نهر سحريّ

أديب كمال الدين
1.
كنتُ أسيرُ على شاطئه حَذِراً
كي لا أغرق.
في الحقيقة،
أنا غرقتُ فيه أكثر مِن مَرّة.
فانتَشَلَني حبّي السّحريّ لمنظرِ السّمك
وهو يلبطُ في ماءِ النّهرِ الشفّاف،
كما انتَشَلَتني بقايا مخلوقاتٍ آدميّة.
لابدَّ أن أعترفَ:
كانَ هناك بعض المخلوقاتِ الآدميّة
قربَ هذا النّهر السّحريّ
لكنَّ هذه المخلوقات قد تبخّرتْ
أو انتحرتْ أو احترقتْ
في الحروبِ التي حاصرت النّهر،
في الحرائقِ الهائلةِ التي أعقبتْ هذه الحروب،
في أعمالِ السلبِ والنهبِ المُذهلة
التي أعقبت الحرائق
وشاركَ فيها الجميعُ بسعادةٍ لا تُوصَف.
2.
كنتُ أسيرُ على شاطئه حَذِراً
فقد قيلَ إنَّ هذا النّهر يفيض.
لكنّني لم أره يفيض أبداً
بل رأيتُ أضواءَ الحانات
تعكسُ مراراتها على مائه الليليّ
ورأيتُ الكثيرَ مِمّن يشربُ الخَمْرةَ الرخيصة
يجلسُ على شاطئه كي يهذي أو يبكي
أو يغفو شبهَ ميّت.
كما رأيتُ الجسر
يتركُ مكانَه فوقَ النّهر
أكثر من مرّة
ليضيع.
هذه ليستْ نُكْتة أبداً
فالجسرُ خشبيّاً كان،
وكانَ يشعرُ بالحزنِ وبالملل
وبالرغبةِ العارمةِ في الانتحار
فيتركُ قدميه اللتين أكلهما الماء
ليسبحَ بعيداً بعيداً.
ولأنّه لا يعرفُ الغوص
لذا يُعادُ إلى موضعه بعدَ حينٍ
من الضحكِ الجُنونيّ.
3.
ورغمَ هذا الضحك الجُنونيّ،
بقيتُ أسيرُ على شاطئه حَذِراً
فقد كانَ النّهرُ يمرُّ قربَ المحكمة
وقربَ السّجن،
وقربَ بيتِ قائد الجيش،
ومدير الشّرطة،
ورئيس نقابة المُشعوذين واللصوصِ والمُهرّجين،
ورئيس جمعية الشّعراء الطبّالين والمُتكسّبين،
ورئيس نادي كمال الأجسامِ والأحلامِ والأوهام،
ورئيس نقابة أصحابِ الفنادقِ الرثّة
والسّينماتِ التي تفوحُ منها رائحةُ المراحيض
على الجمهورِ الضاحكِ السّعيد.
4.
الآن
بعدَ نصف قرنٍ مِن الوهم
لم أزلْ أتذكّر النّهر،
النّهر الذي وردَ اسمُه في كتبِ الخرائطِ الوهميّة
والاتفاقيّاتِ الوهميّة
وقصصِ الملوكِ القتلى الواحد بعد الآخر.
أتذكّرُ جيّداً
أنّني كنتُ أمرُّ عليه صباحاً ومساء
لكنَّني لا أتذكّر أينَ كنتُ أقف
مُتأمّلاً هذا المشهد المُضحك حدّ البكاء
والمُبكي حدّ الضحك.
بعضهم يحاولُ عَبَثاً
أن يذكّرني بالمكانِ أو بالزمان
لكنَّني لا أستطيعُ بالطبعِ أن أثقَ به،
لا أستطيع أن أثقَ به على الإطلاق،
ذلك أنّني قد غرقتُ في ذلك النّهر،
غرقتُ منذ زمنٍ طويل،
غرقتُ وشبعتُ غرقاً
رغم أنّني كنتُ أسيرُ على شاطئه
بمنتهى الحَذَر،
ومنتهى الانتباه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى