قراءة في مجموعة “إسفلت ناعم ” لـ ” سمير بية “

لامعة المحمد العقربي | شاعرة وناقدة تونسية

سعدت بحضور حفل توقيع المجموعة القصصية “اسفلت ناعم ” للقاص التونسي سمير بية عبر المنبر الإبداعي منصة المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح الذي يديره صديقنا السينمائي اليمني حميد عقبي من باريس وبحضور القاص ونخبة من النقاد العرب (الناقد مراد ساسي، الأديب صبري يوسف، الروائي عماد البليك، القاصة عواطف المحجوب والشاعر الفنان زكريا شيخ أحمد الذي عطر أمسيتنا بمقطوعات موسيقية وإدارة الصديق عقبي ـ رئيس المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح وستجدون تسجيلا كاملا على قناة يوتيوب المنتدى وإليكم ورقتي التي ناقشتها في أمسية ناجحة ومهمة.
القصة القصيرة أو الأقصوصة بوصفها فنّ سردي له قواعده ومميزاته فهي كما نعلم نسق منغلق نسبيا يشمل عدة مقومات أساسية لبناء العمل القصصي، بداية ونهاية، لعل أهم هذه الأسس نذكر وقوف المدارس أو القارئ الوظيفي، النموذجي، على صور بنائها من وحدة الأثر والإنطباع إلى لحظة الأزمة واتساع التصميم ويشمل كذلك هذا المسح النظري بناء الشخصية والتصميم الداخلي للحدث أو الموقف وسيرورة الزمن وهوية المكان ويطول ذلك أيضاً منطق الحكاية الداخلي ومنطق ترتيب الأحداث حسب ما يوليه السارد من أهمية ومن تقديم و تأخير، كما لا يجب أن نغفل عن عنصر مهم في هذا التكوين القصصي ألا وهو الإهتمام البليغ بالنهاية أو القفلة التي هي بؤرة العمل الأقصوصة.
من المتعارف عليه أن كل أو معظم العناصر الأقصوصية تأتلف وظيفيا من أجل صياغة النهاية على وجهٍ تستعيض منه عن افتقار الذروة أو غيابها أحيانًا.
قرأت المجموعة القصصية ” إسفلت ناعم” للكاتب التونسي سمير بية والمتكونة من إحدى وثلاثين قصة متوسطة الطول إلى الموجزة أحيانًا وفيها حاولت الوقوف أو تسليط الضوء على ما تقوم عليه من تركيز بالإشارة واقتصاد في العبارة والذي من شأنه أن يعطي النص القصصي وهجًا شعريًا أو شاعريًا إن صحت العبارة.
وفي القصص صبغة نثرية طبعها الوصف المكثف والتقرير الموجز في عدة قصص سنأتي على ذكرها تباعًا معتمدين في ذلك جانبي الحكاية و الخطاب.
نلاحظ بداية و نحن نلج عوالم قصص إسفلت ناعم أن الحكاية قائمة على الوحدة ونلمح ذلك جليًا في قصته الأولى ” سقوط كلب” التي ولد فيها الكاتب مفهوم الشخصية مختزلا إياه في هذا الكلب الذي جعله محور القول القصصي فنجد فيها السعي لإختزال بقية الشخصيات اختزالا كأنها تميل إلى التفرد والوحدة مثله في ذلك كمثل المسرح الكلاسيكي وهو ما ينطبق على الحدث في هذه القصة أيضا فهو وإن تناسل يبقى في إطار وحدة الحدث.
يمكن الحديث إذا عن حكاية موحدة ينشأ عنها حدث موحد واختصار الحدث والشخصية مرتبط بزمن موحد وإن تشعب.
منطق الحكاية في إسفلت ناعم عموما، لا يشابه منطق الرواية فهناك في القصة القصيرة تواتر وليس ذروة مثال قصة” واجهة وروح” التي جسد فيها تجربة كتابة قصة وجودية فيها الحوارية الذاتية وذلك العود على البدء في الحبكة، أي ربط البداية بالنهاية غير المتوقعة فهو يبني قصة ليفاجئ القارئ في نهايتها أن البطل لم يخرج حتى لتلك الشوارع وكل ما كان هو من نسيج خيال يشاكل الواقع ويوهم بحقيقة ما يحدث، هذا التوتر يحيل على منبع في النهاية ومنطق ترتيب الأحداث يتغير من قصة لأخرى…
منطق الخطاب في المجموعة عامة، يمكن الملاحظة من خلال الأثر أن لغة أغلب القصص وردت ايحائية موجزة فيها من الشعرية المعبرة عن المكان وقصر الزمان وهي لغة متوهجة التكثيف تقوم على إيقاع السرد، فقصة “بنك” مثلا والتي يعيد فيها الكاتب ذكر أعلام تاريخية كالرازي، وابن سينا وابن الجزار ويذكر في احالته على الزمن قائلا: “طيلة أربعة سنوات” وهو اختصار لمدة طويلة من الزمن في حيز قصصي قصير وموجز…
وحدة الأثر والإنطباع في إسفلت ناعم :
في قصة “الفأر المثقف” والتي اعتمد فيها الكاتب أماكن مرجعية كنهج الدباغين في تونس وغيرها من المعالم المبثوثة في قصص عدة من المجموعة، يكثف الكاتب اللغة لتخدم عنصر التركيز في القص وتنحصر زاوية الرؤيا في عنصر واحدٍ أوحد يعرفه “إدغار ألان بو” بما معناه أن الإنطباع و وحدة الأثر تقوم على النص القصصي المكثف و أن كل ما فاض عن النص زائد وقد يخرج عنه ووحدة الإنطباع تتحقق من خلال وحدة التناقض والمتنافر فأن يكون الفأر مثقفا لإشتراك صفة قرض الكتب مع القارئ فذلك من باب السخرية أو الباروديا التي توقظ في القارئ حيرة السؤال فوحدة الإنطباع تتعلق بما سماه “جويس” وحدة التقبيل فالإنطباعات على “إسفلت ناعم” مختلفة باختلاف القراءات وهذا يعود لقدرة المتقبل على اعتماد بُنى النص العميقة والسطحية الدلالية واللغوية لسبر أغوار المعنى فيها.
لحظة الأزمة:
ركز سمير بية في قصصه على لحظة الأزمة والتي قامت على الكشف والإكتشاف والإستكشاف بين القاص والقارئ سماها” جويس” بالإشراقات ففي قصة”الكتب الناسفة” التي تناول فيها وضع القارئ وما آلت إليه القراءة في الوطن العربي فأن تحمل كتابا هي تهمة خطيرة ولعل هذا التأويل الذي أسندته للقصة غير الذي قد يراه قارئ أخر..
وتجدر هنا الإشارة إلى أن لحظة الأزمة قد تطول وقد تقصر من أقصوصة لأخرى في هذه المجموعة التي بين أيدينا، كما ليس بالضرورة أن تكون الشخصية على وعي بلحظة الأزمة طولا وقصرا كما هو في قصة” كورونا وصديقها الرئيس / كمامة إجبارية / تفاهة… وغيرها من القصص التي تركت القارئ الواعي بتلك اللحظة، القارئ الوظيفي الذي يعي ما فيها من توتر ونقد لاذع..
التصميم:
ثمة دائما مصمم ورسم تصميمي للحدث القصصي ومخطط مرتبط بأربعة عناصر هي الشخصية، الحبكة، الحدث، الزمن الذي هو أزمنة.
مثال ذلك في قصة “سندويتش أعدته زوجتي” فيها الخطاب على الخطاب الكاتب يتحدث عن القارئ وسط الحكاية فهي سيرورة حدث سفر الزوج في لحظة زمنية واحدة وإن تشعبت.
الزمن القصصي في إسفلت ناعم توزع على:
ـ زمن الحبكة: هي النسق الذي رتب به الكاتب الحكاية أو القصة.
ـ زمن الحكاية: هي جملة الجزيئات المبنى قصصيًا وسببيًا.
ـ زمن القراءة: وهو زمن خارجي يكون خارج النص.
ـ زمن العمل القصصي: وهو زمن خارجي أيضا تاريخي ومرجعي.
عموماً يمكن القول أننا أمام أزمنة بعضها داخلي تقني فني لغوي وبعضها الأخر خارجي تاريخي متعلق بالذات والمؤلف ومرجعه الواقعي. المجموعة فيها عدة جوانب تستحق القراءة والنظر والتأويل وزاد معرفي أدبي جديد ينضاف للمكتبة التونسية خاصة والعربية عامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى