن تحقيق المتعة مع المنفعة، في منتج واحد؟

فأقول: ممكن، ولكن تقييم هذا الإدراك سيكون مختلفاً من مُتَلَقٍّ إلى آخر، بحيث يمكن إلحاقه بأي من الحكمين كان متأثراً أكثر: فالمُنْتَج الجمالي النافع، إذا طغى فيه تأمل جماله، أضرّ بمنفعته. وكذا المُنْتَج النافع الجميل: إذا طغى فيه تأمل منفعته أضر بالمتعة الناتجة عنه. ولهذا صنفوا كل قسم بمعزل عن الآخر، تبعاً للغالب عليه.

سأضرب مثالاُ:

قبة الصخرة: هل هي منتج نفعي أم جمالي؟ ليس مهما ما يقوله أيُّ منا، بل المهم أن المتأثرين به (المتلقين) هما صنفان فحسب، لا يعدوان الاثنين المشار إليهما.

فإذا ذهبت ـ مثلاً ـ إلى مسجد قبة الصخرة، لتتعبد وتصلي بجانب الصخرة المشرفة، وتأملت مع ذلك جمالها، فأنت واحد من اثنين، لا ثالث لهما: فإما أن يفتنك الجمال (وهو متعة) عن الخشوع (وهو منفعة)، فمعيار إدراكك هنا هو معيار جمالي، رغم أنه حقق شيئاً من المنفعة. وإما أن يُلهيك الخشوع (وهو منفعة) عن الجمال (وهو متعة)، فمعيار إدراكك هنا هو معيار نفعي، رغم أنه حقق شيئاً من المنفعة.

ففي الحالتين أنت تمتعت وانتفعت، ولكنّ أيّاً من الإدراكين غلب، أضّرَّ بالآخر. لهذا نهى الإسلام عن المبالغة في زخرفة المساجد، لأنها تحول المصلي بدلاً من التأمل في خلود منفعة النفس، إلى التأمل في متعتها المؤقتة.

مثال ثان:

طلب عمر بن الخطاب من لبيد بن ربيعة (وهو أحد شعراء المعلقات أسلم) أن ينشده شعراً، فأرسل إليه بسورة البقرة. فما معنى ذلك؟ لقد نظر لبيد فيما يريد عمر من الشعر، فرآه لا يعدو واحداً من أمرين، أو كليهما: فإما أنه يبحث عن الحكمة، وإما عن الجمال التعبيري في نظم الكلمات (البلاغة). فقال في نفسه لبيد: وأين يمكن إيجاد نظم كلامي يحمل الأمرين، بصورة ترقى إلى ما يأمله خبيرٌ بالكلام كعمر؟ إن تقديم أي شيء له، سوف لن يحقق له أيّاً من الهدفين، ولديه القرآن المحتوى على الأمرين، ولا يخضع لتقسيمنا السابق؟

إذن فليس ثمة إلا القرآن. فأرسل إليه سورة البقرة.

سادساً: الصدق في العلم والفن:

تتفاوت قيمة الصدق في العلم والفن. فلأننا نعلم أننا في العلم إنما نريد المنفعة، ولا شيء غير المنفعة، كان الصدق فيه مطلوباً إلى أقصى درجات الصدق. وعلى المقابل من ذلك، نحن نعلم أننا لا نريد من الفن سوى المتعة، ولذلك فالصدق فيه أن يخدم هذا الهدف. ولقد قلت من قبل إن سناء جميل فنانة صادقة، لا لأنها تعيد إنتاج الحقيقة على الشاشة، بل لأنها تقنعنا بأنها السيدة فلانة التي تقمصتها.

بمعنى آخر يمكن القول: بأن الصدق في الفن، هو إتقان التشخيص، إتقان التقمص، أو ما يُقال له عندنا في النقد الحديث: القناع (persona) الذي ينتجه فنان يقدم معادلاً موضوعياً (The objective correlative) في الفن يقابل شبيهاً له في الدنيا.

فبراكستسليس مثلاً اتخذ من فريني معادلاً موضوعيا لأفروديت، إلٰهة الجمال لديه. وهذه التماثيل الرائعة التي صنعها نحاتون مسيحيون لمريم العذراء، معادل موضوعي للسيدة مريم عليها السلام. ألا ترى المسحيين يقدسون التمثال ويحرقون عنده الشموع؟ إن هذا في الفن هو الذي يعتبرونه الصدق. لأن الفنان الفاشل وحده هو الذي يجعلك تتأمل في صانع التمثال، دون التمثال.

ولا شك أننا نتمتع بالخرافة القائلة بأن مايكل أنجلو حين انتهى من تمثال داود قام فنظر إليه، فذهل من إبداع الصنعة، فضربه بمطرقته وهو يصرخ: “انطق”.

تعجبنا هذه الأسطورة ويعجبنا أن نفترض صحتها، لأنها نرى فيها الفنان المنهمك في صنعته، لا يقف لينظر إليها إلا لِماماً، لشدة تماهيه فيما يصنع. فلما أن أتم ما صنع، ووقف يتأمل ما صنع، رأى حياةً في الحجر، لا ينقصها إلا الكلام، فصرخ صرخته الشهيرة وفعل ما فعل.

وها هنا مجال آخر من مجالات التأمل: أليس هذا دليلاً يشير إلى شيء من حكمة منع صناعة الأصنام، في الإسلام؟

إن سحر أسطورة كسر مايكل أنجلو لأنف تمثال دواد يعجبنا، أكثر من الحقيقة التي تقول بأن مجنوناً فعل ذلك في زمن متأخر. وإننا لنرجو ألا يكون مجنون فعل ذلك، سوى مايكل أنجلو.

سابعاً: الجمال إحساس:

الأحكام الجمالية ليست كلية، والمطالبة بتحويلها إلى كلية ينطوي على ما هو أكثر من مجرد الرغبة في تعميم آرائنا، بل هو تعبير عن ظاهرة سيكيولوجية غريبة، وإن كانت معروفة جيداً، ألا وهي ظاهرة تحويل عنصر من عناصر الإحساس إلى صفة في الشيء.

إن المطالبة بتحويل الإحساس بالجميل إلى أحكام كلية، يطمع في تصليب مشاعرنا. وهو أمر مستحيل وكاذب في آن. فلا يمكن تحويل عنصر من عناصر الإحساس إلى صفة في المحسوس. فالجمال إحساس ينبعث لدينا من تأمل الجميل، وليس وصفاً كلياً للجميل. وكلما تنامى الإحساس وعظم، استعصى على التوصيف. لماذا؟

لأن كل وصف هو تحديد. وإن وضع الكلمات الواصفة مكان الجميل تحديد للجميل الموصوف، ولوصفه، فهو استبدال للكلمات بالمشاعر. ولا يمكن أن تحل الكلمات بديلاً للمشاعر.

إن كل تعريف هو إقامة لحدود مانعة حول الكلمات، لتبدو الكلمات بهذا بديلاً للمُعَرَّف الذي هو الإحساس. وهذا مستحيل في كل شيء، خصوصاً في مجال الدرس الجمالي. وكل رغبة في فرضه تعبر عن نزعة فلسفية علمية جامدة، تتوخى ضبط الجمال وفق قالب منطقي. وهو أمر مستحيل، لأننا في كل نصف الجميل، إنما نعبر عن مشاعرنا بمتوالية من النقص متصاعدة عاجزة عن التعريف:

1: فوصف الواصف للجميل، يحل محل عاطفة الواصف.

2: ثم يتلقى المتلقي وصف الواصف الذي وصف الجميل، فيرى فيه الكلمات لا الجميل ذاته.

3: فيتلقاها هو فتحدث له انطباعاً عن الجميل، أدنى من الانطباع الذي حدث للواصف الأول.

4: فلو ذهب ليرى الجميل، فسوف يحمل معه للتأمل كلمات الواصف، التي بلا شك سوف تغير من انطباعه العادي، لو أنه رآه دون كلمات.

مثال:

كلهم يزعمون أن لوحة الموناليزا تمثل روعة الفن والجمال.

حسناً إذن، فلو ذهب كل فرد ليتأمل اللوحة في متحف باريس، فلا شك أنه سيكون قد قرأ عنها، وإلا فكيف عرف أنها الجميل؟ وبما أنه قرأ عنها، فهو سيراها رؤية متأثرة بما قرأ. ودليل ذلك أنه لو لم تعجبه اللوحة ـ وهذا يحدث ـ فإنه لن يستطيع أن يجهر برأيه هذا. ولو جهر لاتهمهُ الآخرون بالحمق أو الجهل، مع أن كثيرين منهم يشعرون بشعوره.

فما الذي تم تأمله هنا في لوحة الموناليزا؟

لقد تأملوا الكلمات التي قيلت فيها من قبل آخرين، قيل لهم إنهم متخصصون. وإذن فقد صار تأمل الجميل تخصصاً. هذا مستحيل لأن التخصص كلام وليس إحساساً. لقد حدث لمتأملي لوحة الموناليزا تأمل ناقص، تأمل متأثر بكلمات الآخرين.

أن المتلقي حين استعان بالكلمات، وهو يتأمل اللوحة، لم يدرك الجمال الخفي فيها، لأنه استعار عيني الواصف، ولم يستعن بإحساسه، الذي تم الآن ضبطه ليرى ما يود الواصف أن يراه، وقد لا يُشعره باللذة.

والخلاصة تتمثل في أن الجمال الذي لا يُدرك هو لذة لا تحس. ومن ثم فهو تناقض. فلم تكن فريني جميلة لدينا، إلا بعد أن نحتها بركستليس. فرأيناها نحن لا بركستليس. ولم تكن هيلين الطروادية جميلة بالمستوى اللائق بإلهة وثنية، فلما نظرنا إليها بعين هوميروس صارت مثالاً للجمال.

أتدرون ما هي روعة هوميروس؟

هذه القفزة الوثنية الرائعة بالكلمات. إن هوميروس نحت لنا تماثيل رائعة من الكلمات، فرأيناها وتأملناها.

ثامناً: المثل الأعلى (Ideal):

إن الإدراك الجمالي مرتبط عادة بالنموذج، المثل الأعلى، الذي نتوقعه من شيء، فندركه إدراكاً باطنياً، حتى لو نكن قادرين على تعريفه.

لكن ثمة سؤالاً يطرح نفسه دائما: كيف تكوّن المثل الأعلى؟

إن للعقائد والتصورات والتربية، والثقافة، ووسائل الإعلام والدعاية، دخلاً في ذلك: فمثلاً، نحن لا نتصور الشيطان ـ عادة ـ إلا في صورة قبيحة، وكذلك رسمناه في الفن. وعلى العكس من ذلك الملاك، فقد صورناه في صور جميلة، أو ما نراها جميلة.

وكل صدمة تنتج لدينا من مشاهدتنا لموضوع لا يروق لنا، إنما تنتج عن ابتعاده عما نتوقع، فهو قبيح بنسبة بُعدِه عن مثلنا الأعلى في موضوعه.

لكن هل يتغير هذا النموذج من عصر إلى عصر؟ والجواب: نعم، ولكن بصورة نسبية قليلاً: فنحن نشاهد في لوحات الفن في عصر النهضة والعصر الوسيط، صوراً لنساء جميلات في نظر عصرهن، لو عرضناها على مقاييس الجمال اليوم، لما فازت بلقب الجميل: نساء بدينات نوعاُ، مترهلات البطون نوعاً، بخلاف النموذج اليوناني القديم لـ(فريني: Phryne) و(هيلين الطروادية: Helen of Troy) و(أفروديت: Aphrodite) و(أثينا: Athena).

الآن نعود لنشاهد النموذج اليوناني للجمال النسائي يفوز بالتعميم بفضل سينما هوليوود، وعارضات الأزياء. فلا شك أن جميلات السينما يقتربن كثيراً من نموذج فريني، بقدر ما يبتعدن عن نموذج (الموناليزا: Mona Lisa) التي يكتب عنها الناس ويزعمون أنهم يفهمون أسرارها. ولعمر الحق ما كان الجميل سراً يوماً.

العرب كذلك لم يكونوا بمعزل عن هذا التغير في قيم الجمال الشكلي للمرأة، فقد احتفل الشعر القديم بالمرأة البدينة، ذات العجيزة الضخمة، وإن أصر على دقة الخصر والبطن الممسوحة. أما الآن فهم يفضلون نموذج هوليوود آخر الأمر.

من ناحية أخرى، فإن تَعَوُّدَنا على البحث عن الجمال في كل شيء، جعلنا ندرك ما في الأشياء من عيوب. فحين تكون حواسنا جوعى، ترغب في الإشباع الكامل، فتبحث عن الكمال الذي تطلبه، ويصبح ما تطلبه هو نموذجها الجمالي، وتستبعد كل ما ينقص النموذج مما ترى.

الفنان اليوناني فعل ذلك، حين رسم المرأة خالية من العيوب.

هكذا تتبلور عدة أشياء ناقصة في شكل كمال واحد، وتمتلئ عقولنا بمعان عامة أهم مميزاتها الجمال. فلا شك أن الموديل كانت تجلس أمام الفنان اليوناني لينحت على صورتها التمثال، فيزيل في تمثاله العيوب الطبيعية في الأصل. وإلا فلا يمكن لي تصور “فريني” خالية من العيوب، كما نحتها (بركستسليس: Praxiteles).

لماذا فعل ذلك؟ من يدري، فربما رشى ضميره بإقناع نفسه بأنه إنما يرسم الإلٰهة “أفروديت”، فلا ينبغي لإلٰهةٍ أن يعتريها النقص الطبيعي الموجود في الموديل البشري “فريني”.

إذن فالجمال في آخر المطاف منتج ذاتي متأثر بالخارج الذي تجوع إليه الذات. وبذا فقد بدا واضحاً الآن أننا نتحيّز لما يسر العين، كما هو تعريف القديس (توما الأكويني: Thomas Aquinas) للجمال.

وأخيراً سوف نلاحظ كم يكذب جمهور الأخلاقيين، حين يحاولون تعريف الجمال، فيعرفونه على أنه هو المفيد أخلاقياً. نعرف كذبهم هذا من اختياراتهم حين يتزوجون.

تاسعاً: النصوص الأدبية بين الإدراك الجمالي والإدراك الأخلاقي:

في تأمله لتمثال لاوكون، قسم الفيلسوف الألماني لسنج (Lessing) الفنون وفقاً لأدواتها: فالرسم فن اداته الألوان، والنحت فن أداته الحجر، والرقص فن اداته الحركة، والموسيقى فن أداته الزمن، والأدب فن أداته اللغة…

من هنا فلا انفكاك بين النظرية الأدبية والنظرية الجمالية.

لكن لا تزال النظرية الأدبية تراوح في حكمها على الأخلاق في الفن، بين قولين، يمثلهما فريقان، قديمان قدم تاريخ الفلسفة.

1: ففريق يرى أن لا علاقة بين الأدب والأخلاق، فالأدب هو ما يُمتع، أما الأخلاق فما يُفيد. وبين الميدانين فرق يُدرك في محله: فالأخلاق ميدان إدراكها الفلسفة والدين، والأدب ميدان إدراكه المتعة. وهذا الفريق يمكن جمع مدارسه في حزمة واحدة، باعتبارهم أصحاب “نظرية الشكل”: كمدرسة “الفن للفن” و”البنيوية” و”الأسلوبية” و”مدرسة النقد الجديد” التي ازدهرت في بدايات القرن المنصرم. وأصحاب هذا الرأي يمكنهم إرجاع أصولهم إلى أرسطو في كتاب “فن الشعر”.

2: وفريق يرى أن العلاقة بين الأدب والأخلاق وثيقة، وأن لا قيمة لنص يتوسل بالنشوة لتمرير قيم مرذولة نفعياً أو أخلاقياً. وهؤلاء يمكن جمعهم في حزمة واحدة، باعتبارهم أصحاب “نظرية المعنى”. ومنهم “الواقعيون” و”التفكيكيون” و”التاريخيون” وأصحاب “نظرية التلقي” ونظرية “النقد الثقافي”. وهم يقصدون بالمعنى أن يكون للنص معنى بعد اشتراط الجمال، أي أن يكون للنص معنى مفيدا أخلاقياً أو نفعياً. وهؤلاء يمكن إرجاع أصولهم إلى أفلاطون في كتاب “الجمهورية”.

والطريف أن صغار المشتغلين بالنقد في بلادنا، يتحزبون بما يشبه التحزب السياسي، حول واحد من هذين الرأيين، فيتعادون ويكيد بعضهم لبعض. وآخر ما رأيته من صغارهم التشهير المستمر بكتاباتي في النقد، لا لشيء إلا لأنهم ناموا ذات ليلة، فاستيقظوا ذات صباح، فاكتشفوا أنهم “بنيويون” ـ بعد موت البنيوية في بلاد المنشأ ـ فرأوا أنفسهم “حداثيين” بعد موت حقبة الحداثة، واكتشفوا في نقدي تخلفاً ـ مع أنهم لا يكتبون بنيوية ولا يعرفونها خارج الإشاعةـ ومع أنني لو قلت لهم إنني “تفكيكي” لسجدوا إليّ، وطافوا بي، كما كان يسجد “شعراء الحداثة” فيصلون في مجالسهم الخاصة لأدونيس من دون الله، ويطوفون به، ولَمَا علموا أن التفكيكية ضد البنيوية. لكنهم لا يعلمون ويقترحون على شهاداتهم أنها تقول إنهم يعلمون، وما فيها غير الألوان والتواقيع في الطرف الأشأم من عاقبتها السفلى.

عاشراً: الشكل والجوهر:

الجمال شكل يخلق الجوهر، أو جوهر يبدو فوق سطح الشكل. وكل ما يُقال عنه جمال دون هذا التعريف، فميدان بحثه فرع آخر من فروع الفلسفة.

الجمال خَلْقٌ متناسق صنعته يد القدير، وسلوكٌ أنيق صنعته يد الجميل، حيث الألوان والأشياء والحركات في أمكنتها، دون زيادة ولا نقصان، بترتيب فطري يخفي فعل البشر.

والقبح خَلْقٌ كان متناسقاً في الأصل، طمست فيه يدُ المخلوق فعل الطبيعة، حيث السَّرفُ في عرض الألوان، ووضع الأشياء في غير أمكنتها، والإكثار من الحركات في موضع يحتاج الهدوء، وبذل الأصوات في مكان الصمت. فيما قال عنه الفيلسوف الإيطالي كروتشه (Benedetto Croce = 1866 ــ 1952): “إن الوجه الجميل المُقَنَّعَ [يقصد السرف في الماكياج] أشد قبحاً من الوجهِ القبيح المكشوف.

الجمال لا يُرى فقط، فهو روحٌ تُطوف بالمكان، فتجعل كل ما يحلُّ فيه محبباً. والقبح روحٌ تسكن الأشياء فترى النشوز فيها يُقَنِّع صنع الطبيعة، فتبدو الوردة وقد ارتدت قناعاً من الخيش. وإن مما يزيد القبيح قبحاً، ويزيد الممقوت مقتاً، أن ترى كل الناس يرونه عارياً، فيما هو يبدي من حركات تزيده مقتاً، لو بذلها الجميل لكانت منه آية سماوية في صنع الخالق.

من ناحية أخرى نحن نعلم أن العلم جمال والجهل قبح، من رؤيتنا كم يمكن لذات وجه جميل أن تتكلم فتصير قبيحة؛ وكم يمكن لذات وجه غير جميل، أن تتكلم فتصبح جميلة. وهذا في الرجال والنساء: فحُسن الكلام مع الآخرين جمال، يدل على الثقة بالنفس، والتربية الحسنة، والأصل الكريم. وأما البذاءة فمنتهى القبح، إذ هي لا تدل على سوء الخلق فحسب، بل كذلك على سوء المنبت والأصل والتربية.

يرى البذيءُ الخلوقَ ضعيفاً، يمكن الاعتداء عليه دون دفع الثمن. ويرى الخلوقُ البذيءَ شريراً لا يمكن إصلاحه، ولذا يستكبر عن تدفيعه الثمن فيتلوث بما في كيس القمامة من خراء جاف يخشى أن يلمسه فينفثئ. لهذا كان من أشرُّ الشرِّ أن ينكح الوضيعُ كريمةً تنجب منه قبل أن تكتشفه، وأن ينكح الكريمُ دنيئةً تنجب له قبل أن يكتشفها.

يبدو أننا انتهينا بهذه الحكمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى