مقال

امرأة تلد وهي ميتة

بقلم: خالد رمضان
في زمن اللامعجزات، حيث تندحر الأخلاقيات، وباتت غريبة بين أهليها وذويها، وكأنك تنظر من ثقب إبرة فلا ترى إلا ضلالا وفسادا ، ونفاقا وافتراء، وبرغم ذلك الظلام الدامس الذي منعنا رؤية الخيرات والبركات، لازال هناك بصيص من الأمل يحدونا إلى كل خير، ويسوقنا إلى كل بر، فإنا وإن انتهى زمن المعجزات بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن باب المكرمات مازال مفتوحا على مصراعيه يختص الله تعالى به من يشاء من عباده، ويبدو ذلك جليا في تلك القصة التي يرويها الشيخ صالح المغامسي إمام مسجد قباء بالمدينة المنورة، حيث يقول: دخل رجل وابنه على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان الولد شديد الشبه بأبيه حتى أنه قال: ما أشبه أحد أحدا إلا كما أشبه الغراب بالغراب، والعرب تستعمل ذلك التشبيه حينما يقوى وجه الشبه بين الطرفين .
قال الرجل: أتعجب من ذلك يا أمير المؤمنين؟! فكيف إذا عرفت أن أمه ولدته وهي ميتة؟
فانتبه عمر للرجل، وكان محبا لسماع الأخبار، فقال الرجل: أزمعت على الرحيل وكانت زوجتي حاملا، فتعلقت بي حتى باب الدار، وقالت لي: أتتركني وأنا حامل وليس لي سواك؟
فوضعت يدي على بطنها وقلت: اللهم إني أستودعك غلامي هذا، ثم انصرفت، وقضيت ما شاء الله لي أن أقضي، فلما عدت قال لي أهلي: لقد ماتت زوجتك، وعزوني فيها، ثم أعدوا لي طعاما، فترحمت عليها ودعوت الله لها، وبعد العشاء رأيت دخانا يخرج من قبرها فقلت: ما هذا؟!
قالوا: مذ دفناها وكل يوم يخرج هذا الدخان من قبرها، كيف كان حالها؟
وكأنهم يعرّضون بسوء خلقها، فقلت: لا والله كانت صالحة تقر المعروف، وتنكر المنكر وما علمت عليها إلا خيرا، ثم ذهبت لقبرها وذهبوا معي، وأخذت أحفر حتى وجدتها ميتة والولد تحت قدميها يبكي، ثم سمعت مناديا ينادي يامن استودعت الله أمانة تعال فاسترد أمانتك.
يعلق أحد العلماء على هذه القصة فيقول: ولو قال حين توديعها:وأستودعك زوجتي هذه لوجدها حية لم تمت. هذا هو اليقين وحسن التوكل على الله.
إن الثقة بالله، والصلة بحبله المتين تعد أقوى الأواصر والروابط التي لا تعدلها قوة، قال تعالى : ” ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره”
إننا حين نسمع تلك القصص لا يجدر بنا أن نمصمص الشفاة، أو نضرب كفا على كف، بل لنتعلم منها، ولنوقن أن الله تعالى ما كان ليتركك وأنت العبد الضعيف تجرجر ذيول الندامة والحسرة فهو أقرب إليك من حبل الوريد.
من الذي نجا موسى وهو بين شقي الرحى، فكان البحر من أمامه وجيش الفراعنة من خلفه؟ ومن الذي أحيا يونس بعد أن انقطعت عنه أسباب الحياة؟ ومن الذي صرف العتاة المتجبرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أيدي المشركين؟ومن الذي جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم؟ومن الذي ألف بين قلوب المسلمين بعد أن كانوا أعداء متحاربين؟أعجزنا أن نكون كامرأة تلقي بابنها في خضم المياة وهو لا يزال طفلا صغير لا يحسن إلا التقاط ثدييها؟ألا تستطيع أن تكون كامرأة ٱمنت وهي تحت أعتى إنسان في زمانه؟ فلا خافت بطشه، ولا خشيت مكره. أأنت أضعف من امرأة تركها زوجها وسط الفيافي ومعها ابنها الرضيع لا مأوى ولا مثوى لهم في هذه البيد القاحلة؟ ألا يوجد لدينا شئ مما أوتيته أمنا خديجة رضي الله عنها حين قالت لزوجها المفزوع: والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتقري الضيف، وتنصر الضعيف، وتعين على نوائب الدهر.
والله ما كانت هذه النماذج لتمر مرور الكرام دون أن نأخذ منها العبرة والعظة.
يقول تعالى في الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني .
فلنحسن الظن بالله، ولنلجأ إليه حتى تكون لنا النجاة في الدنيا والآخرة.
يا واحدًا ماله في ملكه ثان
يا من إذا قلت يا مولاي لباني
أنساك تذكرني في كل نائبة
فكيف أنساك يا من لست تنساني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى