
بقلم: سليمان التمياط
في أمسية من أماسي الحديث مع الوالدين ، تشعّبت الأحاديث.
حكايات من زمن البادية _ بيت المسوبع والنجوم والبرد وما يجيء في الليل .
ومن بين ما جاء في الليل _ الذئب .
ذلك الكائن الذي لم يكن غريباً في حياة أهل البادية . كان حاضراً . كان قريباً وكانت العلاقة معه علاقة عدو يُحترم _ لأن من لا يحترم عدوه يدفع الثمن .
ومن وسط قصة سمعتها _ التقطت مثلاً:
< معض الذيب . >
لحظة توقفت . لأن هذا المثل يحمل شيئاً أكثر مما يبدو .
_________
* نقطة الضعف التي تكون سبب الهلاك*
< معض الذيب > _ عضّة الذئب في مكان بعينه . المكان الذي إذا أصابه لا يُنجو منه صاحبه .
هذا ما يرمز إليه المثل : نقطة الضعف الخفية . ذلك الجانب الهش في الإنسان أو في الموقف _ الذي إذا مُسَّ كان سبب الانهيار .
والمثير أن الثقافة الإنجليزية تملك مثلاً يصف نفس الفكرة تماماً :
«Achilles’ heel» — كعب أخيل.
البطل اليوناني الذي لا يُقهر _ إلا في كعبه . الجزء الوحيد الذي لم يغطّه الحصن الأسطوري حين غمسته أمه في نهر الخلود . وكان كعبه سبب موته.
فكرة واحدة. ثقافتان ؛ طريقان مختلفان تماماً .
________
* البادية جاءت من الأرض — اليونان جاءت من السماء* .
< كعب أخيل > جاء من الأسطورة . من عالم الآلهة والأبطال والخلود. من خيال بشري بنى عوالم فوق العالم .
< معض الذيب > جاء من الأرض . من رجل رأى ذئباً . من تجربة حقيقية في بادية حقيقية في صحراء حقيقية مع خطر حقيقي .
أحدهما بُني من الحلم والآخر بُني من الخوف اليومي .
أحدهما يتحدث عن بطل لا يُقهر إلا في نقطة واحدة والآخر يتحدث عن الإنسان العادي الذي يعرف أن للذئب ضربة بعينها .
لكنهما يصلان إلى نفس الحقيقة: كل شيء فيه نقطة _ إذا أُصيبت ؛ انتهى .
______
* ما يخبرنا به الاختلاف*
حين تُنتج ثقافتان مجازين مختلفين لنفس الفكرة _ الاختلاف بينهما لا يكون عشوائياً .
الاختلاف يكشف من أين تنظر كل ثقافة إلى العالم .
اليونانيون نظروا إلى الهشاشة الإنسانية من خلال البطولة. الإنسان عندهم بطل _ لكن حتى البطل فيه ما يكسره .
أهل البادية نظروا إليها من خلال الطبيعة ؛ الإنسان عندهم مخلوق في مواجهة مخلوق آخر _ وكل واحد يعرف كيف يُؤلم الآخر.
الثقافة اليونانية بنت مجازها من الخيال الكبير والثقافة العربية البدوية بنت مجازها من الملاحظة الدقيقة .
_________________________________
* حديث الوالدين والذاكرة الحية*
< معض الذيب > لم يأتِ من كتاب . لم أجده في معجم . لم أقرأه في مقال .
جاء من حديث _ من أمسية مع والدين يحكيان عن زمن لم أعشه .
وهذا هو الفصل الأعمق في قصة هذا المثل : أن كثيراً من أجمل ما في اللغة العربية لا يسكن في الكتب _ يسكن في الذاكرة الحية للناس .
في الجدات والأجداد. في الأمهات والآباء. في حكايات تُحكى بعد العشاء لمن يصغي .
حين يرحل هؤلاء — يرحل معهم ما لم يُكتب .
ولهذا ” استمع ” فعل لغوي لا يقل أهمية عن ” اقرأ ” .لأن بعض اللغة لا تجدها إلا في الأصوات الحية في وجداننا الحي .



