أدب

عدتُ بعد ألف عام من النورسة

(قصة قصيرة)

بقلم: حنان بدران

لم يعرفني أحد.
كنتُ أحوم مثل شبحٍ على تخوم الصمت، أمدّ يدي للمصافحة، فتخترقني الأكفّ بدفئها كأنني هواء. وحدها تلك الطفلة التي في داخلي رأتني، عند ساحل النجوم. أخفت وجهها بمنديلٍ من غيوم، فظنّ الناس أن شلالًا هبط فجأة في ليلة صيف.
في تلك الليلة، غصتُ في البكاء حتى قاع عظامي. ناديتُ أحبّتي الموتى بحبال صوتي المقطوعة، فردّوا عليّ بأصواتهم اليانعة. وحدهم أصدقائي الأحياء أجابوا… بأصوات ميتة.
بحثتُ عن باب بيتي المحترق فلم أجده.
وجدتُ فقط كومة مفاتيح صدئة. علّقتها على حائط الأطلال، كي لا تنسى الذاكرة ما فُقد. كان أنين الغبار يترنّح فوق جثث المقاعد الخشبية، حيث كان الزمن يمشي منحنياً، متكئًا على منسأةٍ شهدت ليلة الفراق.
في الركن، كانت الأرملة السوداء ما تزال تحيك شبكتها. بين طلقةٍ وشظية، تهرول على سيقانها الدقيقة نحو آخر المقبرة. وفي الركن المقابل، كان الموت يواصل حبك مؤامرته على الأرواح العابرة:
أشلاء تتساقط،
رؤوسٌ معلّقة على أغصانٍ حديدية،
هديل حمامٍ باكٍ في الفراغ،
أطفالٌ جياع في العراء،
وخيامٌ تعبث بها الريح.
زمنٌ ساخرٌ منّا جميعًا.
زمنٌ يجوع فيه الرجل، فيأكل من ثدييه، ويرقص الليل بوحشية، فيما الجميع يلتحفون الرايات، مخدَّرين، يصفّقون. وإذا سألتِ أحدهم: لمن؟ ولماذا؟
لا يعرف.
نصبوا لنا خيمةً من كلماتٍ مهترئة، وسمّوا التناحر سوء تفاهم. أعادوا الغيم إلى صيفٍ هادئ، بينما كنتُ أراهم يشنقون شواطئ البحر، ويضيقون الخناق، ليضعونا في مصيدةٍ من اللغة.
خلعنا جلودنا، هربًا إلى فضاء الله الواسع. ركضنا في عراء الأنواء، ننتحب لأننا طالبنا بالحرية والوطن معًا.
وحين لوّحت لنا مقصلة السؤال،
توقّفنا جميعًا.
كيف؟
بقلم
حنان بدران

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى