
بقلم: سالم بن محمد بن أحمد العبري
ربما تأخرت هذه الزيارة عاما ونيفا حين كنت أنوي زيارته كواجب و لازم و لأهديه نسخة من كتاب (أريج النيل)؛ لكن طبيعة حالته الصحية والوقت الملائم لزيارته لم أكن لأعرف؛ هل هو ضحى أو عصرا، كما كان الأخ الدكتور الشيخ عبدالملك الهنائي يقترح لنزوره معا، لكن حالته الصحية المرعية والارتباطات المتعددة، قد تكون سببا مشتتا، وحين نلتقي بحفلات عقد القران كما حدث عندما التقينا غداة عقد قران أبناء الأخ الدكتور خالد بن سالم السعيدي وأتي الشيخ الكبير وفاء وتكريما و عانقناه عناقًا قد يصدق عليه قول الشاعر:
وقد يجمع الله الشتتين بعدما
يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
وإن كانت حاله معي أبعد عن هذا الوصف فإن التعلق به يجسد ذلك الشعور، لقد جمعتنا القاهرة على مدى عقد ونصف، و ألَّفنا الآباءُ انتسابا و امتزاجا و تماثلا وحبا، وربطنا ذلك العطاء وتلك المودة التى طوقتنا بها والدته الكريمة التى صارت تمثل بل تخلُف جدتها الوالدة شنانة بنت محسن العبري، وكان ذلك الاشتياق الذى قد لا يماثله وجد الأقرب نسبا، و لا غرو فهي توجت بأن تكون أمًّا ومرجعا لكلا العائلتين؛ منهم و منَّا، حيث كانت لنا أمًّا بالقاهرة حين سكنوا بالزمالك بالشقة التى كان يقطن بها شقيقها الشيخ طالب، ثم انتقلوا بالسكن بعمارة الأوقاف الجديدة بالدقي عند فرع الصيدناوي، فكنا نذهب إليهم كما يذهب الحاج قاصدًا ماء زمزم ليرتوي منها.

كنت قد حجزت للشيخ محمود نسخة من (أريج النيل) بالقلب والمكان، ولكن كلما قدرت أن أزوره لنلتقي فنؤجل اللقاء قليلا، وقد التقينا ليس ببعيد وذلك حين دعانا المهندس على المحروقي لعقد قرآن ابنه (فهد) فأتي الشيخ يستطيع كرسيه فهب كل الحضور للتسليم ومتى يفسح لي أن أقابل وجهه فيشرفنا بشرا وسعدا ويقول (أبا أحمد) وكأنه يتذكر حين قضينا معا وقتا سعيدا بالإسكندرية في أغسطس 1985، و إذا هو يحمل ابني أحمد و هو في الشهر السادس من عمره.

الشيخ محمود الهنائي يحمل الطفل أحمد بن سالم بن محمد العبري في الإسكندرية 1985م
وربما حين احتضن أريج النيل يقلب صفحاته وكانت الصور المتضمنة بالكتاب أول ما لفت نظره بالموضوعات ويردد توثيق. توثيق. قد يكون يبحث عن تلك الصورة التى ننشرها مع هذه الصفحات، ثم عرج على الصفحات الأولى؛ الأهداء والتقديم وكلمة الشيخ هلال السيابي وصورة الشيخ صقر بن سلطان القاسمي و قصيدته، و كان قد شده بيت الشيخ صقر
فامضي يا سالم لقينا غدا
في عمان تحت ظل السلام
والتى أشرت إليه في مقدمتي للإصدار ،استغرقته الصفحات والساعة قد تقترب من الخامسة واقتربت صلاة المغرب وكانت نيتنا أن نبقي ساعة واحدة حتى لا نثقل عليه, ثم لاحظت ابنةُ الإمام غالب أنني لم أنتبه للقهوة حتى بردت. فأطلَّت عليه بلطف قائلة له الكتاب لك اتركه وستعود إليه لاحقا .. خذوا القهوة حتى لا يقوموا على عجل، وكان يقول لي: اترك الكتاب معي قلت له هذا لك،
كانت زوجتي أم أحمد تود تعزية ابنة الإمام في وفاة خالها الشيخ جابر بن خالد بن هلال الهنائي حيث لم تجدها في العزاء بالغافات، و مثلها أنا لم أجد الشيخ بالسبلة. فتلاقت النوايا و هُيئت الفرصة، و كان اللقاء كأنه يعوض عن البعد غير اللازم و حتما غير مرغوب فحين نستعجل اللقاء نلتقي بالمجالس فقد أكرمنا بحضوره للتعزية في وفاة الأخ مهنا بن ناصر بن سالم بن بدر العبري، متغلبا على كل الأعذار الحقة فنراه يبزغ هلالا وقمرا في باب سبلة طوي سليم ونتسابق لاحتضانه، و لا نكاد ننهض للخروج حين انتبهت إلى ضرورة أن نوثق اللقاء بصورة؛ فقلت لابني أحمد خذ لنا صورة ثم أردفت وصورة وهو بيده أريج النيل، ثم انتبهت ثانية أن الصور لم يكن أحمد بها لأنه هو المصوِّر فقلت له خذ صورة بوجودك فدعا أخته أم فهم فتركت ركن النساء الذى تشاركنا به أمها و خالتها ابنة الإمام زوجة الشيخ، وجاءت لأخذ الصورة الثالثة ثم حضنت الشيخ مودعا لأخرج مسرعا حتى لا يعزم على مصاحبتنا للباب، وإذا به يستقوي بالكرسي فيلحق بنا مع الدرج مسلما ومودعا وكأنه لم يبلغ من العمر عتيا.




