مناقشة “رسائل من القدس و إليها” في ندوة اليوم السابع

القدس| ديمة جمعة السمان

ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية المقدسية كتاب” رسائل من القدس وإليها” للأديب المقدسي جميل السلحوت والكاتبة صباح بشير، ويقع الكتاب الصّادر هذا العام 2022 عن مكتبة كل شيء في حيفا، ويحمل غلافه الأوّل لوحة للفنّان التشكيليّ محمد نصرالله، ومنتجه وأخرجه شربل الياس في 182 صفحة من الحجم المتوسط.


افتتحت الأمسية ديمة جمعة السمان فقالت:
رسائل وصلت بسلاسة دون حواجز، رسائل تحمل عبق الوطن تبادلها الكاتبان جميل السلحوت وصباح بشير تم جمعها بين غلافي كتاب لقيمتها المعرفية والوطنية والأدبية والثقافية والإنسانية، حملت في طياتها مفاهيم وقيما تعمل على ترسيخها المجتمعات التي تحترم نفسها وتهتم بأجيالها القادمة.
رسائل كتبت بانسيابية وصلت أهدافها للقارىء بسلاسة دون حواجز.
جمعت الرسائل بين الخاص والعام، إلا أن الهدف من نشرها لم يكن شخصيا بقدر ما كان يحمل نصائح غير مباشرة، وحلولا لبعض المشاكل التي يواجهها المجتمع، كما أنها زخرت بالمعلومات القيّمة التي تم توثيقها بمهنية عالية، ترصد الواقع، تشيد بالإيجابيات من جهة، ومن جهة أخرى تنقد السلبيات مع تقديم البديل بموضوعية متناهية.
تناول الكاتبان واقع المرأة في المجتمعات الذكورية الظالمة لإنسانيتها، إذ عليها أن ترضى بالواقع دون اعتراض، وإلا تخرج عن الصف الاجتماعي الذي يحكم عليها أحكاما لا تحترم كيانها، ولا وجودها وأنوثتها، ولا حقوقها وإنسانيتها.
تناول الكاتبان الواقع الثقافي وأهمية دور المثقف في إلقاء الضّوء على العادات والتّقاليد البالية من جهل وتعصّب يعود على المجتمع بالضرر.
وتمّ ذكر عدد من المبدعين الذين كان لهم دور على المستوى السّياسي والوطني، والذين قدموا التضحيات جاهدين ليقودوا المجتمعات نحو التغيير.
تحدّث السّلحوت عن كتاباته الاجتماعية وتوظيفها لخدمة المجتمع، إذ أن الثقافة تعتبر من أهمّ مفاتيح التّغيير. وتحدّث عن كتاباته عن أحفاده، من خلال قصص موجهة للأطفال، كانت فاتحة لكتّاب آخرين حذوا حذوه.
كما أنه استرسل في الحديث عن الاحتلال الإسرائيلي وممارساته داخل القدس، ومحاولة تهويدها وأسرلة قطاعاتها المختلفة وعلى رأسها التّعليم. وتناول أيضا حجم خطورة زحف المستوطنات وابتلاع ما تبقى من أراض فلسطينية، ضاربين بعرض الحائط كل الاتفاقات والمعاهدات الدولية، دون وجود أيّ رادع.
وعلى صعيد آخر كانت الرّسائل أشبه بأدب الرّحلات، إذ اصطحبنا الكاتبان برحلات متنوّعة في معظم البلدان العربيّة والغربية التي زاراها، فتعرّفنا على ثقافات شعوبها وعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية، كما تعرفنا على أهم معالمها التراثية الحضارية والتاريخية والدينية والجغرافية.
وتحدثت صباح بشير عن أهمية السّفر لاكتساب الثّقافات الجديدة، إذ أثرى كثرة السّفر والتنقل بين البلدان المختلفة ذاكرتها وأثّر على تشكيل شخصيتها.
إلا أنّها ركّزت على أنّ الانسان يظلّ ناقصا دون الوطن، منتظرا عودته إليه.
كما تحدّثت عن أهمية الكتابة، إذ استذكرت قول كونفوشيوس: إنّ أضعف حبر يكتب به القلم لهو أقوى من أيّ ذاكرة إنسانيّة.
وقالت: لا صوت يعلو فوق صوت القلم حين ينام الضّجيج، إذ يفرض القلم نفسه ويساعد الكاتب على التّفريغ، فتسكنه الرّاحة والسّكينة.
وتناول الكاتبان السّقطات السّياسية، وأيضا السّقطات الإعلامية. إذ أن بعض وسائل الاعلام توصد أبوابها أمام الكفاءات، وتكتفي بتوظيف الكوادر وفقا لانتماءاتهم السياسية.
وانتقد السّلحوت بعض الفضائيّات التي تقدّم محتوى يعمل على ترسيخ الجهل والتخلف، فلا رقابة حقيقية تضبط الوضع وتراقب المحتوى.
كما ركزت بشير على أن صورة المرأة في إعلامنا لا زالت سلبية حتى هذه اللحظة.
أمّا كوفيد 19، فقد كان له حصة أيضا، إذ تم تناول تبعاته وتأثيراته السلبية الاجتماعية والتّعليمية على المجتمعات كافّة.
رسائل كتبت بحبّ تحمل قيما إنسانية، لكاتبين خبرا الحياة بتفاصيلها، فقدما كل ما شعرا أنّه قد يكون مفيدا للقارىء.
كتاب جميل، يعتبر إضافة نوعية للمكتبة العربية، تحديدا لهذا الجنس الأدبي الذي أصبح نادرا، ويواجه عزوفا من الأقلام المبدعة والشابة على حد سواء.


وقال محمود شقير:
في ما يقرب من أربعين رسالة على امتداد إحدى عشرة سنة يتبادل الكاتب جميل السلحوت والكاتبة صباح بشير الآراء حول نشأة كل منهما وحول بعض القضايا الأسرية ومختلف شؤون الحياة والمجتمع والناس.
ويطرح كل منهما رؤيته لقضايا الوطن ومناهج التعليم القاصرة وأوضاع المرأة الفلسطينية، وما تتعرض له من ظلم وإجحاف في مجتمع ذكوري ظالم، وتجري المقارنة بين الحين والآخر مع مجتمعات أخرى منفتحة على الحضارة والرقي والتقدم، ولا نلمس أي خلاف في وجهات النظر بين الكاتب والكاتبة، بل هناك توافق في النظر إلى مختلف الأمور والقضايا، ويأخذ وصف الزيارات والرحلات إلى داخل بلادنا وإلى بلدان أخرى عربية وأجنبية والإقامة في بعضها لسنوات حيزًا ملموسًا في الرسائل.
ويكثر الحديث في الرسائل عن هموم الكتابة، وعن الإنجازات التي تحققت كما في حالة جميل السلحوت، الذي أنجز خلال السنوات التي شهدت كتابة هذه الرسائل عددًا غير قليل من الروايات للكبار وللصغار وبعض كتب أخرى، وعن الإنجازات التي تحققت على صعيد كتابة المقالات العديدة،كما في حالة صباح بشير، التي تحدثت عن بعض كتب جميل السلحوت في مقالات منشورة لها، وعن طموحاتها المشروعة في الكتابة التي تتمثل في رواية بدأتها ولم تنجزها حتى الآن.
الجدير ذكره أن هذه الرسائل انطلقت بعد لقاء الكاتب جميل السلحوت والكاتبة صباح بشير في إحدى ندوات اليوم السابع المقدسية، ولم تستمر هذه اللقاءات بعد انقطاع صباح عن حضور الندوات من جراء السفر أو غيره من الأمور المتعلقة بالعمل، لكن فكرة تبادل الرسائل انطلقت من هناك، وما شكّل عنصر تشجيع عليها أن الكاتب والكاتبة ينتميان إلى بلدة واحدة هي السواحرة الغربية أو جبل المكبر، ويكنان أحدهما للآخر احترامًا وتقديرًا بالغين.
والرسائل مكتوبة بلغة سلسة لا تعقيد فيها ولا غموض، وفيها تشويق للقارئ بالنظر إلى أنها تأخذ من فن السيرة الذاتية قسطًا، ومن أدب الرحلات قسطًا آخر، ومن السرد الأدبي القسط الأوفر، وهي، أي الرسائل، تحمل في طياتها دعوة صريحة إلى نبذ التعصب والتزمت والمغالاة في التمسك بالعادات البالية وبالتقاليد التي لم تعد مناسبة للعصر الذي نعيش فيه، وفيها كذلك دعوة إلى نبذ التخلف والانغلاق، وضرورة التعلم من تجارب الشعوب الأخرى واكتساب ما هو نافع مفيد وترك ما هو سلبي ضار من هذه التجارب، وفيها حثٌّ على احترام المرأة في مجتمع ما زال يمارس سطوة ضارية على حق المرأة في التعلم وفي المساواة وفي التعبير عن نفسها بحرية ومن دون إكراه.
وبرغم التباعد الزمني بين رسالة وأخرى، هذا التباعد الذي بلغ أربع سنوات في إحدى المرات، فإن الكاتب والكاتبة اعتمدا مبدأ تجاهل الزمن والالتزام بالرد على الرسالة المرسلة كما لو أنها وصلت قبل أيام، ما أسهم في تجسير الفجوة الزمنية الواقعة بين رسالة وأخرى، وهو أمر يحسب لصالح الكتاب الذي ضم بين دفتيه هذه الرسائل التي تطرقت إلى قضايا كثيرة مما يهم مجتمعنا وناسنا الرازحين تحت الاحتلال.
والسؤال: هل نحن بحاجة إلى أدب الرسائل والمراسلات؟ والجواب من دون تردد: نعم، نحن بحاجة إلى هذا الأدب الذي يحمل قدرًا من البوح والمكاشفة، وقدرًا من نقد سلبيات المجتمع للوصول إلى التغيير المنشود الذي لا يتم إلا عبر التزود بالثقافة التي لا بد منها لكل مجتمع طامح إلى التقدم والرقي والتحرر والانعتاق.


وقال عبدالله دعيس:
لا شكّ أنّ فنّ الرسالة الأدبيّة هو أحد فنون الكتابة المهمّة في الأدب العربيّ، فقد ظهر مع ظهور الكتابة والتدوين في العصور الإسلاميّة الأولى، وازدهر في العصر العبّاسيّ، واستمرّ بقوّة في مختلف البقاع الإسلاميّة، وكان له تألّقه في العصر الحديث، حيث الرّسائل المتبادلة بين الأدباء والكتّاب والشعراء. ومع انحسار استعمال الرسائل الورقيّة، ربما بدأ هذا الفنّ العريق بالتّراجع قليلا، حين حلّت الرسائل الإلكترونيّة، والتي طابعها السّرعة والإيجاز، محلّ الرسائل الورقية، ويُأخذ على الرسائل الإلكترونيّة الردّ الانفعالي العاطفي أحيانا دون تفكير أو رويّة أو مراجعة حقيقيّة لما كُتب، ودون التّروّي والتّفكير في تأثير الرّسالة على نفس المتلقي.
ورسائل الأديب جميل السلحوت والكاتبة صباح بشير هي رسائل إلكترونيّة، لكنّها لم تُكتب على عجل، ولم تكن ردا انفعاليّا، بل امتدّت لأكثر من عشر سنوات منذ عام 2010 حتى نهاية عام 2021، لذلك فهي امتداد طبيعيّ لفنّ الرسالة الأدبيّة الراسخ في الأدب العربيّ، وتطوير له؛ فاستخدام الرسائل الإلكترونيّة هنا، لم يُفقد الرسائل قيمتها الأدبيّة وجمالها ورونقها.
ويلحظ القارئ لمجموعة الرسائل المتبادلة بين الشّيخ جميل السلحوت وصباح بشير، اللغة الأدبيّة الجميلة، والعبارات الماتعة، والسّرد المشوّق، وتنوّع الموضوعات وثراءها؛ فلغة الرسالة وأسلوبها عادة ما تلائم المتلقي لها وقدرته اللغوية وفهمه، فلكل مقام مقال، والرّسالة الموجّهة لعامّة النّاس لا تكون كالرّسالة الموجهة لأديب يمتلك أدوات اللغة ويحسن فهمها، وتداعب عباراتها الجميلة وأساليبها البديعة شغاف قلبه، لذلك أبدع الكاتبان وأحسنا التّعبير عمّا كان يجول في خاطريهما، وأمتعا المتلقّي وجذباه لالتهام السطور، والسفر مع رسائلهما في أقطار المعمورة دون كلل أو ملل.
ومن اللافت في هذه الرسائل، أنّ الكاتبين لم يلتقيا إلا لماما، ولم تجمع بينهما لقاءات ولا حوارات خارج هذه الرسائل المتبادلة، فما الذي دفعهما إلى الاستمرار بالمراسلة لفترة طويلة؟ وخاصة أنّ البعد عادة ما يجعل العلاقة بين أي شخصين تفتر بعد فترة من الزمن- فالأصدقاء المقربون يتبادلون الرسائل الكثيرة في بداية اغتراب أحدهما، ثمّ تبدأ هذه الرسائل بالتّناقص حتى تنقطع أو تصبح نادرة قليلة، ولا تلبث العلاقة أن تفتر بينهما- “والبعيد عن العين بعيد عن القلب.” كما يقولون. لكنّ مجموعة الرسائل المتبادلة بين الكاتب جميل السلحوت والكاتبة صباح بشير، تزداد وتتابع بعد مضيّ عدد من السنين على رسالتهما الأولى! وذلك لأنّ ما جمعهما هو اهتمام مشترك، وهمّ مشترك، وأفكار متقاربة، وحبّ للّغة والأدب، وحبّ للوطن، وحرص على نبذ الجهل السائد في المجتمع ورفع من شأن الإنسان العربيّ، وخاصّة المرأة.
من الواضح من خلال قراءة الرسائل المتبادلة بين الكاتبين، أنّهما لم يكتباها لكي تُنشر، وإنّما ليتبادلا فيها الأفكار والمشاعر، لذلك كانت عفويّة صادقة غير متصنّعة، وهذا ما يميّز هذه الرسّائل ويميّز فنّ الرسالة بشكل عام.
وقد امتدت الرسائل بين الكاتبين لمدة تربو على عشر سنوات، وهي سنوات حدث فيها تغيّرات كثيرة في العالم العربيّ، الذي تاق أبناؤه لحريّة ينتزعونها من أنياب الطغاة، فثاروا عليهم، وتفتّحت أزهار الرّبيع العربيّ، لتنقضّ عليه سيوف الطّغيان لتئده في مهده وتحوّل الحلم الجميل الذي استوطن قلب كلّ عربيّ حرّ إلى كابوس مزعج دفع بالكثيرين إلى براثن اليأس. وقد اتسمت هذه السّنوات القليلة، بتغيّرات اجتماعيّة وسياسيّة كبيرة جدّا، وانقسم النّاس فيها: فمن آمن بالحرّية كقيمة أصيلة، وآمن بمبادئه وتاريخه وثقافته ودينه بقوّة، لم يتزحزح قدر شعرة عن إيمانه، وتلقى الضربات المضادّة بقوة وثبات، وأصبح أكثر إصرارا على الوصول إلى شواطئ الحريّة والعزّة رغم حلوك العتمة، ومنهم من ركن إلى الطغاة وآثر سلامة العبوديّة على وعثاء الحريّة، ومنهم من شكّ بقاناعاته مع أول اختبار حقيقيّ، وانزوى بعيدا عن الأضواء ووصل إلى حالة من اليأس والإحباط، ومنهم من تملّكته الآلة الإعلاميّة للباطل فامتدّت يداه إلى معاولهم فأمعن بهدم روح الأمّة. يبدو الكاتبان، من خلال رسائلهما الممتدة خلال هذه الفترة الحرجة، ثابتين على أفكارهما، لكن بإمكاننا أن نلحظ التغيّرات الاجتماعية والسياسيّة التي حدثت من خلال هذه الرسائل. ونلاحظ التتابع في الرسائل في فترات معيّنة والانقطاع في فترات أخرى، فلم تكن هناك رسائل بين العامين 2013 و 2017 حيث كانت الصدمة كبيرة على المثقفين، ولم تتضح الأمور بعد، ثمّ أصبح الأمر بعدها واضحا جليّا لكل ذي عقل وقلب.
يتناول الكاتبان عددا كبيرا من الموضوعات في رسائلهما، وإن كان التركيز على الأوضاع الاجتماعيّة في فلسطين يأخذ حيزا كبيرا منها، ويتبادل الكاتبان شؤون الأدب وحياتهما الأدبيّة، فيتعرّف القارئ للرسائل على إنتاجهما الأدبي وعلى الحياة الثقافية في القدس وفلسطين، ويتحدّث الكاتبان عن حياتهما الشخصيّة، فتكون رسائلهما سيرة ذاتيّة مصغرة، ويتحدثان عن حياة الفلسطيني في ظلّ الاحتلال، والتحوّلات التي حدثت في القدس بسببه، ويصفان البلدان التي زاراها فيما يشبه أدب الرّحلات، ويتحدّثان عن الأمور السّياسيّة في مواقع كثيرة، رغم أنهما يقولان أنهما يريدان أن يبتعدا عن السّياسة وهمومها، وغير ذلك الكثير. وتنوع المواضيع في هذه الرسائل يثريها.
يتفق الكاتبان على كثير من الأمور، والمشترك بينهما كبير، فهما محبان للأدب، محبان للسفر، مؤمنان بقيمة الحريّة، يزدريان الجهل، ويحفهما الأمل بالتّغيير. لكن هناك تباين بين شخصيّتيهما، فالكاتبة صباح بشير كانت تشعر بالاغتراب عن مجتمعها، ثمّ اختارت طوعا الغربة والابتعاد عن الوطن، وعندما عادت، اختارت أن تسكن في حيفا بعيدا عن مرتع طفولتها والقدس التي أحبتها، كما تقول، ونراها تزدري العادات الاجتماعيّة العربيّة وترفع من شأن المجتمعات الغربية التي عايشتها. أما الكاتب جميل السلحوت فرغم وعيه لكل ما في مجتمعاتنا من جهل وعادات سيّئة، والتي يشير إليها بوضوح ويحاربها بقوّة، إلا أنّه لا ينفصل عن ثقافتة مجتمعه وتراثه ودينه، ويرى الخير فيها، كما يرى الاعوجاج والانحراف، ويسعى نحو الإصلاح دون الانقلاب على الثوابت ومعاداتها، يعجبه في الغرب الكثير الكثير ويذكره دون انتقاص، لكنّه لا ينحدر نحو الانبهار بحضارة الغرب، ولا ينسى ما قامت عليه هذه الحضارة من ظلم واضطهاد واستعمار وتفرقة عنصريّة والكيل بمكيالين.
“رسائل من القدس وإليها” كتاب رائع يستحقّ القراءة، يعطي صورة واضحة عن الحياة الاجتماعيّة في القدس وفلسطين، وعن الوضح الثقافيّ فيها، في فترة اضطربت فيها الأفكار والمشاعر، تمرّ الأمّة فيها بمخاض عسير، نأمل أن يسفر عن ميلاد لمستقبل جميل.


وكتب رائد محمد الحواري:
توجه في الآونة الأخير مجموعة من الأدباء إلى كتابة أدب الرسائل، وهذا ظاهرة محمودة، فنحن في المنطقة العربية نعاني من شح في هذا التوع من الأدب، فقد صدر رسائل بين محمود شقير وشيراز عناب، وها هو جميل السلحوت وصباح بشير يدونان رسائلهما في كتاب “رسائل من القدس وإليها”، فبداية المراسلات كانت في القدس حينما تقابلا في ندوة اليوم السابع التي يقيمها أدباء القدس أسبوعيا في مسرح الحكواتي، ثم تم سفر جميل إلى الولايات المتحدة لمدة ثلاثة أشهر واستمر الرسائل، ثم سافرت صباح بشير إلى الإمارات العربية ومكثت فيها عدة سنوات، ثم انتقلت إلى المملكة المتحدة وعاشت في لندن فترة من الزمن، إلى أن استقرت في حيفا، فالعنوان منسجم مع مكان إرسال الرسائل، حيث كانت الرسائل في البداية تكتب من القدس وترسل إلى القدس، لكنها لاحقا كتبتها صباح بشير من خارج القدس؛ لتصل إلى المقدسي جميل السلحوت.
بما أن التعارف بينهما كان من خلال حلقة نقاش أدبي، فقد أخذت الرسائل هذا الجانب بين الاعتبار، وبما أن مشاركة صباح جاءت متأخرة على الندوة، فقد استدعى هذا أن يشير جميل السلحوت في أول رسالة إلى بدايات الندوة، ومتى عقدت وفي أي مكان: “..وقد تعودنا على حضور مبدعين من طالبات وطلاب من بناتنا وأبنائنا في الداخل الفلسطيني، الذين يدرسون في الجامعة العبرية للمشاركة في ندوة اليوم السابع التي تأسست في الفاتح من شهر آذار ـ مارس 1991” ص6، وهذه إشارة إلى عمق المؤسسة الثقافية الفلسطيني، وعلى أنها مستمرة، فزمن كتابة الرسائل بدأ في 11 نيسان ـ ابريل 2010 وانتهت في 31 -12-2021 وبهذا يكون عمر الندوة ثلاثون عاما، وعمر الرسائل أحد عشر عاما.
تشير صباح بشير إلى بداية اهتمامها بالأدب وكيف أن والدها كان له الفضل في هذا الجانب من خلال المكتبة المنزلية التي أسسها: “…مكتبة خاصة لوالدي، تدهشني بكل ما تحتويه من الكتب الثقافية والأدبية، وغيرها من كتب علم النفس التي كان والدي شغوفا بها” ص21،ثم تنتقلإلى ما تعانيه المرأة في المجتمع الذكوري بقولها:”…فالنظرة الدونية للمرأة مازالت قائمة وسط اتهامات قاسية محبطة ومستفزة أحيانا،.. بسبب تلك الثقافة الذكورية البالة، تتأخر المرأة وتمنع من تسجيل تفوقها على لوحة الإنجاز” ص21، الجميل في هذه الرسالة الإشارة من صباح أنها تؤكد على حالة الظلم التي تقع على المرأة العربية من مجتمعها/أهلها وعلى ضرورة إزالة (الثقافة الذكورية) من المجتمع، لكي يتقدم المجتمع ويتحرر الوطن.
وهذا ما استدعي من جميل السلحوت ليشير إلى روايته “ظلام النهار” وما تحمله من مضامين اجتماعية: “..وفي روايتي الأولى “ظلام النهار” التي صدرت هذا العام 2010، فهي تتمحور على التخلف والجهل والموقف من المرأة، وقد طرحتها بطريقة مقززة ومنفرة لمحاربتها وليس لترسيخها” ص16، نلاحظ رسائل، رسائل تكاملية، حوارية، تنمي المعرفة وتعمق محور النقاش، وهي متعلقة بجوانب أدبية ثقافية اجتماعية، وهذا ما يجعلها قريبة من المتلقي الذي يجد همومه فيها.
تنقل صباح بشير رؤيتها الأدبية لرواية السلحوت بقولها: “…أنت تعلم بأن اللهجة العامية تختلف من منطقة إلى أخرى في بلادنا، لذا فاستعمال اللهجة المحكية لمنطقة ما قد يعيق الفهم لقارئ آخر يعيش في منطقة لا تتحدث ذات اللهجة، ليتك لجأت إلى اللغة الثالثة؛ لتصبح الكلمات مفهومة للقراء كافة… وملاحظة أخرى وهي أنني لاحظت بعض الأخطاء المطبعية التي كان يمكن تلافيها” ص 31و32، هذا الطرح يبقي مضمون الرسائل ضمن مكان ندوة اليوم السابع، حتى أنها تبدو استمرارا للندوة وللمحاورات التي تجري فيها.
بعد سفر جميل السلحوت إلى أمريكيا يتحدث في رسالته عن تلك القارة وما فيها، يتحدث عن رؤيته للمجتمع الأمريكي بقوله: “رأيت غالبيتهم يتناول أحد ملاحق الصحيفة ويدفع ثمنها ويترك الصحيفة، لكنهم يثقون بحكومتهم ويطيعونها بشكل أعمى، لأنها منتخبة من قبل الأغلبية، وتوفر لهم سبل الحياة الكريمة كلها” ص38و39، اللافت في هذه الرسالة أنها تتحدث عن تفاصيل كثيرة عن جغرافية أمريكيا وسكانها، فكانت أقرب إلى أدب الرحلات منه إلى أدب الرسائل، وقد تناول الطالب العربي بصورة متميزة تجعل القارئ يشعر بالنشوة: “…أن جامعاتها ترحب بالطلاب العرب، لأنهم يرفعون اسم الجامعة باجتهادهم، وأن 92% من الطلاب العرب ينهون الشهادة الجامعية الأولى دون أن يقصروا بمادة واحدة، يأتون إلينا وسريعا ما يتعلمون اللغة ويتفوقون على الطلبة الأمريكان” ص43.
تقرأ صباح بشير رواية “جنة الجحيم” لجميل السلحوت وتبدي وجهة نظرها فيما جاء فيها: “تتميز الرواية بالسهولة والبساطة، وشعرت بانسيابها العفوي، فهي أقرب ما تكون إلى الواقع المعاش، … شعرت أنني أعيش الأحداث، أعاينها وأرصدها عن قرب.
لكن لي بعض الملاحظات…فاستخدامك اللهجة المحكية بكثرة، تكاد تكون عسيرةعلى الفهم بالنسبة للكثيرين، كما أن العنوان “جنة الجحيم” مربك بعض الشيء، وكم تمنيت لو أن كلمة جحيم لم ترد مطلقا في العنوان” ص50، بهذه الرسالة تحافظ “صباح بشير” على الجانب الأدبي في الرسائل، وتبقيها ضمن ندوة اليوم السابع، المكان الذي تعارفا فيه.
يرد جميل السلحوت على الملاحظات بقوله: “…إلا أن الاحتلال بجرائمه وانتهاكه لكرامتنا ولحرماتنا ولإنسانيتنا قد قلب نعيم العيش في وطننا إلى هوان دائم، وهكذا جاءت رواية “هوان النعيم” وأنا الآن في مرحلة تشطيب الجزء الرابع من هذا المسلسل الروائي” ص52، المحاورات الأدبية وإبداء وجهات النظر ميزة تحسب لهذه الرسائل، إضافة إلى تناولها المشاكل الاجتماعية والهموم السياسية في المنطقة العربية، ولما تقدمه من معرفة جغرافية للعديد الأماكن، إن كانت في فلسطين أو خارجها.
تتحدث صباح بشير عن ظاهرة الدين السياسي وأثره السلبي على المجتمع بقولها:”لسيت السياسة وحدها هي من يقضي على أوطاننا، فظاهرة التعصب الديني دون الفهم الصحيح للدين، تملأ المجتمع وتكاد تغلق كل حيّز فيه، وها نحن نشهد تحولات خطيرة بين النصوص المتشددة التكفيرية التي أصبحت أكثر انتشارا… التطرف يلغي أي هوية أخرى مهما كانت، وهذا ما يحد من التعددية والتنوع والاختلاف والمشاركة في تيسير الحياة” ص57، من هنا تأخذ الرسائل الاهتمام في الجوانب الاجتماعية والسياسية وحتى الجوانب الشخصية لكلا منهما، فقد أصبحا صديقين بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
تتحدث صباح عن مشكلة العقل العربي وكيف أنه يسير ضمن منطق القطيع:”…لثقافتنا الشرقية التي تؤكد على التبعية مسؤولية الفرد تجاه المجموعة وإكراهه على تنفيذ وابتاع سياسة القطيع، دون الاهتمام بتعليمه وتهذيبه أو إكسابه قيم المواطنة الحقيقية والانتماء، نحن نشجع السيطرة والتسلط على الإنسان وعلى حالته الذهنية والفكرية، كذلك نتدخل في أدق تفاصيل حياته” ص69و70، وإذا عدنا إلى ما جاء في رسالة “صباح” يمكننا التأكد أنها تتحدثعن وجع عام ووجع شخصي، فهي ترى مجتمعها/وطنها/شعبها/ أمّتها تعاني وتتلذذ بمعاناتها، فهي أمة/مجتمع غارق في الألم، ويتلذذ بما هو فيه بشكل مازوشي، معتبرا نفسه متميزا عن بقية الأمم/الشعوب رغم أنه من المجتمعات المتخلفة والمتقهقرة.
الواقع القاسي يفرض على الإنسان إيجاد مخرج، شيء يخفف عليه شيئا من هذه القسوة، لهذا وجدنا “صباح” تنتقل إلى أكثر من مكان، أحد عناصر التخفيف، وكذلك تتجه إلى الكتابة/القراءة التي تجد فيها:”..أعشق القراءة والكتابة، أتجدد بهما وانبعث فيهما” ص80، إذا عدنا إلى الرسائل سنجد أن “صباح بشير” تتحدث عن المشاكل الاجتماعية أكثر من جميل السلحوت، وهذا يعكس واقعها الاجتماعي الذي تكتمت عليه ولم تتناول منه إلا النزر اليسير، بينما كان جميل السلحوت تحدث وبإسهاب عن تفاصيل كثيرة عن حياته وعن أسرته وزوجته وأحفاده، لهذا كان مضمون رسائله تتجه نحو المعرفة أكثر منها للنقد.
يتحدث جميل السلحوت عن جغرافية فلسطين بطريقة مفصلة، وعن الاستيطان ودوره في تهويد المكان:”بلدتنا السواحرة … كان أبي يفلح الأرض بالحبوب، وكان مصدر رزقنا الوحيد يعتمد على الفلاحة وتربية المواشي، مررنا بمنطقة الخلايل التي امتدت عليها مستوطنة “معاليه أدوميم” وابتلعتها، ومررنا بمنطقة الصرارات التي تقوم عليها مستوطنة “نيؤوت أدوميم” …ووقفنا على قمة جبل المنطار، ومن هناك رأينا إلى الشمال الغربي منا، أبو ديس، العيزرية وجبل الزيتون، ورأينا القدس الشريف ومسجدها الأقصى المبارك” ص100، اللافت في هذه الرسلة التي تمتد من صفحة 100 إلى صفحة103 أنها تتناول المكان وما جرى فيه، مبقية شيئاهامشيا بسيطا تحدث فيه السلحوت عن مشروعه الأدبي في روايتي المطلقة والخاصرة الرخوة”.
جميل السلحوت يتقدم اكثر في أدب الرحلات، فيتحدث في إحدى الرسائل عن تفاصيلهذا الأدب، وكيف أنه كان محطة اهتمام العديد من الرحالة العرب، ثم ينتقل ليتحدث عن رحلاته، وكيف أنه اسهم في كتابة أدب الرحلات من خلال كتابه “في بلاد العم سام”.
في عصر النت وتطور التكنولوجيا أصبحت عملية الطباعة والنشر أسهل، بحيث يمكن لكل من يمتلك المال وعنده كتابات مهما كانت أن ينشرها، يتحدث جميل السلحوت عن هذه الظاهرة بقوله: “…يلاحظ تهافت بعض من يحلمون بأنهم قادرون على الكتابة، فرأينا عشرات بل مئات الكتب التي تطبع على حساب كاتبيها في مجالات مختلفة، ومع أن هكذا كتب في غالبيتها لا قيمة أدبية أو فكرية لها، ولا تساوي ثمن الورق الذي طبعت عليه، ومنها مع الأسف ـ مطبوعات موجهة للأطفال! إلا أن أصحابها يجدون من يصفق ويبارك لهم” ص164و165، تؤكد صباح بشير على أن هذه الظاهرة خطرة على المجتمع وعلى الثقافة متناولة جانب ظاهرة السعي وراء الجوائز، وأثرها السلبي على الأدب والأدباء:”..الاعتراف بأن تلك الجوائز ليست معيارا لجودة العمل أو تفوقه، فعدد لا يستهان به كل يوم يجربون حظهم في الكتابة، وآخرون من المبدعين الحقيقيين يستعجلون ويتسرعون في كتابتهم، للحاق بموعد الجائزة، فتنحدر أعمالهم هبوطا دون أن تصعد إلى السلم الأدبي بنجاح”167و168.
يتحدث جميل السلحوت عن ظواهر المجتمع السلبية خاصة ما يتعلق منها بطريقة تعاملها من الموت: “…ننعى بفخر واعتزاز … فعن أي فخر وعن أي اعتزاز نتحدث، وهل ارتقاء واحد من أبنائنا سلم المجد يدعو للفخر والاعتزاز؟ وهل ننتظر هكذا ساعة لنبدي فخرنا واعتزازنا بذلك؟ ويصاحب عملية التشييع هتافات وربما إطلاق عيارات نارية، …إذا كان استشهاد إنسان ما يدعو إلى الفخر والاعتزاز، يتوجب تقبل التهاني فهل هكذا سلوك براءة للقاتل من دم القتيل؟ فإذا كان الأمر كذلك فإنه يستحق الشكر أيضا، لأنه جلب لنا الفخر والاعتزاز، وهذا ما لا يقبله عاقل” ص176و177، من هنا تكمن أهمية الرسائل، فهي تكشف وتبين الخلل في العديد من سلوكياتنا وطريقة تعاملنا مع الأحداث.
صباح بشير تؤكد على أن هناك العديد من المشاكل تواجه طريقة تفكير العقل العربي خاصة ما هو متعلق بالمؤامرة: “…بفايروس كورنا، فالفايروس مؤامرة، العلاج مؤامرة، أخذ اللقاح مؤامرة.هذه العقليات المتخلفة ترفض رفضا مطلقا كل ما هو جديد من الأفكار والقيم الإنسانية” ص181، بهذا الشكل نستطيع القول أننا أمام رسائل تناولت أكثر من جانب، فرغم أنها بدأت كرسائل شخصية-أدبية، إلا أنها تناول العديد من القضايا والهموم، فكانت أحيانا قريبة من أدب الرحلات، وأحيانا تتطرق إلى ما هو اجتماعي أو سياسي، وحتى فكري.

وقالت د.روز اليوسف شعبان:
لون أدبيّ جديد لتأريخ السيرة الذاتيّة
يرسل الرسالة الأولى الكاتب جميل السلحوت بتاريخ2010/4/11، وذلك بعد التقائه بصباح أوّل مرّة في ندوة اليوم السابع المقدسيّة. أمّا الرسالة الأخيرة فتنهيها الكاتبة صباح بشير في تاريخ 2021/12/31.
فإذا ما تأمّلنا تاريخ بداية الرسائل وانتهائها، نجد أنّها امتدّت إحدى عشرة سنة، تطرّق فيها الكاتبان للحديث عن مواضيع عديدة تؤرّق الكاتبين، فنجدهما يتبادلان الآراء والأفكار في هذه القضايا، ويحاول كلّ منهما إعطاء اقتراحات للخروج من الأزمات التي يعاني منها مجتمعنا: أزمة ثقافيّة، سياسيّة، تربويّة، اقتصاديّة، أخلاقيّة، جماليّة وغيرها..
أثناء عرض هذه القضايا، يتحدّث كلّ كاتب عن جوانب مضيئة في حياته: مؤلفات وكتب، سفر وتجوال في العالم، وصف الأمكنة وتأثيرها على النفس وإغناء تجربة كلّ كاتب الفكريّة والأدبيّة والثقافيّة.
من خلال هذه الرسائل عرفنا الكثير عن هذين الكاتبين: آراؤهما، رؤاهما الفكريّة والأدبيّة، آمالهما وأحلامهما. ولنبدأ أوّلا بالكاتب جميل السلحوت. فمن خلال رسائله اتضحت لنا رؤاه الفلسفيّة والفكريّة والعقائديّة، فنجده إنسانا تنويريّا، يؤمن بالعلم والمنطق والعقل، يحارب الجهل والتخلّف و ثقافة الهبل كما أسماها في كتابه” ثقافة الهبل وتقديس الجهل” من إيمان بالمشعوذين والسحرة، وقتل النّساء على ما يسمّى شرف العائلة، إهانة المرأة وضربها وعدم السماح لها باختيار شريك حياتها( ص 83).ثم يتطرّق إلى وضع التعليم المزري وعدم اهتمام أكثريّة أولياء أمور الطلّاب بتربية ومتابعة أبنائهم خصوصا في مرحلتيّ الطفولة والمراهقة، فتحدّث في هذا السياق عن طفولته التي كتب عنها في كتابه” أشواك البراري-طفولتي سيرة ذاتيّة” حيث عانى من طفولة قاسية وعدم اهتمام أهله به، ثمّ اعتقاله عام 1969 وتعرّضه لتعذيب قاسٍ أورثه انزلاقا غضروفيّا في الرقبة وفي أسفل العمود الفقريّ مع تقرّحات في المعدة والقولون. ومع ذلك لم يفقد حلمه وإصراره على تكملة تعليمه الجامعيّ، فالتحق بجامعة بيروت العربيّة انتسابا ودرس اللّغة العربيّة.( ص 85). وتابع مشواره الأدبيّ؛ ليكتب عن عيوب مجتمعه محاولا تسليط الضوء عليها، مبديا رأيه فيها ومحاولا تقديم النصائح للشّباب للتخلّص من هذه الآفات.
كما يتعرّض الكاتب جميل السلحوت للحديث عن القدس والمحاولات لتهويدها وتهويد حيّ الشيخ جرّاح وحصارها وعزلها عن سائر مناطق فلسطين، كما يتحدّث عن منطقة براري بلدته السواحرة القريبة من القدس، وعن خسارة أهله وسائر سكّان بلدته لهذه الأرض التي صادرتها إسرائيل، وبنت عليها مستوطنة معاليه أدوميم، وهكذا خسر الفلسطينيّون مصدر رزقهم، حيث اشتغلوا بزراعة الأرض وتربية المواشي (ص 102) .
وللرحلات حيّز هامّ في هذا الكتاب، فالكاتب جميل السلحوت يتحدّث عن رحلاته الكثيرة إلى أمريكا، حيث يسكن فيها عدد من إخوته وابنه قيس، وقد تعرفنا على أماكن سياحيّة جميلة في أمريكا، ومنها شلّالات نياغرا من خلال ما وصفه في رسالته للكاتبة صباح. ويشير أيضا إلى تأليفه لكتاب “كنت هناك” الصّادر عام 2012، يتحدّث فيه عمّا شاهده في الأردنّ، سوريا، لبنان، مصر، السعوديّةـ روسيا وأمريكا. كذلك يتعرّض لحياة الشّعب الأمريكيّ الذي لا تهمّه السياسة، مع ذلك فهو يحترم حكومته.
ومن اللّافت في هذا الكتاب ما وصف فيه السلحوت اليهود من أنّهم عرب يهود، عاشوا في الدّولة الاسلاميّة معزّزين مكرّمين:” حتى ظهرت الحركة الصهيونيّة وضلّلتهم وسلختهم عن عروبتهم، وهذا يؤكّد أن الصراع في فلسطين بشكل خاصّ وفي الشرق الأوسط بشكل عامّ ليس صراعا دينيّا، وإن ما هو صراع مع الحركة الصهيونيّة كحركة استعماريّة، اختارت أن تعادي شعوب المنطقة وإحلال مهاجرين يهود مكان الشعب الفلسطينيّ بعد الاستيلاء على أرضه”. (ص 150).
ومن ظواهر تكريس الجهل ما يجري من هدم للمؤسسة التّعليميّة مثل قانون يمنع معاقبة تلاميذ المدارس، وهذا أمر جيّد وفق رأي السلحوت، لكنّ المشكلة تكمن في عدم وضع قوانين أخرى تضبط فيها التّلاميذ، وتحمي المؤسسات التّعليميّة والعاملين فيها، ممّا أدّى ذلك إلى اعتداء على المعلّمين لفظيّا وجسديّا. وقد شمل الاعتداء أيضا الحرم الجامعيّ، فقُتل طلّاب لأتفه الأسباب، ولم تنج المستشفيات من الاعتداء. وهنا يطرح الكاتب سؤالا مهمّا: هل نحن نعيش مرحلة ضياع اجتماعيّ تتصاحب ومرحلة الضّياع السياسيّ؟(ص 158-159).
ويرى السلحوت أنّ كل ذلك إضافة إلى انتشار ظاهرة حمل السلاح، وتجارة المخدّرات، وقتل النساء تحت ما يسمّى “شرف العائلة”، يدلّ أنّنا نعيش خللا اجتماعيّا، فنحن بحاجة إلى ثورة على التّقاليد البالية التي تشكّل رافدا لهزائمنا المتلاحقة، وهذا لن يتأتّى إلّا بالتعليم الصحيح، ومواكبة العصر والعلوم الحديثة.( ص 159-160).
وتردّ الكاتبة صباح في رسائل متتابعة على رسائل السلحوت، فتعرّف بذلك على جزء كبير من سيرتها الذاتيّة، بدءا من ولادتها في القدس، طفولتها وتشجيع والدها لها على القراءة، حتى تعليمها وزواجها وعملها في الصّحافة والإعلام في مجلّة نسويّة تعنى بشؤون المرأة، ثم انتقلت للعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة، استقرّت في أبو ظبي، وبعض الدول الخليجيّة. سافرت مرارا إلى الأردنّ وتركيا، ثمّ انتقلت للعيش والاستقرار في لندن، وزارت بعض الدول الأوروبيّة، ثمّ انتقلت إلى تونس وزارت دول المغرب العربيّ، وحاليّا تعيش في حيفا.(ص 98).
هذا التنقّل المتكرّر وعدم الاستقرار في مكان واحد ألقى بظلاله وثقله على الكاتبة صباح، فوصفت علاقتها بالأمكنة:” عدم الاستقرار في مكان واحد جعلني أفقد الكثير من ممتلكاتي وأغراضي، خصوصا الكتب. فما أن تعيد ترتيب حياتك لتعيش في مكان وترتبط به، ثمّ تجد نفسك مضطرّا لمفارقته”(ص 96). ومع ذلك فقد استفادت صباح من تجربتها هذه فتقول في ذلك:” تعلّمت الكثير في فضاءات المدن، فالأماكن التي مررت بها كثيرة، وكلّها ساهمت في تكوين شخصيّتي، غير أن الوطن مقرّ النشأة الأولى ومرتع الصبا هو من يسكنني”.(ص 98).
وفي رسائلها للسلحوت تتعرّض الكاتبة صباح إلى عدّة مواضيع اجتماعيّة ثقافيّة تعليميّة تربويّة تؤرّقها منها مثلا: التمسّك ببعض العادات البالية التي تعيق تقدّمنا، كما أن المناهج التربويّة التعليميّة لم تتمكّن حتى الآن من تقديم ما يتوافق واحتياجات الواقع، فهي لا تعمل على بناء شخصيّة قياديّة ناقدة عميقة ومفكّرة ومؤثّرة. فالتّعليم في بلادنا هو عمليّة تلقينيّة لا تتناسب مع النموّ والتطوّر الحاصل في تفكير النشء، كذلك دور المؤسسات الثقافيّة والإعلاميّة المتخاذلة والجامعات الغائبة أو المغيّبة عن البحث العلميّ وتشجيع القيادات الشابّة”(ص 107). وقد ضاعفت الكورونا من الهوّة بين الطلّاب أنفسهم وبينهم وبين المعلّمين، وهي ترى أنّه لم يتمّ إعداد المعلّمين بطرق تدريسيّة حديثة تتماشى مع العصر وخاصّة في فترة الكورونا والتعليم عن بعد.
كما تتعرّض الكاتبة صباح إلى دور الصحافة العربيّة، فترى أنّ الثقافة تعيش حالة من الاغتراب، فحضورها باهت في صحف ومواقع إلكترونيّة ذات طبيعة إخباريّة لا تؤسس لأهداف ثقافيّة، كما أنّ تمثيل المرأة في الإعلام ما زال سلبيّا، فهي تصوّر كسلعة أو أداة جذب للتّسويق ويتمّ تجاهل ثقافتها وطموحاتها أو عملها وإبداعاتها.(ص 114).
تنتقد الكاتبة صباح الفكر الشرقيّ وتقارنه بالفكر الغربيّ الذي يحترم الإنسان كفرد حرّ مستقلّ بذاته، لديه كلّ الطاقات والامكانيات الفكريّة الخلّاقة، نقيض الثقافة الشرقيّة التي تؤكّد على التبعيّة ومسؤوليّة الفرد تجاه المجموعة، وإكراهه على تنفيذ سياسة القطيع دون الاهتمام بتعليمه وتهذيبه، وإكسابه قيم المواطنة والانتماء(ص 69-70).
ولحيفا والقدس مكانة خاصّة في قلب الكاتبة صباح، لذا تخصّ كل مدينة بنصّ جميل شاعريّ تصف فيه جمال المدينة، ففي وصفها للغروب في حيفا تقول:” وحده ذلك الشعور من يعيد إليّ روحي وسط الزّحام وفتنة الغروب، سحر الألوان ورائحة البحر، والبهجة التي تعوم حولي في قلب الماء، انسكابه ارتطامه المشرّع على كلّ شيء، يشعل ذلك في داخلي الحنين والأحاسيس الكثيرة كما يبعث فيّ الألفة والشجن وكثير من الذّكريات المخبّأة عندها أتذكّر قول أمّي” ضعي أمنياتك وقت الغروب لعلّها تشرق يوما ما”.(ص 147).
وفي وصفٍ شاعريّ جميل آخر لحيفا تكتب صباح بشير ما يلي:” ولقدسيّة المكان وبعد أن يهدأ الموج تخشع عين الشّمس، تمشي على استحياء وتغيب في خجل، تتوارى حتّى الصباح مبتعدة، آخذة معها النور والضّياء، يسدل اللّيل ستائره تتلألأ النجوم حينها أمعن النّظر في أكوان لا يراها أحد سواي، أكوان من الورد والزّهر”.(ص 148).
وفي وصفها للقدس تقول”: في كلّ مرّة أزورها أكتشف بأنّي ما زلت أقيم فيها، ولم أغادر، فحين ألتقيها يكاد قلبي يترجّل من صدري، ويقفز ليدوس ترابها وروحي ترفرف من حولي مسرعة لتعانق فضاءها، تأخذني الرّهبة أمام هيبتها وتلامس حواسّي رائحتها، وأمام أسوارها العتيقة تلك القابعة في قلب التّاريخ ، تهدأ روحي وأسكن كطفل غفا في حضن أمّه”.(ص 153)
يشترك الكاتبان في حبّهما للقراءة والكتابة. يقول الكاتب جميل السلحوت في ذلك، أنّه حين كان طفلا كان يذهب إلى مكتبة في القدس مشيا على الأقدام ليشتري كتابا، وقد رافقه هذا الشّغف للقراءة والكتابة حتّى يومه هذا.(ص23).
تفصح الكاتبة صباح عن حبّها الشديد للكتابة، فهي حلمها الأوّل، وقد شرعت في كتابة رواية ومجموعة قصصيّة للأطفال. فالكتابة بالنسبة لها:” شرفة الروح المنفتحة على السّماء وزيارة الرّؤى في ارتقائها إلى ما وراء السّمع والبصر، حيث العوالم الخفيّة المحفوفة بالمعرفة المستترة خلف حجب الغيم، شجى القلب وسرّ الفرح”.(ص 80). وتشير إلى أهميّة الحبّ بشكل عام في حياتنا: حبّ الوطن، حبّ الأم لأولادها، حبّ الأصدقاء والعائلة، حبّ النفس، فالحبّ كما تقول هو نكهة الحياة ومذاقها.(ص 78).
نلحظ في هذا الاستعراض الموجز لما ورد في الرّسائل المتبادلة بين الكاتبين، أنّهما تعرّضا لرؤاهما الفكريّة، الثقافيّة، الاجتماعيّة، السياسيّة والإنسانية، إضافةً لذكر محطّات هامّة في حياة كلّ واحد منهما: عمله، نشاطاته، إصداراته، قراءاته، رحلاته وتنقلاته في هذا العالم وما إلى ذلك.
من هنا أميل للاعتقاد أنّ هذه الرسائل هي لون فنيّ جديد من ألوان السّيرة الذاتيّة، إذ تميّزت السّيرة الذّاتيّة المعروفة لنا بالسّرد الذّاتي للكاتب عن نفسه بلسان المتكلّم أو الغائب، لكننا هنا نجد لونا جديدا، وهو فنّ كتابة السّيرة من خلال الرّسائل.


وقال الدكتور عز الدين أبو ميزر:
قراءة في كتاب ( رسائل من القدس وإليها) للكاتبين جميل السلحوت وصباح بشير من القدس. (وتبقى القدس محور كل شيء، وحول المحور الدنيا تدور)
وكيف ولا وهي قدس الله وقبلة العقول وهوى الافئدة والقلوب.وكعادتي في كل قراءاتي أُجمل ولا أُفصّل، وأعمّم ولا أخصّص إلا فيما يقتضي مني التفصيل، ويجبرني على التخصيص في أمر لي فيه باع طويل ومعرفة أكاد أجزم فيها، وفيما عدا ذلك تكون قراءتي كأي متلقي،أكتب عن انطباعاتي بشكل عام، وعن تأثري بما قرأت مبتعدا عن نقد المتخصصين سلبا أو إيجابا.
لقد صدق من قال : إن الأرواح جنود مجندة من تعارف منها ائتلف ومن تناكر منها اختلف.
وهذه الرسائل المتبادلة بين الكاتبين ما هي إلا فن من فنون الكتابة الجميلة، والذي كان قديما واندثر، ثم عاد في العصر الحديث بشكل غير قوي بين بعض الكتاب ردا على اختلاف في مواقف أو حول رأي في اللغة كما جرى بين بعض كتاب مصر وسوريا ولبنان.
وفي هذه السنين الأخيرة والتي نعيشها نشط هذا الفن بين أكثر من كاتب وكاتبة.وما نحن بصددها اليوم هي الرسائل قبل الأخيره وقد سبقتها الرسائل بين الكاتب الكبير محمود شقير والأديبة حزامة حبايب، وبينه وبين الكاتبة شيراز عناب، وتلتها رسائل بين الكاتب والشاعر عمر صبري كتمتو والدكتورة روز شعبان، ولم نطلع عليها بعد،. وقد يصبح الحبل على الجرار وتستمر هذه الطفرة من هذا الفن وتزدهر مرة أخرى، وتصبح فنّا ذا شأن أو يعود ويختفي كما سبق له ذلك، ولكنه سيبقى على أي حال من الأحوال محطة على طريق مسيرتنا الأدبية الفلسطينية.
وفي هذه الرسائل تنوع كثير في الموضوعات وطريقة الرد، فأحدهما لا يعرف ما يجول بخاطر الآخر، لذا اختلفت الردود أحيانا واتفقت أخرى، وتباينت بينهما في ردود أخرى كل بحسب ما لديه من ثقة وعلم وخبرة واطلاع. لكن القدس المحور تظل لا يختلفان عليها، ومهما بعدا تبقى القدس تجمعهما.
ولا يمكنني الحديث عن كل رسالة بمفردها فلكل رسالة زمنها وظروفها ومؤثراتها ومزاج كاتبها.
وحيث إن الكاتب الشيخ جميل السلحوت من الكتاب الغزيري الانتاج والمتنوع في كتاباته، والكثير الاطلاع وذي ذاكرة يحسد عليها، فكان من السهل عليه الرد والإشارة إلى كتبه وتنقلاته ومعرفته،وسيرته الذاتية. فهو بحر من المعلومات لا حدود له، ولديه المقدرة على الحديث في كل موضوع عام تقريبا وبموضوعية وعن معرفة، فهو كثير القراءة ويعرف الكثير.
ولا يفتأ يتحدث عن القدس والاحتلال ومعاناة شعبنا تحت الاحتلال.
وعودة إلى كاتبنا الجميل والذي قرأنا اكثر كتاباته السياسية والأدبية وأدب الرحلات، وأدب الأطفال واليافعين والروايات الاجتماعية والوطنية، وما اشتملت عليه من فلسفة ووطنية ودين وأخلاق وعلم وحديث عن الجهل وثقافته ، ومحاولات المعالجة الموفقة وغير الموفقة والتي جميعها تبقى رأيا لا يصل إلى درجة اليقين، ويحتمل الخطأ والصواب، إلا ما كان نصا منزّلا، ولا يحتمل التأويل، وإن كان يحتمل التوسع فيه حسب التقدم الزمني وازدياد المعرفة العلمية، وما يوسع مجال المدارك ويجعل العقل يفتح آفاقا كانت مغلقة، ويظل دائما وأبدا هنالك فوق كل ذي علم عليم.
وكتاباته المتفرقة في السيرة الذاتية في أكثرها،وكتابه الخاص” أشواك البراري” الذي ذكر فيه سيرته الذاتية بشكل مفصل وجلي. وقد ناقشنا في ندوتنا (ندوة اليوم السابع)؛ أكثر ما كتبه.
لذا، نحن نعلم الكثير الكثير عن شيخ ندوتنا جميل السلحوت والذي يتمتع بأسلوبه السهل الممتنع والمباشر، ولا يجنح للرمزية والغموض في كتاباته، ويوصل المعلومة التي يريد بكل شفافية ووضوح، ولا يلجا للتورية والكناية، ولا يعتمد المحسنات البلاغية والاستعارات اللفظية أسلوبا في كتاباته وإن تنوعت شكلا وموضوعا، حتي في هذه الرسائل وإن أخذت برأيي نوعا من الحذر المحبب، وحاول فيها إبداء بعض التأنق في الكلام كونه يخاطب امرأة ومن باب التأدب والإكرام من رجل وأديب أن يكون كذلك، فحسن المظهر واللطف والأدب والرجولة في الكلام من شيم الكرام، وكاتبنا جميل وكريم ويحب ذاته على كل ما فيها وما لها وما عليها، وهو صادق في كتاباته، وما اعتمد التلوّن وإن اعتمد الحيطة والحذر، ولذلك بقي على ما نعرفه عليه ولو نحا نحوا آخر لظهر أمام أعيننا تلوّنه وانزياحه؛ولظهر ذلك في رسائله للكاتبة وقد انقطعت الرسائل بينهما سنين طويلة.
لا أستطيع الاسترسال في الكتابة عن صاحبة الرسائل وكتابتها فانا لا أعرفها ولم أقرأ لها غير هذه الرسائل، والتي كتبتها بلغة أدبيية راقية وأبرزت فيها قدرة ظاهرة مع عدم التكلف أو اللجوء إلى ليّ أعناق الكلمات لتظهر أنها متمكنة رغم اعتمادها على كثير من المحسنات اللفظية والخيال المجنح أحيانا بغير تقصّد.
لكن كل ذلك لا يعطيني الحق بأن أحكم عليها وعلى كتابتها بمجرد قراءتي لهذه الرسائل، فهي في ردودها أشارت إلى ما كتبه كاتبنا وهو كذلك أشار، فلم يكن كل كلامه خالصا ولا كل كلامها، وكلاهما تأثر بالآخر بقصد أو بغير قصد، فبينهما ما يجمع وما يفرّق.
لذلك استرسلت في الحديث عن شيخنا لالتصاقي الكبير به ومعرفتي ولم أسترسل مع كاتبتنا لشح المعلومة لا لشيء آخر.


وقال سهيل كيوان:
للمراسلات بين كاتب وكاتبة نكهة خاصة، وأكثر من شهادة تزعم بأنّ المرأة الكاتبة تثق بصداقة الرجل الكاتب أكثر من صداقتها مع المرأة الكاتبة، كذلك يثق هو بصداقتها أكثر من صداقته مع الرّجل الكاتب، وحسب تفسير الكاتب جميل السَّلَحوت في إحدى رسائله إلى الكاتبة صباح بشير، أن هذه الثقة تعود إلى غياب الغيرة والمنافسة التي قد نجدها بين الرجل والرجل وبين المرأة والمرأة.
معظم المراسلات تبقى طيّ الكتمان، إلا أن إتاحة الطباعة ودور النشر، إضافة إلى هامش الحرية في بعض المجتمعات العربية، شجّع بعض الكتاب على نشر مراسلاتهم، من بين هؤلاء المقدسيان جميل السّلحوت وصباح بشير، حيث صدرت رسائلهما مؤخّراً عن مكتبة كل شيء في حيفا، تحت عنوان «رسائل من القدس وإليها»، وهي مراسلات بدأت بينهما منذ العام 2010 واستمرت حتى أواخر 2022، مع وجود فترات توقّفت خلالها.
السؤال هو ما الذي تضيفه هذه المراسلات إلى جمهور القراء؟
لا بد من تذكّر مراسلات بين كتّاب وكاتبات، أشهرها رسائل جبران خليل جبران ومي زيادة، وغسان كنفاني وغادة السّمان، ومؤخّراً بين محمود شقير وحزامة حبايب، وبين الكاتبين عمر كتمتو الفلسطيني المغترب ود. روز شعبان المقيمة في الداخل الفلسطيني، وللناقد الدكتور نبيه القاسم عن دار النشر نفسها مراسلات بينه وبين إحدى تلميذاته، عندما كان أستاذاً في الكلية العربية للمعلمين في حيفا، لكنه اكتفى بتوقيع رسائلها بضمير «هي» دون ذكر اسم الطالبة، وقد ربطتهما علاقة سامية من المشاعر النبيلة، وتبادل الآراء ليكون منقذاً وسنداً وناصحاً لها، دون ترك العنان للمشاعر الحميمة بالانطلاق.
في الرسالة الأولى من جميل السّلحوت إلى صباح بشير، يتذكر لقاءهما الأول في ندوة اليوم السابع الأسبوعية التي تدار في مسرح الحكواتي في القدس، ويكتشف أنها تسكن في الحي نفسه الذي يسكنه في جبل المكبر في القدس المحتلة.
تبدأ المراسلات حول قضايا الثقافة ونشاط الندوة والقراءة والكتابة لتتشعب وتشمل قضية المرأة والعادات الاجتماعية السائدة والفساد والاحتلال وممارساته القمعية، إذ إن الكاتب نفسه سُجن إدارياً لمدة عام في سجن الدامون في كرمل حيفا مع صديقه الكاتب محمود شقير، فيصف سجن الدامون ولقاءه الأول مع حيفا عام 1969 مع عدد من المبدعين الفلسطينيين.
يتطرّق الكاتبان إلى أسرلة مناهج التعليم في القدس الشرقية وتسرّب آلاف الطلاب المقدسيين قبل إنهاء تعليمهم الأساسي، وسياسة التجهيل، وإلى الفنون، والجوائز الأدبية بإيجابها وسلبها ومعايير اختيارها، وإلى المعاناة تحت الاحتلال بمختلف صورها، فيذكر الكاتب أراضي العائلة وغيرها من عائلات القدس التي كانت مصدر معيشة ومراعي للحلال التي صودرت وأقيمت عليها مستوطنات وأحياء تهويدية، والانتفاضة الأولى ثم اتفاقات أوسلو وتوسّع الهجمة على الأرض الفلسطينية، والموقف من الثورات العربية التي كانت أملاً في بدايتها، ثم اغتيالها، ووصولاً إلى التطبيع والكورونا وانعكاسها على العلاقات الاجتماعية.
يؤكد الكاتب موقفه الداعم للمرأة وحقوقها ويناصرها ويخصّص أكثر من رواية لقضية المرأة « المطلقة» و»الخاصرة الرخوة» و»الأرملة» وغيرها، إضافة إلى سيل من المقالات الداعمة لحقوق المرأة.
أغنى الكاتبان رسائلهما بالكتابة عن رحلاتهما وتنقلاتهما، صباح بشير ابنة القدس، عاشت في الأمارات العربية مع أسرتها بضع سنوات، ثم في بريطانيا، وفي السعودية وتونس، وزارت عدداً كبيراً من الدول كسائحة، تركت كل واحدة منها بصمة ما في شخصيتها، فوصفت الكثير من المدن وعادات الشعوب، الأمر الذي أغنى الرسائل وقرّبها من أدب الرحلات.
الكاتب بدوره زار معظم الدول العربية وبعض الدول الأوروبية، أما الولايات المتحدة، فقد زارها ما يقارب العشرين مرّة، إذ إن ابنه قيس تعلّم وتزوج ويعيش فيها، فيكتب الكثير عن رحلاته هذه بتوسّع، وكان قد نشر كتاباً عام 2012 عن رحلاته بعنوان «كنت هناك».
تخلل الرسائل مداخلات حول سياسة الغرب وأمريكا المتناقضة، فهي تحترم حقوق الإنسان داخلها لكنها عكس ذلك خارجياً، منحازة ضد فلسطين والعرب والشعوب الفقيرة، وتنهب حتى آثارها وتعرضها في متاحفها.
يمنح الكاتب حيّزاً كبيراً للحديث عن المجتمع الأمريكي، فيأخذ القارئ في رحلة شائقة إلى مختلف الولايات التي زارها بعينِ ناقدة، فينتبه إلى تناقضات المجتمع الأمريكي، الغنى الفاحش والقصور مقابل الفقر المدقع والأكواخ الحقيرة، ويتطرّق إلى حياة العرب هناك، فمنهم من نجح بالفعل وصار رجل أعمال أو أستاذاً كبيراً، ومنهم من بات متسوّلاً ويلجأ إلى المساجد لينام فيها ويعتمد على أهل الخير في طعامه، وهناك شرح وافٍ لزياراته إلى المحميات الطبيعية والمتنزهات العامة وشلالات نياغارا في سرد جميل، يمنح القارئ وجبة جيّدة من المعلومات والمتعة.
طرقت الرسائل مواضيع ومضامين كثيرة من زوايا مختلفة، الأمر الذي يحول دون ملل القارئ، وفي الوقت ذاته ابتعد الكاتبان عن الحياة الخاصة لكل منهما، فركّزا على الهموم العامة في مختلف تجلياتها مع لمسات ذاتية خفيفة.
تحاول الكاتبة تجنُّب الخوض في القضية القومية، فهي تتعبها، وعلى العكس منها ينخرط الكاتب في السياسة إلى جانب القضايا الاجتماعية العامة.
يرى الكاتب أن الإسلام أنصف المرأة، لكن المسلمين لم يحسنوا تطبيقه، إلا أن الكاتبة تردّ عليه بأنه « ليس من الضرورة أن يثبت الكاتب بأن أفكاره الإنسانية لا تتعارض مع الدين، فهذا قد يقيّد حريته الإبداعية، لأنه وبمجرد انطلاقه من رؤية أخلاقية تبرز مصداقيته والتزامه في توظيف الأدب لخدمة الفكرة، يكون بذلك قد أخلص في أداء الرسالة، دون الحاجة إلى التبرير والإثبات، فالعمل الأدبي بحد ذاته فعل حر خلاق يقود إلى الإبداع» ص 106.
تحكي الكاتبة عن هاجسها في كتابة رواية بدأت بها بالفعل، لكن ضغوط الحياة وتنقّلاتها الاضطرارية وعدم استقرارها ترغمها على التأجيل، إلى أن تنتقل إلى العيش في حيفا في العامين الأخيرين، حيث تبدأ بالاستقرار واستئناف كتابة روايتها.
طرح الكاتبان قضايا خاصة في القدس وفلسطينية وعربية وإنسانية، سياسية واجتماعية تهمّنا جميعاً، وهذا ما يبرِّر جمعها ونشرها في كتاب، مع لاحظة تجرّد الكاتبين من أي تجاذب عاطفي أو جنسي، إذ يخاطب أحدهما الآخر في رأس الرسالة إلى الأخ وإلى الأخت، وهذا لم نعتده لدى من سبقهم في هذا المجال، حيث لعبت مشاعر الحب والتجاذب بين الجنسين دوراً في تبادل الرسائل.


وكتب عمر صبري كتمتو:
من حسن حظي أنني وجدت ككاتب فلسطيني بعد تقاعدي من عملي سفيرا لوطني فلسطين عشرين عاماً، أبعدتني عن كتابة فن الشعر والأدب والنشر عمومً أقول: بأنني وجدتُ منزلي داخل عاصمتنا وتحديداً في ندوة اليوم السابع الأدبية الأسبوعية الفلسطينية، والتي كان لأديبنا الفلسطيني الكبير الأستاذ جميل السلحوت، صاحب الفضل مع زملائه من مثقفي القدس الفلسطينيين، بتأسيس هذه الندوة التي فتحت ذراعيها، لكل الكتاب في وطننا العربي، والتي تقوم على إدارة نقاشاتها الروائيةُ القديرة، وإبنة القدس الأستاذة ديمة السمان. نعم إن هذه الندوة الأدبية الفلسطينية هي منزلي الصغير الكبير في القدس المقدسة.
الكتاب المشترك تحت عنوان من القدس وإليها ، والذي هو حديثنا الآن، جاء ثمَرَة مراسلةٍ بين كاتبٍ مخضرمٍ مقدسيٍّ معروفٍ على نطاقٍ عربيًّ واسع، في السبعينات من عمره، الأديب جميل السلحوت، والكاتبة الأديبة صباح بشير، ويفصل بينهما مايقارب عقدين ونيّف من العمر، والتي وبفضل ندوة اليوم السابع عليَّ وعليها، أقرأُ لها أول مرّة.
حينما يقرأ مُحبو الأدب لكاتبأو كاتبة لأول مرة، يهيؤون أنفسهم للصبر ومراعاة جملة هنا وجملة هناك، صيغة هنا وأخرى هناك متذكرين أنفسهم لمّا كانوا في بداية رحلتهم داخل عالم الأدب الواسع بفنونه وأشكاله، ويخشَوْن طباعة أو إصدارِ باكورةِ أعمالهم.
هكذا حدّثني ظني ـ وبعض الظنِّ إثْم- حينما قرأت إسم السيدة صباح بشير مقروناً بإسم الأستاذ جميل. قُلْتُ في نفسي : ياإلهي كم هي جريئة هذه المرأة السيدة صباح ومدهشة، لتدخل عالم هذا الكاتب المتمكن المخضرم. غير أني هدّأتُ دهشتي وشعرت بضرورة التمسُك بموضوعيتي عندما أقرأ الكتاب إلى أن أنتهي منه، ثمّ أبدأُ تقييمي للعمل بغضِّ النظر عن الموازاة بين الكاتبين ، وقلتُ في نفسي مرَّة أخرى : إن الأديب الروائي الشيخ جميل، كان سيعتذر بلطف عن المشاركة، لو وجد أن الكاتبة غير جديرة وبقوة الى مشاركته بهذا الكتاب.

تبيّن لي عند مراجعتي للعمل أن السيدة الكاتبة صباح تمتلك أسلوبا جميلا صياغة، ومضمونا الى جانب حياة مليئة بالصراع مع الحياة، وقوتها للمواجهة في مجتمعات متعددة الاختلاف، والذي حوّلها الى امرأة ربما حديدية، بل قوية جدا بحيث لايقبلها الرجل المتمتع بثقافة الهبل، التي تناولها ويتناولها بالنقد اللاذع، الأديب الشيخ جميل السلحوت٫ والتي فاجأني وجودها بقوة داخل المجتمع الفلسطيني، وعلى أساس (شرعيّ) لاعلاقة للشرع فيه، وهذه المفاجأة الصارخة والمحزنة سمعتها من سيدة تحمل دكتوراة في الشريعة، حينما قالت إنها تؤمن بحق الرجل بأربع زوجات-مع أن هناك شروطا صعبة جدا لمثل هذا الزواج- ، لكنها قالت إنها طلبت من زوجها الزواج بامرأة أخرى، علما بأن زواجهما ناجح محلّلة ذلك بالمساعدة التي ستخفف عنها عناء العمل وقيام الزوجة أو الزوجات، خاصة في مجال العناية بالأولاد الذين سيملأون البيت بحيث يصعُب الأمر لامرأةٍ واحدة. أفليس هذا هبلاً ؟
وهنا أكرر لقب أديبنا الشيخ جميل لأنه هو الذي نفى هذا الفهم للدين ومن موقعه الذي يستحق لقب شيخ، ولا شك أنه دارس علم الدراسات الإسلامية٫وهذه المادة كانت تُدرّس في قسم الأدب العربي بكلية الآداب في جامعة دمشق، الى جانب مادةٍ أخرى وهي مادة فقه اللغة، كي يتمكن دارسو الأدب العربي من الفهم الصحيح للقرآن الكريم ، والذي هو مصدر التشريع في الدين، وقد كانت هذه المواد الدينية ولا زالت تُدرّس في جامعات سورية، مثلما درسناها، وفي جامعات مصر كما درسها الأستاذ جميل في جامعة بيروت العربية والتي هي جامعة مصرية أُقيمت في بيروت.
بعد اطلاعي على بعض أعماله ورواياته الأدبية، والتي أرسلها إليَّ مشكوراً وبطلب مني، واستخدم فيها تعبير ثقافة الهبل، وجدتُ كم هي قويةهذه التسمية وكم هي دقيقة لتوصيف بعض رجال الدين المُسْتَهْبِلين، والذين يفتحون دكاكين يَنتُجُ عنها تكريس الهبل لدى بعض البسطاء الطيبين، والذين يديفعون المال الحرام لفتاوى لاعلاقة لها إطلاقاً بالدين الإسلامي الحنيف.
يبدو أن الشيخ جميل تناول هؤلاء الكذابين ولديه حالة يأس من إصلاحهم ، فيطالِبَهُ من يقرأُ أعماله أن يقسو بمفردات أكثر حدّة دون خدش للحياء كما تعودنا عليه. بينما استخدمت الكاتبة السيدة صباح مفردات أدبية غاضبة في سردها لأحداث جعلتها تبدو للقاريء غاضبة جدا وشافية للغليل، كما كانت تمتلك الشجاعة الأدبية والموضوعية والصادقة، بتنويهها لمفرداتٍ متضادّةٍ وردت في رسالة أو أكثر في رسائل الأديب السحتوت، والذي كان ردّهُ عليها حاملا للمودّة واحتراماً للرأي الآخر، علماً بأن استخدام مفردات التضادّ في لغتنا وبالمكان المناسب، يستحسن وكثيرا مايكون ذلك في كتابة الشعر كما جاء وعلى سبيل المثالباستخدام الجبل والحفرة في قصيدة الشاعر التونسي الراحل الكبير أبي القاسم الشابي :
ومن يَتَهَيّبْ صُعودَ الجِبالِ يَعِشْ أبَدَ الدَّهْرِ بيْنَ الحُفَرْ
أعود للكتاب مثمّناً لبلاغة الكتابة لدى الكاتبين، ورغم الفجوة بينهما عُمراً وتجربةً ، لكنهما تنقلا بنا في اميركا والخليج واوروبا بأسلوب جذاب تشويقي، وبمعرفة تنويرية عصرية، واقعية، ليست خيالية إلا للضرورة في الوصف والتي تدلّ على القدرة لديهما باختيار المفردات المناسبة للوصف الجميل وللجوانب المؤلمة، والواقعية التي وضعها أمامنا الشيخ جميل من خلال تجربته وبما عاناه داخل سجون المستعمرة الصهيونية في فترة اعتقاله.
أكثر ماراق لي هو غياب الفجوة بالعمر، وبتقديري أن من لايعرف عن هذه الفجوة لا يكون رأيُه متماثلٌ مع رأيي .
أخيراً أودُّ التنويه الى أهمية هذا الكتاب كفنّ أدبيٍ، يمكن ان نُطلق عليه فن التراسل، والذي نقلنا فيه الكاتبان الى أماكن لايعرفها كثيرٌ من أبناء شعبنا، فضلا عن المعرفة الثقافية التي يتحلّى بها الكاتبان، مباركً لهما إصدار عصارة تجربتهما في الحياة وفي التراسل الذي تمّ تدوينه ليخرج في كتابٍ مطبوع كإضافة جديدة وجدّيَة ومفيدة للمكتبة العربية.


وكتبت وفاء بياري:
من خلال قراءتي لهذه الرسائل الأدبية القيمة النيرة، أراها تندرج بشكل عام ضمن إطار (أدب الرسائل) التي تبادلها كل من الأديب المقدسي جميل السلحوت صاحب لقب شخصية القدس الثقافية، والكاتبة الناشطة في مجال شؤون المرأة الأستاذة صباح بشير .. حيث بدأ تبادل الرسائل الأدبية بينهما بتاريخ 11 ابريل 2010، من قبل الكاتب السلحوت، وآخرها كان بتاريخ 30-12-2021 من قبل الكاتبة صباح .. وكان ذلك بعد أن تعرف الأديب السلحوت على الكاتبه صباح من خلال ندوة (اليوم السابع الأسبوعية الثقافية) في مسرح الحكواتي في القدس ..
من منظار رؤيتي لهذه الرسائل المتبادله بينهما ومنذ قراءتي للرسالة الأولى، تحمل طابعاأدبيّا بامتياز، وتحمل بين طياتها قيمة تربوية وثقافية، تاريخية، معرفية، سياسية،أخلاقية،إنسانية نبيلة .. كتبت بقلم كل منهما بأسلوب شيق ممتع وبلغة جميلة سهلة … غنية بالثقافة والمعرفة بشكل عام .. وتحاكي قضايانا بشكل خاصة معاناة شعبنا المريرة تحت الاحتلال الغاشم، وقضية القدس مرورا، بقضايا عديده أخرى كواقع شؤون المرأة الفلسطينية، وقضايا الجهل السائد المتفشي في بلادنا، وقضايا ذات أهمية كبيره تعود على الفرد والمجتمع،كموضوع التعليم في بلادنا قبل وخلال جائحة كورونا..والعديد من القضايا الأخرى التي تم طرحها بعقلانية من قبل كل من الكاتبين ..
— ذكر الكاتب السلحوت من خلال هذه الرسائل العديد من إنجازاته الأدبية ما بين سنة 2010 و 2021 من مقالات وسلسلة روايات وكتب وقصص أدب اطفال ويافعين وغيرها .. وأفخر باني حظيت بقراءة معظمها والكتابه عنها.
وممّا لفت انتباهي ورسخ في ذهني من خلال قراءتي لروايات السلحوت هو تعاطفه ودعمه لحقوق المرأة ومعاناتها في ظل مجتمع ذكوري صعب .. حيث لا تخلو رواياته من الحديث عن هذا الشأن، عدا عن قضايا أخرى تبدو حاضرة وبقوةفي كتاباته خصوصا فيما يخص القدس وتاريخ قضيتنا الفلسطينية،وقضايا الجهل السائد في بلادنا، وبعض العادات والتقاليد البالية التي تحول دون دفع عجلة التقدم إلى الأمام ..
— هناك تشابه في العديد من الأمور تجمع بين كلا الكاتبين خصوصا حديث كل منهما عن جزء من تفاصيل حياته الخاصة، بالإضافةإلى وصف الأماكن السياحيهة التاريخية التي زارها كل منهما والتي تندرج تحت إطار (أدب الرحلات ) ..
— الكاتبه صباح بشير سلطت الضوء في رسائلها المتبادلة على قضايا المرأة الفلسطينية، وأشارت هنا الى الدور الضعيف الهش لوسائل الإعلام في بلادنا التي تعجز عن تغطية قضايا مهمة تخص شؤون المرأة، كمشاركتها في مجال الفكر والثقافة، وتجاهلها لها في كل المجالات، وغالبا ما تركز هذه الوسائل وللأسف على ( الشؤون المنزلية والطبخ والموضة ومستحضرات التجميل وغيرها ) وأعتقد أن هذا ما هو إلا إلغاء لكيان المرأة وعقلها وابداعها وانسانيتها ..
كم كان ممتعا وشيقا وصف كلا الكاتبين للأماكن المختلفة التي زارها كل منهما من دول ومدن العالم .. فقد ذكرت هنا الكاتبة صباحى بشير ص 34 و 35 عن تجربتها في الانتقال من بلد الى آخر خارج الوطن، فتفكيرها الذاتي بالهجةه من الوطن لم يأت من فراغ، وهذا حال معظم أبناء شعبنا الفلسطيني، الذي يعاني من ظروف صعبة لا تساعد الفرد على تحقيق ذاته .. وما أصعب أن يشعر الفرد بالاغتراب في محيط مجتمعه ووطنه .. وما لفت انتباهي هو وصفها الشيق للمدن التي زارتها وأقامت فيها كأنطاليا، لندن .. تونس وغيرها، كما أحببت وصفها للمدن الأجمل على الإطلاق كمدينة القدس العاصمة الأبدية لفلسطين، ومدينة حيفا عروس البحر .. تماما كما الوصف الماتع للكاتب السلحوت للمدن العديدة التي زارها خصوصا فيما ذكره في كتابه ( بلاد العم سام ) وانطباعاته عن الحياه الاجتماعيه في امريكا..
— ممتع هو السفر والترحال من مكان الى آخر لما فيه من تجديد للحياة، واثراء معرفي، وترويح عن النفس، خصوصا لمن يعيش مثلنا في سجن كبير تحت غطرسة المحتل الغاشم .. “ولكن مهما سافرنا وتنقلنا بين مدن ودول العالم فلن نجد وطن أحنّ علينا من وطننا فلسطين، ويبقى هو الأبهى والأجمل، ولا كرامه حقيقية لإنسان إلا في وطنه، فهو الحضن الآمن بالرغم من ضنك العيش وقسوة الحياة…
كثيرا ما تحدث كل من الكاتبين عن (مظاهر التعصب الديني) وانتشارها الواسع والخطير في بلادنا (دون الفهم الصحيح للدين) فهذا التطرف والتعصب يحد من التنوع والتعدد، ويلغي ذاك النقاش الحر والحوار بصوره أكثر حضارية واشراق .. كعقلية الجماعات التكفيرية الظلامية التي تلغي القيم الإنسانية النبيلة، وترسخ بدورها الجهل الذي بات يسيطر على العقول بل ويصادرها .. وهذا الموضوع تحدث عنه السلحوت في كتابه (ثقافة الهبل وتقديس الجهل) .. كتبت عنه سابقا ..
— نعود مره أخرى الى قضية القدس التي هي دوما حاضرة في كتابات السلحوت، خصوصا تللك القرارات التي صدرت من قبل وزارات الثقافة في الدول الاسلامية والعربية من حيث تسمية القدس عاصمة الثقافة العربية، والقرار الثاني بتسميتها العاصمة الدائمه للثقافة الإسلامية .. والمخجل هنا أن أيّا من هذه الدول لم تقدم شيئا للقدس .. بينما أثرياء اليهود تبرعوا بمليارات الدولارات لتهويدها .. كما سلط الضوء على مسألة احترام الأديان في بلادنا .. وأن الصراع في فلسطين بشكل خاص ليس صراعا دينيا، وإنما صراع مع الحركة الصهيونية الاستيطاتية، التي استولت على أراضينا بالقوة، وهجرت سكانها الأصليين وحلت محلهم يهودا مهاجرين من دول مختلفة من العالم، وذلك بموجب قرارات جائرة بحق أرضنا وشعبنا الفلسطيني، كوعد بلفور وقرارات سايكس بيكو، سان ريمو وغيرها، والتي كان آخرها خطيئة أوسلو التي أوصلتنا الى ما نحن به الآن من تفسخ وانقسام وانهيار وتراجع بكافة المجالات … والأدهى والأمر من ذلك تهافت الأنظمة العربية على التطبيع المجاني مع الطرف الآخر على حساب حقوق شعبنا الفلسطيني …
— قضيةأخرى نعود اليها وهي ذات شأن وأهمية كبرى تحدث عنها اللكاتبان في رسائلهما المتبادلة وهي قضية ( التعليم ) وهي قضية ( التعليم والمناهج التربوية ) في المدارس والجامعات في بلادنا… مستعرضا آثارها السلبية على الطلبة، وبالتالي على المجتمع لأسباب عديده منها محتوى المناهج، وأساليب التعليم، وعدم تنوعها، وأسلوب التلقين والحفظ الأصم .. مرورا بالبيئة المدرسية والأبنية غير الصحية وغيرها، مما ينعكس ذلك سلبيا على بناء الفرد والمجتمع.. مقارنا ذلك بين مفارقات التعليم بين الشرق والغرب،حيث يركز الأخير بدوره على قيمة الفرد وأهمية بنائه من خلال اعتماده على العقل، ووسائل البحث العلمي التي تفتقر له بلادنا، الأمر الذي يهدد الاستدامة من كافة نواحيها، ويعرقل مسيرة التعلم نحو الأفضل .. كما ذكر كلاهما الآثار السلبية لجائحة كورونا خصوصا في مجال التعليم والاعتماد على أسلوب التعليم عن بعد، والذي يعتمد على الإلكترونيات وآثارها السلبية على الطلبة، وبالتالي على المجتمع .

ومن العراق كتب الدكتور عباس حسن الغالبي:
يعد فن الرسائل جنساً ادبياً قديماً حديثاً، وكتاب “رسائل من القدس واليها” للكاتبين جميل السلحوت وصباح بشير اطلالة جديدة لهذا الفن الكتابي، ولكن بحداثوية التناول واللغة والتمظهرات الموضوعية والفكرية التي تطرق إليها الكاتبان، وإن كانت تقترب من السيرة الذاتية في أحيان كثيرة لكنها بالمجمل العام امتازت بعمق طرح الأفكار والموضوعات، وعبرت أيما تعبير عن رؤية كلا الكاتبين في موضوعات شتى .
ولعل من الجميل ان يعود فن الرسائل في زمن اليباب الحواري والفكري بين الأدباء وعلى هذا النحو الكتابي الحداثوي، وكنت حريصاً على قراءة الكتاب عبر هذا الفن الكتابي الذي انتشر إبان العصر العباسي، وانحسر في الوقت الحاضر إلا النزر القليل وذلك لقناعتي أن فن الرسائل بين الأدباء ينطوي بدون أدنى شك على اضمامة من الأفكار الكتابية على المستوى الاجتماعي والإنساني والأدبي وقضايا أخرى، حيث مثل هذا الكتاب حوارية وتبادل رؤى وأفكار بين كاتبين، وإن اختلفا في العمر والتجربة، لكن أظهرت كثير من الرسائل أن هناك ثمة قواسم مشتركة قد جمعت جملة من أفكارهما عبر الرسائل التي احتواها هذا الكتاب. وهذه القواسم المشتركة تمثل في الوقت عينه الثراء الفكري والأدبي لكل من الكاتبين، وهذا بطبيعة الحال لم يأت من فراغ بقدر ماكان حصيلة تجارب ومخاضات توزعت بين المهجر والسفر، والتحصيل الثقافي واكتساب المعارف المختلفة، فضلا عن تجارب الداخل الفلسطيني وصراع الشعب الفلسطيني في نضاله المستمر ضد الاحتلال الصهيوني. ولذا كانت فكرة جمع هذه الرسائل في كتاب فكرة رائعة أعادت إلينا هذا الفن الكتابي من جهة، وتوثيق جهد ورؤى كلا الكاتبين في اتجاهات فكرية وأدبية ووطنية واجتماعية وإعلامية من جهة أخرى، وهنا وفي هذه الجزئية لابدّ لي أن أشير إلى أن كثيرا من وسائل الإعلام تنأى بنفسها عن الحيادية والمهنية والموضوعية، وهذا ما أشار له الكاتبان السلحوت وبشير في بعض رسائلهما، فهي أي كثير من وسائل الإعلام والفضائيات تقدم محتوى ضعيفا يمثل في كثير من حالاته مصالح ورغبات الممولين الماليين،أو القائمين عليها،أو توجهات دول بعينها من دون النظر الى معايير الإعلام الحقة، كالمصداقية والموضوعية والكفاءة، وهذه تعد أهمّ مشكلات الإعلام العربي وحتى الأجنبي، ولذا تلقينا بشغف عال وبحماسة كبيرة هذا الكتاب، ذلك أنه أعاد لنا فن الرسائل من جديد التي تمثل التراث الفكري والثقافي العربي، وبرؤية حداثية تتسق ومتطلبات العصر من تحولات رقمية، سواء كانت في الرسائل أو في غيرها من الفنون الكتابية والأجناس الأدبية الأخرى، وأغتنم هنا الفرصة داعيا الأدباء كافة لإحياء مثل هذه التجارب الثرة، مثلما فعل كل من الكاتبين جميل السلحوت وصباح بشير وعبر تصنيفات لأنواع الرسائل إن كانت أدبية أو فكرية أو ثقافية أو سياسية،أو اجتماعية أو اعلامية، كلا على حدة بعيدا عن الصراعات والخلافات والاختلافات التي قد تغلف هذه الرسائل أو تلك، والتأكيد على توثيق الرسائل التي تتبنى أفكارا تنويرية تخدم الإنسانية وتتبعد عن الضغائن التي قد تفسد هذا الفن الكتابي الأصيل .

وقالت دولت الجنيدي أبو ميزر:
رسائل بين الكاتبين المقدسيّين جميل السلحوت وصباح بشير من جبل (المكبر) الشامخ الذي نبغ فيه عدد كبير من الكتاب والأدباء يتقدمهم الأديب الكبير محمود شقير، القاص المبدع وأحد مؤسسي القصة القصيرة جدًا، والذي تُرجم عدد من مؤلفاته القصصية إلى عدد من اللغات الأجنبية.
والأديب جميل السلحوت من أوائل المؤسسين لندوة اليوم السابع الثقافية المقدسية، والتي تعرّف في إحدى ندواتها على الكاتبة صباح بشير عندما حضرت إحدى ندواتها الأسبوعية، وبعدها تبادلا هذه الرسائل التي من خلالها عرفا أنهما من نفس الجبل (المكبر).
الأديب جميل السلحوت له مؤلفات كثيرة وروايات وقصص كثيرة للأطفال واليافعين والكبار وهذه الرسائل الجميلة التي تناول فيها بعض أحداث هذه المؤلفات.
كتب عن سيرته الذاتية وحياته في قريته (عرب السواحرة) منذ طفولته، ثم عن المعاناة من الاحتلال الذي صادر معظم أراضيها لصالح مستوطنة (معاليه أدوميم)، وعن جبل (المكبر) الشامخ ومعاناته أيضًا من ممارسات الاحتلال من مصادرة الأراضي ومحاصرة وتطويق ومعاناة السكان من ظلم، وأسر الشباب وتعذيبهم وهدم بيوتهم، وهذا جزء مما كتبه عن القدس وكل ما مرّ على ثراها الطاهر من مؤامرات واغتصاب للأرض ومصادرتها، ومعاناة السكان من الإغلاق والحواجز وما يمر عليها من أحداث متتابعة ومحاولة أسرلتها وذكر أحداث (الشيخ جراح).
تطرق في رسائله عن حبه للكتابة والقراءة منذ صغره وسيره مسافات طويلة سيرا على الأقدام للحصول على الكتب.
كتب عن أسرته وأحفاده الذين كانوا أبطال قصصه للأطفال، وكتب عن أسره من قبل الاحتلال وتأثيره على صحته ومعاناته، ورغم ذلك تابع مسيرته بإصرار وتصميم، وتطرق إلى رحلاته إلى مختلف البلدان مثل الأردن وسوريا ولبنان وغيرها من الدول العربية والأجنبية خاصة أمريكا حيث كتب عن الشعب الأمريكي أنه يحترم حكومته رغم عدم اهتمامه بالسياسة، وكتب عن مشاهداته في كل منها وعن واقعها، وكتب عن أهمية دور الأهل في مراقبة أطفالهم في سنوات الطفولة والمراهقة، وعن تأثير فيروس كورونا على التعليم والحياة الاجتماعية وعن دور الفضائيات في حياة الناس والمجتمع وتأثيرها سلبا أو إيجابا حسب برامجها المختلفة. في جميع كتاباته يشجع العلم ويحارب الجهل ويعرض الحلول، وانتقد توظيف الموظفين وفقا لانتماءاتهم السياسية وليس لكفاءاتهم.
كتب عن وضع التعليم وانتقد عدم وضع قوانين تحمي المؤسسات التعليمية، وعن الاعتداء على المعلمين لفظيا وجسديا، وكذلك عن الاعتداءات على المستشفيات، وأننا بحاجة إلى ثورة على التقاليد البالية ومواكبة العصر بالعلوم والتطور.
دافع هو والكاتبة صباح عن حقوق المرأة وعن دورها الثقافي والتعليمي وعدم الغاء إنسانيتها وإبداعها، وعن تقصير الإعلام في دورها وتجاهل ثقافتها وإبداعاتها بل جعلها سلعة للتسويق.
وقارنت الكاتبة صباح بشير بين الفكر الشرقي والغربي في ذلك.
وفي الطرف الآخر تحدثت الكاتبة صباح بشير عن طفولتها وعن سيرتها الذاتية وتنقلاتها بين البلدان المختلفة مثل الأردن والإمارات وتركيا وتونس وغيرها.. وأخيرا عودتها إلى حيفا واستقرارها فيها، وتأثير ذلك على حياتها ولكن لا شيء مثل الوطن وهو الذي يسكنها كما قالت هي.
تطرقت هي الأخرى إلى العادات والتقاليد البالية والمناهج التعليمية والتقصير في مواكبة التطور والبحث العلمي.
كتبت عن حبها للكتابة وحبها للوطن وحبها لأسرتها.
هذه الرسائل الجميلة التي كُتبت بأسلوب سلس جميل وبلغة سهلة تشجع القارئ على القراءة وتزويده بمعلومات عامة ومفيدة.


وكتبت فاطمة كيوان:
الكتابة واحدة من أهم الأدوات الأدبية للتعبير عن أفكارنا وتوثيق التاريخ وتشكيل الوعي للأفراد والمجتمع، وفي هذا الكتاب وعبر هذه الرسائل وهذا النوع من الأدب الذي كان في الماضي أمثال رسائل غسان وغادة السمان، وجبران لمي زيادة، وبهذه التقنية الجديدة الإلكترونية وما تضمنته من خواطر وأفكار معرفية وفلسفية وأدبية، ومحاولة الكاتبين لنقل أحاسيسهم وأوجاعهم عبر صور مختلفة ما هي إلا نقلة نوعية جديدة، أضاءت لنا ولهم نوافذ جديدة يمكننا من خلالها البوح، وتدوين ذكرياتنا ويومياتنا وتجاربنا الحياتية بصورة قلمية أدبية جميلة راقية، بما تشمله من جميل ومن مرارة. ترصدها بحب حيث تتشابك فيها وبأحداثها بتعدد الأمكنة والأزمنة والأفكار والرؤى عامة، لكل ما يحصل من تغيرات في مجتمعنا الفلسطيني عامة ويهم ويقلق الطرفين.
جاءت لغة الرسائل في الكتاب من كلا الطرفين سلسة وهادئة وواقعية، وعبرت بشكل جميل عن أفكارهم ومشاعرهم وأحاسيسهم ومخاوفهم بواقعية، وأحيانا مفعمة ببعض التعابير والتشابيه والتناص الأدبي التراثي بما حوى من أشعار ومقولات، وأسماء كتاب وأدباء ومؤلفاتهم ومقولات تتوافق وأفكار الكاتبين، وتدل على غزارة وثراء فكر أدبي واجتماعي ومعرفي، فيذكر الشيخ جميل العديد من الأسماء الأدبية كإميل حبيبي وغسان كنفاني وسميح القاسم واحمد دحبور، ويردد بعض أشعار لسان الدين الخطيب ص 119 (جادك الغيث اذا الغيث هما ) , وحنين احمد دحبور لحيفا :
( وكيف جئت أحمل الكرمل في قلبي – ولكن كلما دنا بعد.
يتطرق الكتاب بالرسائل لعدة قضايا ومحاور اجتماعية منها قضية المرأة ومعاناتها ومحاولة تهميشها وصورتها الاجتماعية السلبية والنمطية والسطحية في وسائل الاعلام، وجاء ذالك بوضوح في صفحة 23 حيث يؤكد الشيخ جميل أن ( الحرية نؤخذ ولا تعطى ) مع تأكيده أن الحقوق يجب أن لا تخرج عن قيم المجتمع. ويؤكد على دور المثقفين والأدباء لقيادة عملية التغيير الذي يأتي بطيئا، ويذكر أن المراةتشكل الخاصرة الرخوة للمجتمع ص 103، وأنه خصص لها العديد من المقالات في أدبه وكتابيين هما المطلقة والخاصرة الرخوة، كما تشير الكاتبة صباح في رسالتها لنفس الموضوع ص 114 وتدعو لضرورة عملية التغيير لأن “الثقافة تعيش حالة من الاغتراب بشكل عام ).
في الرسائل شرح للعديد من الرحلات والسفرات التي قام بها الكاتبان، وتنقلاتهم عبر البلدان، وتخللتها إشارة واضحة لجماليات جغرافية الأمكنة ومناظرها الطبيعية، وتغيرات وتقلبات الطقس، لا بل تعدى ذالك لشرح حول طبيعة الناس وحياتهم في تلك المدن سياسيا واجتماعيا، كما وصف الشيخ جميل ذالك ص 38 عن شيكاغو وأمريكا عامة، ووصفها ببلاد العجائب، وحديث صباح بشير عن لندن ومتاحفها، وما تحوي من إرث حضاري مسروق من تراثنا العربي الأصيل. فالرحلات خارج الوطن هي تجديد للروح كما يقول السلحوت ص 37 ، وأشارت الكاتبة صباح بشيرأن ( الرحل والسفرات صنعتها ) ص 47، فالسفريمنحها طاقة جديدة في الجوهر والعمق . ورغم ذالك يتفق الأديبان على أن الوطن والقدس هما مرفأ الدفْ، وأن لا مكان بالعالم أجمل من القدس التي هي جنة السموات والأرض بعراقتها وجمالها وناسها بأصالتهم وعلاقاتهم، وأنها ما خلقت يوما إلا للمحبة والسلام ص 154. كما تؤكد الكاتبة صباح بشير ولاءها للقدس ص 77 ( أن الوطن يسكن الأعماق ويسري مسرى الدم بالعروق ) .
ويتطرق السلحوت لوصف طبيعة منطقة القدس والسواحرة وربوع البلاد وجغرافيتها، في رسالة خاصة يتطرق بها لأسماء المدن والأراضي والنباتات، ويستحضر بها مراتع الطفولة والصبا وتغيير أسماء المدن والمناطق وتهويد الأرض لصالح المستعمرات. والاستسلاء على الأراضي كمناطق لاستعمالات الجيش في محاولة لطمس الذاكرة والتاريخ وتغيير معالم البلاد ص 100,
يظهر قلق الكتاب من مظاهر الانفلات الاجتماعي والجهل حيث ( تعيش الأمة حالة من الضياع الاجتماعي تتصاحب مع الضياع السياسي ) ص 159، الانجراف نحو العنف والهاوية، وتردي المؤسسة التعليمية والمناهج كما يشير الى بؤس العادات والتقاليد في بعض القضايا المجتمعية، منها قضية الشهداء ومظاهر التشييع، وما يصاحبها من ممارسات قبيحة في مجتمعنا تحت عنوان ( ثقافة الهبل وتقديس الجهل ) ص 175 و ص 178 ويؤكدان على ضرورة تدارك الوضع ومعالجة الخلل كأفراد ومؤسسات فاعلة في المجتمع.


وكتبت سامية ياسين شاهين:
الرسائل أخذت طابع السيرة الذاتية الّتي من خلالها تعرفت بشكل أعمق نوعا ما على طبيعة تفكيرهم الأدبي والاجتماعي، حيث أن الرسائل تتناوبت بينهما حول عدةمحاور منها الاجتماعية كموضوع المرأة واستعبادها، والنظر اليها بدونية حتى المرأة ظلمت المرأة حسب رسالة الأديب جميل السلحوت، والاهتمام بمعاناة النساء العربيات وخصوصا في فلسطين.
ترد الكاتبه صباح على نفس الوتر بحق المرأه الجائر وكيف المرأة تظلم المرأة، وتغرس فكرة الذكورية في نفس أبنائها نتيجة لتربية ذليلة بسبب الجهل ومعتقدات مجتمعية بالية. وشددت على غيرة النساء بحق الأخريات بفهوم سلبي.
انتقال الى محور آخر وهو الاهتمام بالمطالعة وكتب العديد من المقالات بصدده مثل “أمة اقرأ لا تقرأ”شغف الشيخ جميل بالمطالعة منذ نعومة أظافره. التركيز مره أخرى على اضطهاد المرأة تحت عباءة الدين وحرمانها من ميراثها.
تمحورت إحدى الرسائل حول ثقافات جديدة مثل أمريكا وانخراط الجامعات العربية فيها والتأقلم ببيئة أجنبية وقسم اتخذها لتعلم في الجامعة والتطور وغير ذالك…
أمّا رسالة صباح فتمحورت حول دولة الخليج بشغف، فقد تحدثت عن معالمها.
ففي إحدى الرسائل كان هدف الكاتبين تعريف القارىء على ثقافات مختلفة ومعالم تميزها وابراز الجوانب الإيجابية لكل دولة أكان بامريكا أو دبي، وهناك سلبيات أيضا في المجتمعات الغربية كأنهما يريدان اطلاعنا على عملة ذات وجهين.
للوهلة الاولى تشعر كأنك تقرأ أدب الرحلات لو لم تكن رسائل متبادلة.
كان وصف للوطن وبالذات القدس المقدسة حيزا كبيرا في الرسائل. لتسليط الضوء على أهمية القدس جميل. والكاتبة صباح والحث على المطالعه والعلم من خلال ذكر بعض روايته والتضاد في العناوين،
تنتقل الاخت صباح بين معالم لندن ثم تونس والجزائر. المحبة لفلسطين
حتى تستقر في وطنها في حيفا.
لم يقتصر أدب الرسائل على الحياة الاجتماعية والسياسية وطبيعة الدول وأعرافها ونمط حياتهم، بل إهتم السلحوت بالحديث عن أهمية الأدب وذكر أنواعة وأهميته، وأبرز اهتمامة بكتابة روايات وقصص للفتيان.
هذا التماهي في المواضيع في أدب الرسائل يؤكد أهمية أبراز حياتنا الاجتماعية والاهتمام بتطورها للأفضل دائما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى