أدب

نطفة في الظلام

قصة قصيرة

بقلم: حنان بدران
ذات ليلة، ذات ألم لا يبارحه، تقطعت الحبال، وانهارت الجسور، وتهاوى حلم درج بيتنا العتيق برأسي.
انبلج الصبح الحزين شبه المعتم، وانقبض قلبي فجأة، صحوت على البلاط البارد… كنت ما أزال حيًا.
أتقلب حتى لا أتجمد بردًا، أنتحب شرسًا يفترش صدري. هنا تتعلم أن تنزف بصمت، تتضرج بدمائك، تلعق صوتك المبحوح بعد صراخ طويل، بعد رحلة التعذيب اليومي من الكلاب البوليسية المدربة، ثم تمزقك متلذذة بطعم ما بقي من جلدك.
العصا الكهربائية تأكل من لحمك.
لا هواتف، لا جرائد، لا حياة خارج الجدران.
أستيقظ وفي فمي حفنة من الرمل المالح الدامي، أرسم نهاري ولا أدرك متى كان ليلي.
الفجيعة أنهم يرغموننا على شرب مطر الجنون والنسيان، ونحن الذين تربينا على المجد لوطننا وهويتنا.
وها هم عبثًا يحاولون ترويضنا على الذل…
سنشرب… ولن ننسى.
لن أسمح لطفلي بالنسيان.
كل ما أملك الآن حلم واحد:
أن أرى نطفتي المهربة تكبر في الخارج…
أن أصنع من هذا الظلام حياة صغيرة.
في هذا الصمت، في هذا الليل الذي لم أعد أميز فيه بين ضمادة الظلام وثقل النهار، بدأ الخبر يتسلل…
همس بعيد عبر الشاشات:
قرار الكنيست… الغفير مخوّل بإعدام المعتقلين بلا محاكمة…
لم يكتمل الخبر، لكن الرهبة اكتملت داخلي.
حملته كحجر في صدري.
لا أعرف كيف أنقله… إلى زوجتي، إلى زوجة ابني، إلى حفيدي الذي لم ير والده قط.
كل كلمة زئبق شارد في ليل الوجع،
وصرخة إنذار في ليل السكارى—وما هم بسكارى.
أنا وحدي.
لا أحد أمامي، لا أحد ورائي، لا أحد في هذا القفر.
نقطة داخل دائرة…
شهقة ولادة في قلب الظلام.
في البيت، أسير نحو زوجتي…
كأنها شعرت بالخبر قبل أن يُقال.
إلى يمينها، الزوجة ترتعش.
الطفل يمسح عينيه الزرقاوين… لا يدري، لا يعرف، لكن قلبه الصغير ارتجف.
أضع يدي على قلبي…
نبضة أخيرة لقلب يعرف أن عمره الطويل شهد كل شيء…
إلا أن يرى حفيده يفتقد والده قبل أن يراه.
الطفل يرفع عينيه إلى السماء…
يطلب شيئًا لا يسمعه أحد.
في مكتب مشمس في الكنيست، الغفير يبتسم.
الورقة في يده.
كل شيء صار قانونيًا.
كل شيء مباح.
والصمت—في الزنزانة، في البيت، في قلب الطفل، في قلب الأم، في قلبي—
صار صوتًا واحدًا:
الظلم يقتطع الحياة قبل أن تبدأ.

وسيولد يوم جديد… وجرح جديد…
ظل صغير يرفع عينيه نحو السماء.
سأكتب بحبر الحنان السري…
آه…
ليتني لم أعلم…
لأكف عن الانتظار المحموم…
بقلم حنان بدران

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى