مقال

عندما تُطارد الألقاب العلمية

 أ.د.. حسين عبيد الشمري | جامعة القادسية – العراق.

لا تمثل أزمة فرار الكفاءات من الكليات والجامعات مشكلة فردية أو ظرفية، بل تكشف خللًا بنيويًا عميقًا في أنماط إدارة التعليم العالي، حين تنفصل القيادة الأكاديمية عن جوهر رسالتها المعرفية، وتتحول من إدارة للعلم إلى إدارة للنفوذ. فالمؤسسات الجامعية لا تفقد فاعليتها فجأة، وإنما تتآكل تدريجيًا عندما تُدار بعقل إداري ضيق يفتقر إلى الفهم العميق لطبيعة العمل الأكاديمي، ويعجز عن التمييز بين الأستاذ بوصفه منتجًا للمعرفة ورأس مال فكري، وبين الموظف بوصفه عنصرًا في هيكل بيروقراطي خاضع للمزاج والاصطفاف. في مثل هذه السياقات، تُستبدل المعايير الأكاديمية بمعايير القرب الإداري، وتُعاد صياغة الأولويات لا وفق الحاجة العلمية أو المصلحة التعليمية، بل وفق منطق الولاء والانتماء، فتتحول الكلية إلى فضاء سلطوي يفرغ اللقب العلمي من قيمته الرمزية والمعرفية.

تتجلى هذه الأزمة بوضوح حين تُمارَس الإهانة المؤسسية على الأقسام العلمية، لا عبر خطاب مباشر بالضرورة، بل من خلال قرارات إدارية تحمل في طياتها رسائل إقصاء وعدم ثقة، كأن يُفرض على قسم علمي مقرر للدراسات الأولية من خارج بنيته الأكاديمية، لا استنادًا إلى كفاءة تربوية أو خبرة تخصصية، بل بحكم الانتماء الإداري أو القرب من عمادة الكلية. مثل هذا القرار لا يعبّر عن خلل إجرائي فحسب، بل يكشف تصورًا مشوهًا للحوكمة الأكاديمية، يُقصي الطاقات الشابة داخل القسم، ويعيد إنتاج منطق الامتياز الإداري على حساب الاستحقاق العلمي، فينتقل الإحباط من كونه شعورًا فرديًا إلى كونه حالة مؤسسية عامة.

في هذه البيئة المختلة تتقلص مساحات الحرية الأكاديمية، ويُحاصر الرأي النقدي، وتُغلق قنوات الحوار المؤسسي، فيُدفع الأكفاء إلى الهامش لا بقرارات صريحة، بل عبر سياسات استنزاف صامتة: تهميش في التكليف، تعطيل في التأثير، وتجاهل في صناعة القرار. ويبلغ هذا الخلل ذروته حين تواجه الأقسام أزمات حقيقية تمس وجودها الأكاديمي، مثل ضعف إقبال الطلبة، وهي أزمات لا يمكن معالجتها بإدارة صامتة أو حلول شكلية، بل تتطلب قيادة واعية تعتمد التشخيص العلمي، وتنفتح على النقاش، وتعقد الندوات، وتستثمر خبرات الأساتذة في إنتاج حلول تربوية ومعرفية. غير أن الإدارة الفاشلة تميل، في مثل هذه الحالات، إلى استبدال التفكير الاستراتيجي بإجراءات خدمية سطحية، فتُقدَّم الصيانة والواجهة المادية على حساب إنقاذ القسم، وكأن الجامعة مبنى قبل أن تكون عقلًا، وكأن جودة التعليم مسألة شكلية لا بنيوية.

ضمن هذا الإطار، لا يعود فرار الكفاءة خيارًا فرديًا معزولًا، بل يتحول إلى استجابة عقلانية لمنظومة طاردة، تخشى التفوق لأنه يفضح هشاشتها، وتخاصم الخبرة لأنها تكشف فقرها المعرفي. يغدو الرحيل هنا فعلًا دفاعيًا لحماية الكرامة العلمية، ومحاولة أخيرة لصون اللقب الأكاديمي من الابتذال، لأن البقاء في بيئة تعليمية فاشلة لا يستهلك الفرد وحده، بل يسهم في إفراغ الجامعة من معناها ووظيفتها الحضارية. إن الكليات التي تطرد كفاءاتها، وتهين أقسامها، وتتجاهل أزماتها البنيوية، تحكم على نفسها بالعقم المؤسسي، مهما رفعت من شعارات الجودة والاعتماد، لأنها تستبقي الضعف وتقصي القوة، وتنتج فضاءً أكاديميًا تتكاثر فيه المناصب وتضمر فيه المعرفة.

وحين تغادر الكفاءة، لا تترك وراءها فراغًا إداريًا فحسب، بل تكشف، بصمتها العالي، فشل نمط كامل من إدارة التعليم العالي، لم يدرك أن الجامعة تُبنى بالعقول والمعايير والحوكمة الرشيدة، لا بالقرارات الفردية ولا بالواجهات المادية، وأن اللقب العلمي، حين يُفصل عن قيمته المعرفية، يتحول من علامة استحقاق إلى شاهد على انهيار المنظومة التي منحته.
.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى