
أ. سعيد مالك | معلم لغة عربية
في عالمٍ يتسارع فيه الإيقاع، لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة اتصال، بل غدا عالمًا كاملًا يسكن الجيوب، ويستولي على العقول، ويعيد تشكيل أنماط التفكير والسلوك، خصوصًا لدى الطلاب والطالبات. لقد تحوّل الهاتف من أداة مساعدة إلى منافس خطير للتعليم، ومن نافذة معرفة إلى باب تشتت، حتى بات السؤال الملحّ في البيوت والمدارس: كيف نُقلّل استخدام الطلاب للهواتف دون كسر نفوسهم أو إشعال تمردهم؟
إن الحل لا يكمن في المنع القسري، بل في الحكمة التربوية التي تجمع بين الفهم، والتدرج، وبناء الوعي، وهو ما أكدته الشريعة الإسلامية، وعضدته نظريات التربية الحديثة. وفيما يلي سبع طرق تربوية مؤصَّلة تقلل من استخدام الهواتف المحمولة لدى الطلاب بأسلوب عميق ومستدام.
أولًا: بناء الوعي قبل فرض القوانين
الوعي هو الأساس الأول لأي تغيير حقيقي. فالمراهق إذا فَهِم، اقتنع، وإذا اقتنع التزم. وقد أشار الإمام الغزالي إلى هذا المعنى بقوله:
«العلم قبل العمل، فمن عمل بلا علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه».
حين نُبيّن للطلاب أثر الهاتف على التركيز، والذاكرة، وجودة النوم، والإنجاز الدراسي، ونربط ذلك بتجارب واقعية وأمثلة قريبة من حياتهم، نزرع في داخلهم رقابة ذاتية، وهي أسمى درجات الانضباط. وتؤكد الدراسات التربوية الحديثة أن الطالب الذي يدرك سبب القاعدة يلتزم بها أكثر من الطالب الذي تُفرض عليه فرضًا.
ثانيًا: تحويل الصف إلى مساحة حياة لا مساحة تلقين
يقول عالم التربية الأمريكي جون ديوي:
«إذا علّمنا طلاب اليوم بأدوات الأمس، سرقنا منهم الغد».
إن الملل هو الحليف الأول للهاتف. وكلما كانت الحصة جافة، ازداد التسلل إلى الشاشة. أما حين تتحول الحصة إلى تجربة تفاعلية، قائمة على الحوار، والتجريب، والتفكير، والعمل الجماعي، فإن الهاتف يفقد جاذبيته تلقائيًا. التعليم الحيّ هو أقوى وسيلة غير مباشرة للحد من استخدام الهاتف.
ثالثًا: تنظيم الاستخدام بدل مصادرته
الإسلام دين الوسطية، وقد قال الله تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].
والوسطية هنا تعني أن لا إفراط ولا تفريط. فبدل المصادرة الكاملة، يتم الاتفاق مع الطلاب على أوقات محددة لاستخدام الهاتف، وأخرى يُمنع فيها منعًا تامًا، خاصة أثناء الحصص والمذاكرة. هذا الأسلوب يعلّم الطالب مهارة إدارة الوقت، ويُشعره بالاحترام والمشاركة في القرار، مما يقلل من الرغبة في المخالفة.
رابعًا: ملء الفراغ بأنشطة تُشبع الروح
يقول ابن القيم رحمه الله:
«النفس إن لم تُشغل بالحق شغلتك بالباطل».
كثير من التعلق بالهاتف سببه الفراغ النفسي لا الزمني فقط. حين تُتاح للطلاب أنشطة رياضية، وفنية، وثقافية، ومسرحية، ومسابقات علمية، فإنهم يجدون ذواتهم خارج الشاشة. الأنشطة اللاصفية ليست ترفًا، بل ضرورة تربوية تقلل الإدمان الرقمي وتبني الشخصية المتوازنة.
خامسًا: القدوة الصامتة أقوى من ألف توجيه
لا يمكن لمعلمٍ يشرح بيدٍ، ويمسك هاتفه بالأخرى، أن يقنع طلابه بترك الهواتف. وقد قال النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
فالطالب يتعلم بالسلوك أكثر مما يتعلم بالكلام. حين يرى المعلم، والإدارة، وولي الأمر، يضعون هواتفهم جانبًا أثناء الحديث أو التعليم، فإن الرسالة تصل دون خطاب. التربية بالقدوة هي أنجح وسائل التقويم السلوكي.
سادسًا: ربط استخدام الهاتف بالمسؤولية والإنجاز
من الخطأ أن يبقى الهاتف مكافأة مجانية بلا مقابل. بل يجب أن يُربط بالإنجاز، وأداء الواجبات، والالتزام السلوكي. وقد أشار عالم النفس بورهوس سكنر إلى أن السلوك الذي يُكافأ يتكرر، والسلوك الذي يُضبط يُعدّل. حين يدرك الطالب أن الهاتف امتياز وليس حقًا مطلقًا، يتعلم الانضباط الذاتي دون صراع.
سابعًا: بناء علاقة إنسانية دافئة مع الطالب
كثير من الطلاب يهربون إلى الهاتف بحثًا عن تقدير مفقود أو اهتمام غائب. وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«من لم يشغل نفسه بالخير شغلته بالشر».
حين يشعر الطالب أن هناك من يسمعه، ويفهمه، ويحترمه، تقل حاجته للهروب إلى العالم الافتراضي. العلاقة الإنسانية الدافئة داخل المدرسة، والاحتواء النفسي، والاهتمام الفردي، هي درع واقٍ من الإدمان الرقمي.
إن تقليل استخدام الهواتف المحمولة لدى الطلاب ليس معركة ضد التكنولوجيا، بل معركة من أجل العقل والوقت والإنسان. الهاتف سيبقى، لكن التحدي الحقيقي هو أن نُربي جيلًا يستخدمه بوعي، لا يُستَخدم من خلاله.
وحين ننتقل من سياسة المنع إلى فلسفة البناء، ومن القهر إلى الإقناع، ومن الرقابة الخارجية إلى الضمير الداخلي، نكون قد نجحنا في تحرير العقول، لا كسرها.
فالطالب الواعي اليوم، هو القائد المتزن غدًا.




