الرئيسية / رواية / قمرُ نابلس.. رواية أليسار عمران (3)

قمرُ نابلس.. رواية أليسار عمران (3)

جريدة عالم الثقافة | خاص

أشرف اللّدّ والرّملة- فلسطين/١٩٤٨

كان شارون حينها قائدَ الحملة..
لقد قام بإعدام أربع مئة مصلٍّ بعد أن أمرَهم بالتجرّدِ من ثيابهم..
هرب حينها منهم مئةُ مصلٍّ
دخلوا الكنيسةَ حيث آواهم الرّهبانُ حينها،
وكأنّ قصّةَ الملكِ النّجاشيِّ تُعادُلمرّاتٍ ومراتٍ عبر التّاريخِ، بسبب كفَرة قريشٍ على مَرِّ العصور!

ذلك الزّمنُ الّذي عاشَ فيه الشّاعرُ توفيق زياد ..
الشاعرُ الّذي كانَ عضواً في الكنيست الإسرائيليِّ ليكشفَ عمّا يخبّئه اليهودُ..

ومَن منّا لايتذكّرُ قصيدتَه الشّهيرةَ:
(أناديكم..
أشدُّ على أياديكم..
وأبوسُ الأرضَ تحت نعالكم
وأقولُ أفديكم
أنا ماهنتُ في وطني
ولاصغّرتُ أكتافي
وقفتُ بوجه ظُلّامي
يتيماً عارياً حافي)

اغتالوا بعدها بزمنٍ طويلٍ الشّهيدَ ياسر عرفات بعدَ أنْ عطّلوا مكابحَ السّيّاراتِ..
فاستشهدَ قبلَأنْ يلتقيَه ..

لقد ارتبطتْ دمشقُ بالرّملة..
والرملةُ بناها الدّمشقيُّ سليمان بن عبدالملك.. حين نقلَ لأوّلِ مرةٍ، العاصمةَ من دمشقَ إلى الرّملة!

يقالُ أنّه جاء من دمشقَ إلى الرّملةِ..
دخل خيمةَ امرأةٍ عجوزٍ
فأكرمتْهُ وأحسنتْ استقبالَه وذبحتْ له الخرافَ..
سألها حينها عن اسمها فأجابت :
اسمي رملة..
فأمر جنودَه بتسمية المدينة على اسمها..

يقول أشرفُ أنّ هناكَ تاريخاً دموياً..
على العالم تحريمُه..
وهذا ماذُكرَ بسِفرِ التّكوينِ، ويوشع بن نون.
حيث يُحكى أن قبائلَ الفلست الجبّارة، ذوي الأصلِ اليونانيِّ، توزّعت عن الشّريط السّاحليّ،
والأصولُ الباقية كنعانيةٌ جاءت من الجزيرة..
وهذا مايعترف به الإسرائيليّون المنصفون.

لقد خافوا دخولَ أريحا واختراقَها بسبب جبروت قبائلِ الفيلست..
فدخلوها عن طريقِ الضفّة بواسطة امرأة عاهرةٍ أدخلت الجنودَ سرّاًوفي الخفاء، وقد اكتشفَأثرَهم أهلُ أريحا وجدّوا في البحثِ عنهم ..
ولم يجدوهم..
حرقَ حينها يوشعُ بن نون أريحا بكلّ مافيها..
وهم لايزالون يتباهون بتاريخهم الدّمويِّ..
بقيت حيفا ويافا واللدُّ والرّملةُ والنّقب والجليلُ مناطقَ عاصيةً على دخول المحتلِّ..

تعويذةُ الحبّ

لتهزمَ شعباً، جرّدْهُ من ذاكرتهِ واقتلْ الأحلامَ في مداه..
حاصرْه بالرّصاص مرةً،بالجوعِ.. بالعطشِ بشلِّ الإرادةِ..
وحدهم مَن عرفوا أنّ العمرَ قصيرٌ استخدموا الوقتَ الصّالحَ في الإنجاز السّريع والمركّز..

وحده هذا الشّعبُ يتحدّثُ بصمتهِ المدويّ من داخلِ القفصِحينَ يتحوّلُ العالمُ الحرّ إلى سجنٍ مؤبّدٍ..
فلتُصغِ إلى صوتِ العصافيرِ وهي تضربُ قضبانَ السّجانِ بنعومةِ الرّيشِ!

الإلهامُ الكبيرُ هو أن يؤمنَ هذا العقلُ أنّ الهوانَ والضّعفَوالحرمانَ، قد تكونُ أكبر مواقدِ الانطلاقِ نحو قمّةِ الجبلِ الشّاهقِ..

ويبقى الشّقاءُ وحدهُ رسولَ العالمين..
الحضارةُ تُبنى بالتّصميمِ وثباتِ الإرادةِ والمبادئ، وبذكاءِ الوصولِ منَ العودة ذاتها إلى نقطةِ البدايةِ..
ولكنْ، هذه المرّة بعقلٍ قد اتّسعتْ رؤاهُ لمِا حولهُ أكثر !

فأعلى درجاتِ الحضارةِ هي العودةُ إلى البريّةِ والطبيعةِ والشّجر والأرضِ والحياة، حيث ترى العيونُ، حينها، ماكتبَ الله بقلمهِ الأكبر.. ثمّ قالَ:اقرأ!
سأعودُ.. انتظريني

الزّمنُ يزحفُ بعقاربهِ نحو الينبوعِ!
يشمّرُ عن سواعدِ قلبهِ!
يتيمّمُ بالسّواقيعلى ألحانِ ضوءِ القمرِ العتيقِ !

الحقلُ ينضبُ مِن بذارهِ !
والرّيحُ أعلنتِ الحدادَ!
العلمُ على المقصلةِ!
وأعوادُ الخيزرانِتفتحُ ثقوبَ العتمةِ لتستقبلَ انكساراتِالدّموعِ على مفارقِ البداياتِ!

وأنتَ أيها المخلوق منّي ألف نبيٍّ،
هل تسمعُ المهباج !؟
هل أرّقتْكَ حوافرُ الخيلِ؟
هل تشتاقُ ليلى!؟
لقد حنتْ رأسَها على رأسِكَ كنرجسةٍ
وتفرّقَ العاشقُ والمعشوقُ!
عمّ الصّمتُ بكلماتكَ
وغيّبتَ ليلى في ضجيجِ الحضورِ!

تعويذةُ الحبّ تقولُ سرّها الأعظم:
لن أكونَكَ حتى يختفيَ كلّي بك!

صهاينة

ينغلونَ بالضّوضاءِ في أعماقِهم الغوغائيّةِ..
همُّهم قائمٌ على تلميعِ صورِهم في تقنيّةِ الضّوءِ..
هم في عَمههم غارقون!
يفتّشونَ عن حائطٍ يدقّونَ به رؤوسَهم عساهاتستيقظُ..
لكنْ.. عبثاً!
يحاربونَ مَن لايتوقّفُ عندهم،يحتاجون قلباً مميّزاً نقيّاً يشيرُ إليهم بعد أن عجزوا عن إغراقهِ في مستنقعِ فكرهم العفنِ!

اللّعنةُ ستحلُّ عليكَ حينَ تتكسّرُ دمعتُكَ على عتباتِهم، لتزهرَ من عمق جراحاتِ وطنٍ بعد كلّ انكسارٍ أجملَ وأجملَ!

دعهم يحلمون..
فالعصافيرُ تؤذّنُ في غاباتٍ موحشةِ الظّلالِ لينصتَ لها صوتُ قلبِك!

يوماً ما ستَدفُنُ القشرةَ وما احتوتْه..
حينها، لن يسعَك إلّا أن تبصقَ على العفنِ والمحتوى !

وأنتَ أيّها المتمدّدُ في ثراكَ منذُ بدءِ النّورِ
مازالوا يسمعونَ صدى صوتِكَ..
لكَ اللهُ.. ولهم شياطينُهم !

أسمعُ أنينَكَ العالي في الجلجلةِ..
اغفرْ لهم يا أبتِي
إنّهم لايعلمون،
ولكنّي أؤمنُ أنّ عقابَ اللهِ أعظم،
وأنّ رحمتَه حتّى في العقابِ، ما نزلتْ إلّا لتطهّرَ أعماقَهم في آخر فرصةٍ لقطفِ الحكمةِ من بين شظايا العذابِ!

دمعُ الزّمان
حيفا/١٩٤٨/

حيفا غسّان كنفاني..
الّتي هاجمتْها عصاباتُ الهاغانا والبلماخوشتيرن،
كانت يومها شيرين وزوجُها أشرف، يتابعان شرحَ حصصِهم للتّلاميذِ، وهما بعيدان كلّ البعد عمّا يحدثُ في المدينة ..

حينَ تغرقُ في البحرِ، ستختارُ النّجاة بروحك قبل طفلك !
لقد دخل المحتلّون منزلَهم وقتلوا الخادمةَ حينها وسرقوا ابنهم خلدون..
وهربا..
وحين سمحوا لهم بزيارة البيوتِ بعد عشرين عامٍ غضبَ خلدون ابنهم من دخول المخرّبين إلى منزله،لكنّ الخادمةَ التّونسيةَ أخبرتْهُ أنّ هؤلاء الضيوف، هم أهلُه الّذين هربوا وتركوه..
وحين خيّروه بين العودةِ مع أهلِه أو البقاء، رفضَ رفضاً قاطعاً..
فهمسَ له والدُه أنّ أخاه خالد في جيش المقاومة !

    كانوا يلمسون جدران المنزل ويسترجعون ذكرياتهم دمعاً ينهمر على الزّمان وعلى المكان..

أجمل ماقيل عن حيفا، أبياتٌ للشاعر المصري هاشم الرّفاعي

حيفا تئنّ أما سمعتَ أنين حيفا
وشممتَ عن بعدٍ شذا اللّيمون صيفا
هي لاتريدك أن تعيش العمر طيفاً
سألتْك عن يوم الخلاص متى وكيف.

كلّ نجاحٍ في الثانوية لطالبٍ، كان يشقّ نافذةَ فرحٍ مغردةً بالضّوء والأملِ ..
وكانت جوازاتُ سفرِ الشّبابِ تحملُهمإلى الخارج، حيث مستلزماتُ الحياة الرّغيدة.
وكان البقاءُ في حيفا أصعبَ الرّصاصاتِ الّتي تقضّ مضاجعَ المحتلين!

حيفا العروس الّتي كُلّلتْ بالسّواد.
والتي طَمستْ معالمَها،الكبابيرُ والنسناس وحديقةُ البهائيّين والجسورُ المعلقة والمينا وجبالُ الكرمل والفردوسُ المفقود والمدينة الّتي رُصفتْ شوارعُها بجثثِ الشّهداء!

هي القصائدُ الّتي لا ولن تموت..
هي أجملُ القصائد المعاصرة..كتبها الشّاعر الفلسطينيُّ المقاومُ أشرف حشيش:

يفسّرون حُبّنا لأرضنا
بمنطق السّماسرةْ
على جبال الكرملِ
أقول : يا طفولةً بريئةً
تمهلي..
لا ترحلي!

ساندويشة
/نابلس/عام٢٠٠٠
انتظريني…
سأعودُ..

سأفطرُ على موائدِ النُّورِ الّتي تفيضُ بها عيناك..
وأتمتمُ: لقد ذهبَ الظّمأ وابتلّتْ العروق وثبتَ الأَجر..
وتحقّقَ الحجُّ المبارك!

في صيفِ عامِ ألفين، في زمنِ الانتفاضةِ بفلسطين، وفي مناطقِ التّماس الحيويّةِ مع الجيش الإسرائيليِّ، تحوّلتْ المنطقةُ خلف خطّ المواجهات إلى سوقٍ وحياةٍ بسببِ كثرةِ الشّبابِ المقاومين الّذين يتناوبون في رمي الحجارةِ على المحتلّ..

كان هناكَ بائعٌ يجرّ عربةً يبتاعُ منه الشّبابُ المقاومونساندويشاتِ الكفتة..
ألقى تحيّةَ الصباحِ على البائعِ وطلبَ منه ساندويشةَ الكفتة قائلاً له:
جهّزْها..
سأضربُ حجرين،
ثمّ أعود لتناولها بعد دقيقتين..

يعود الشابّ شهيداً محمّلاً على الأكتافِ،ينظرُ البائعُ إلى جثمانه وبعدها إلى السّاندويشةِ بيده،يحفرُ حفرةً ويدفنُ الساندويشةَ،يقرأ الفاتحةَ عليها،ويعود إلى عربتِه ليكملَ عمله!

في الجهة الثّانية من ضفّة العبور

انتظريني..
سأعودُ..
وكيفَ لا أخطو إليكِ معصوبَ العينين، وفي البلادِ ألفُ أمٍّ تَنبتُ لي في مفارقِ الصّدفةِ..
وتنجبني من رحم فؤادها المكلومِ على بلادٍ كاملة؟

هناكَ عادةٌ عند السيّداتِ الفلسطينيّات الكبيرات بالسنّ،أنهنّ حينَ يصادفنَ مشهدَ جرٍّ لشابٍّ مقاومٍ، يجرّه الجيشُ المحتلُّفي الشّوارعِ، يبدأنَ بالصّراخ ويركضن نحوه بسرعةٍ البرقِ ويقلنَ للمحتلّ:
إنّه ولدي..
دعْه وشأنه،
يرفعنَأصواتَ صراخهنّ الّذي يضايق المحتلّ..
إنّ أصعبَ مايمزّقُ أغشيةَ الطّبل لدى جنود الاحتلال هو صوتُ الأمّهات وصراخهنّ المدوّي..

كانت الساعةُ تشيرُ إلى الخامسةِ مساءًحين لمحتْ أمُّ محمودٍ شاباً مقاوماً يجرّه جيشُ الاحتلال في الشّارعِ..
ركضتْ مسرعةً بينهم وبدأتْبالصراخ..
تشدّه من قميصه،ويحاولون انتزاعَه منها:)

أنا وطني كمثلِ ابني..
فداهُ الرّوحُ والرفقة
وليست هذه الطّلقة
ستقتله… وتُرديهِ
وتمحوه بلاشفقة)!

يسأل جنديٌّ محتلٌّ الشابَّ:
هل هي أمُّك!؟
يلقي الشابُّ نظرةً من تحتِ غطاء الدّمِ الذي غطى مساحةَ وجهِه..
ويجيبُ:
لا ليست أمّي!
تبدأ المرأةُ بالعويلِ والصّراخ:
ياويلي لقد جعلوه فاقداً للذّاكرة!
يتركه الجنودُ لأمّه..
تتأبّطُ ذراعَهُ..
تحتضنُهُ،
وتمضي به بعيداً!..

عزيمةُ غداء
نابلس/١٩٩٠- يوسف

انتظريني على موعدِ الإفطار حينَ يدقّ مدفعُ العدلِ في هذا العالمِ ..
الجوعُ والعطشُ على مفارقِ وطنٍ، ينذران بأنّ الطّلقاتِ ستكون هي مائدةَ العشاءِ الأخير!
انتظريني دون أن تبدّلي موقعَ زهرةِ الأوركيدِ..
ودون أن تخلعي ثوبَ عرسكِ الأبيض كياسمين دمشق..
انتظريني..
فإن كان للشامِ قلبٌ ينبضُ، فهو نواقيسُ لا تصدحُ مآذنُها إلّا من بين ضلوعكِ!

كنتُ حينها في التّاسعةِ من عمري، أعملُ في السّوق مع ابن عمّي، حين دعتنا خالتي لعزيمةٍ اجتمع فيها كلُّ الأقاربِ في منزلها..
قمنا بإغلاق المحلّ ومشينا في السّوقِ باتّجاهِ البلدةِ..
فجأةً.. سمعتُ صوتاً خلفي ينادي، ابن عمّي.
همسَ: لاتلتفت،تلكَ نقطة تفتيشٍ للجيشِ الإسرائيلي في العمارةِ.. خلفنا..

لكنّني، لا إراديّاً، التفتُّ،سألتُ ابن عمّي ماذا يريدون!؟
فأجاب :سيطلبون منّا تنظيفَ سطحِ المبنى ثم يضربوننا،ويحتجزوننا ليلةً كاملةً..
صرخ الجنديُّ بنا هيّا ادخلا..
فأجابه ابن عمّي: لن ندخل!
صوّبَ بندقيتَه..
وأطلق رصاصاتٍ بين أقدامنا..
ركضَ ابن عمّي ودخل أحد الكاريدورات،بينما خانتْني قدماي..
فتجمّدْتُ بأرضي..
وإذ برجلٍ أربعينيٍّ يركضُ من مكتبه في العمارة، ويسحبني بيدي لداخل غرفةٍ تطلّ على سطحِ المبنى..
كنت أراقبُ الجنود المارّين والناسَ..
أحدُ الجنود وضع رأسَهُ ويديه على الشبّاك فرآنا..
وبأقلّ من ثانيةٍ يسحبنا الرّجلُ الأربعيني باتّجاه الشّارع حيثُ ركن سيّارتَه..
أدخلَنا بها، وأقلعت على صوت أزيز الرّصاص بين عجلاتها..

قد تكون أجملُ اللحظاتِ وأشدُّها رهبةً تلكَ الّتي ننجو بها ونحن على حافة الهاوية.. على مفترق الحياة أو الموت،النّجاة أوالغرق..
لستُ أدري كيف رتّبَ القدرُ تلك الحادثةَ الرّهيبةَ بأجزاءٍ من الثّانية، ليُكتبَ لنا النجاةُ، ونصلَ وجهتَنا حيثُ تجمّعت العائلةُ في منزل خالتي..

مضى زمنٌ طويلٌ..
لم أعد أمرّ من ذاك الشّارع،ولمْ أصادفْ الرّجلَالأربعينيَّ..
كلّ ما أريدُه هو أن أقولَ له شكراً وأحتضنَه وأقبلَ جبينَه ويديه!

قمر نابلس
المكان فلسطين/نابلس/٢٠٢٢

سأعودُ…
انتظريني!
ملقىً على سريرِ الوقتِ، يزمّلني الحصى!
لقد فاتَهم أن يرجموا الشّيطانَ..
أبالسةُ الأرضِ عَقدتْ ألسنتَهم،
وعصبتْ السّماءُ عيونَهم..
فانكشفتِ لي وحدي!

أتذكرينَ يومَ نظرتُ في عينيكِ وتركتُ وميضَ النّورِ يتجمّعُ هناك؟
هناك في الرّكنِ البعيد، الّذي سيحضرُ يوماً ما..وتسحبهُ العواصفُ إلى حيثُ يرقد رمادُنا المحترق؟!

الشّمسُ تستعيرُ وهج شروقها من بريق عينيكِ..
انتظريني..
سأعودقبل الغيابِ!

أنا هو ذلك المكتوبُ على الرُّقم..
أعلنُ البدءَ من سوريّة امتداداً لضوء الشّمس الّذي حاولَ الجرادُ المحتلُّ قضمَه..

لقد رأيتُ أشباحَ جثثكم الرّابضةِ على صدرِ الطّفولةِ تنتهكُ حرمةَ الشّعور لأُخلقَ طفلاً، لاتنبتُ في جوارحه حدائقُ لفيروزَ..
طفلا يركضُ في شوارع نابلس والجليل وعكّا محاولاً أن يقيَ جلدَه من طعناتِ الرّصاصِ، وألفُ حجرٍ تتكسّرُ من ضلوعه لترجمَ الشيطانَ في عيونكم..

هل يعرفُ العربُ أنّني أولدُ لأقطفَ الشّمس فاكهةً، وأعيدَ زرْعَ الزّيتونِ والبرتقال فيت جارة جدّي منذ الأزلِ؟

العرقُ يسري في دمائي وانتمائي إلى جسدٍ سوريّ الهويّة !

جدّتي الّتي تطبخُ الخبّيزة والمفتول واللّوفُ، تعجنُ رغيفَ الصّبر مع أغنية:
(يا فجر لمّا تطلّ..
ملوّن بلون الفلّ..
صحّي عيون الناس…
محبوب يقبل الكلّ)

انتظريني..
سأعودُ بتغريدة الأطفالِ.
سنشعلُ شموعَ القدّاس..
وننصتُ للأذانِ المباركِ في الأقصى
سيصغي الوردُ والعطرُ..
وسترقصُ النّجومُ ويتذكّر العالم كلّه قمرَنابلس!
لاتحزني يا أمّي ،عبارةٌ وحيدةٌ لجنينٍ بقيَ على عهدِ الجنّة،
كتبها ومضى كسربِ عصافيرَ!

دعيني ألملمُ وجعَ الكروم
واسكبُ كأسَ الشّوقِ هناك في أقاصي زمنِ جدّتي القديم ..
أحبّكم جميعاً..
لا أريدُ لقلوبكم أن تحزنَ..

السّهراتُ على سطح المبنى مع الرفاقِ،والحكاياتُ والإرادة القويّة بحياةٍ كريمة ..

عامر:إنهم يتسرّبون كالرّصاصةِ في حلقوم الحياة !
سأحبّ ياصديقي.. لكن ليس كما يحبّ الشّعراءُ.
سأحبّ لأكونَ كلمةً تروي عمقَ هذا التّرابِ المقدّسِ..

غيث:صُوَرُ الرّفاقِ الّذين قضَوا لاتفارقني..
البارحة قرأتُ الفاتحةَ على أرواحِهم كما وعدتُهم أن أقرأها كلّ يومٍ..
عاهدتُهم أن أكونَ في عقدِ اللؤلؤ الّذي يفتحُ شبابيكَ النّور للمدنِ،ويمنحُ الجداولَ بركةَ بساتين اللّوز والبرتقالِ والزّيتونِ والتّينِ..

كيف أسمحُ لهم بتدنيسِ أرضِ الأنبياء!

سيغنّون لنا (وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان)..
ستحزنُ أمّي..
ولكنّي سأكتبُ لها الرّسائل..
ستفتقدني أختي الحنونةُ..
ولكنّها ستفهمُ أنّي لأجلها، سأكون أخاً نبيلاً ترفع رأسها بهِ..
فلنكنْنحن النّهجَ المقاومَ يارفاق ،
فأقصى الحبّ أن ندافعَ عن اقصانا الّذي ينقضُّ عليهِ الغربُ بكتابة التّاريخِ نفاقاً وزوراً!

الرّسالة الأخيرة:لاتبكوني.
لا أريد أن يحزنَ أحدٌ بسببي
ولا أريدُ أن أحزن بسبب حزنكم..
ادفنوني هناك.. حيثُ يمشي الأطفالُ على العشبِ.. ويغنّون!..
غناؤهم صلواتٌ مقدّسة..
يرتّلونها فوقَ هيكليَ المتبقّي..
يوماً ما ستصلُ الرسالةُ إلى مهد طفلٍ يؤذّنُ للعالمِ كلّه بالصّراخ.. لينتفضَ من رقاده ويهرولَ لعناقِ جراحاتِ المظلومين في العالمِ كلهِ..
ويصيح: حيّ على العدلِ..
حيَّ على السّلام..
حيَّ على طمأنينةِ الطفل وتغريداتهِ..
في زمنٍ أوحى للطيورِ أن تنبشَ عشّاً دافئاً من بين أنيابِ الغطرسةِ والتكبّر والجهل والغرور!

تحت المخدة إسوارةٌ..
أهدتني إيّاها صبيةٌ لن أبوحَ باسمها ..
صونوها إلى الأبد..
فهي غاليةٌ كروحِ مريمَ..
لا تحفظها إلّا قلوبُ الشّهداء!

سأعود 2
طفولةٌمُشرقة 8
مخادعون 13
تيباريوس -١٩٨٠ 16
ساهروأمه 22
ذكرياتُشاعرٍ 29
وجهتيالوحيدة 33
عناقيدُالمجرّة 37
التّقويمالجديد 42
القطافُالكبير 48
طفلُالجليل 50
شهيدُالقدس 54
الوصيّة 56
أشرف 64
تعويذةُالحبّ 70
صهاينة 75
دمعُالزّمان 78
ساندويشة 83
فيالجهةالثّانيةمنضفّةالعبور 86
عزيمةُغداء 90
قمرنابلس 95

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

إطلالة كاشفة في رواية “حارس الفنار” للرّوائي: نافذ الرّفاعي

بقلم: نزهة أبو غوش صدرت رواية “حارس الفنار” للرّوائي نافذ الرّفاعي، الصّادرة عن مكتبة: (كل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *