متتالية: خرائط العتمة الداخلية

هدى حجاجي | القاهرة
I — نحن لا نُجيد البوح
نحن لا نُجيد البوح،
لأنّ اللغة
تصل إلينا محمولةً
على نقالةٍ مثقوبة.
الكلمات
حين تخرج
تنفصل عن أفواهنا،
تتجوّل قليلًا،
ثم تعود
بملامح لا نعرفها.
في الحلق
ممرّاتٌ بلا مخارج،
نترك فيها أصواتنا
لتكبر وحدها
وتنسى أسماءنا.
II — فم الصمت
للصمت فمٌ
لا يُغلق.
نضع فيه أسئلتنا
فيبتسم،
نضع فيه أسماءنا
فيبتلعها.
حين نتكلّم
ينطق هو بدلًا عنّا،
فنسمع الصدى
ونصدّقه.
III — الوجوه التي لا تنام
نخلع وجوهنا
عند عتبة النهار،
ونعلّقها
على شماعات الضوء.
تتبادل الوجوه
الأدوار،
تضحك نيابةً عنّا،
وتحزن بالقدر المسموح.
أما نحن
فننام بلا ملامح،
كأجسادٍ
نسيت أن تحلم.
IV — خراب صالح للحياة
ما في الداخل
ليس حزنًا،
بل نظامًا دقيقًا
للانهيار المؤجّل.
خرابٌ يعرف
متى يصمت،
متى يبتسم،
ومتى يتظاهر
أنه شُفي.
نحن لا نُجيد البوح،
لأنّ الكلام
قد يُربك هذا التوازن،
وقد نسقط
خارج أنفسنا.
V — هلوسة الدليل الأخير
في الليل
تتبدّل أماكن الأشياء.
القلوب
تصعد إلى السقف،
وتتدلّى
كمصابيح محترقة.
الأفواه
تنسى وظيفتها،
تفتح وتغلق
دون صوت،
كأسماكٍ
خرجت من الحلم.
أرى نفسي
أخرج من جسدي،
أجلس أمامي،
وأسألني:
— هل قلتَ ما يكفي؟
أهزّ رأسي،
فتسقط الكلمات
من عينيّ،
وتتحوّل
إلى غبار.
اللغة
تذوب في الزوايا،
والصمت
يرتدي اسمي
ويمشي.
هنا،
لا يعود للبوح معنى،
ولا للصمت شكل.
هنا فقط
نفهم:
أننا كنّا الصوت،
وأن الفم
كان الحلم.




