مقال

الفكر الصهيوني بين جذوره الأوروبية وخصوصيته الاستيطانية

د.نسرين محمود رضوان | القاهرة 
عضو اتحاد كتاب مصر – شعبة الترجمة للطفل
كيف لحركة قومية يهودية أن تنشأ في قلب أوروبا المسيحية، وتتبنى أفكاراً وقيماً أوروبية، ثم تدّعي العودة إلى “أرض الميعاد” وكأنها في قطيعة كاملة مع الغرب؟ هذا السؤال يكشف عن المفارقة الكبرى التي تقوم عليها الحركة الصهيونية. فلطالما روج الخطاب الصهيوني لفكرة “التحرر من الشتات” و”الخروج من أوروبا” والعودة إلى الجذور الشرقية. لكن الحقيقة الأعمق، التي يستعرضها هذا المقال، تشير إلى عكس ذلك تماماً: فالصهيونية لم تكن في قطيعة مع أوروبا، بل كانت تمثل أشد أشكال الاندماج في مشروعها الحضاري والاستعماري.
لقد عاش اليهود في أوروبا لقرون داخل “الجيتوات” المعزولة، لكن التحولات الكبرى التي شهدتها القارة العجوز – من الإصلاح البروتستانتي إلى عصر القوميات والاستعمار – أعادت صياغة العلاقة مع اليهودية، ومهدت الطريق أمام مشروع استيطاني استثنائي. فالإصلاح الديني قلب النظرة المسيحية لليهود وفلسطين، ومجّد العهد القديم وربط عودة اليهود بأرض الميعاد بالخلاص المسيحاني.
والحركة الاستعمارية وجدت في المشروع الصهيوني أداة مثالية لاختراق الشرق الأوسط والسيطرة على مقدراته. والتيارات القومية الأوروبية زودت الصهيونية بأدواتها التنظيمية والأيديولوجية، بما فيها النزعة العنصرية والفوقية. في هذا المقال، سنتعقب الجذور الأوروبية للفكر الصهيوني، ونكشف كيف تشكل هذا المشروع في أحضان القومية الأوروبية والاستعمار الغربي، لنصل إلى خلاصة مفادها: إن الصهيونية، رغم خطابها القومي اليهودي، كانت وما زالت امتداداً عضوياً للمشروع الاستعماري الغربي في المنطقة العربية.
من الجيتو إلى الدولة
عاش اليهود في أوروبا لقرون طويلة في حالة من العزلة داخل “الجيتو” – وهي أحياء مغلقة فرضتها عليهم المجتمعات الأوروبية أو اختاروها طواعية للحفاظ على هويتهم. في هذه التجمعات بالبقاع المنعزلة، تركزت حياتهم حول التجارة وأعمال الربا، والانشغال بالدراسات التلمودية والكابالاه، بينما ظلوا بمعزل عن التيارات السياسية والاجتماعية التي كانت تعصف بالمجتمعات المحيطة بهم؛ لكن التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا، بدءاً من عصر النهضة مروراً بالإصلاح الديني وصولاً إلى عصر القوميات، كانت كفيلة بإعادة صياغة العلاقة بين المسيحية الغربية واليهودية، وتمهيد الطريق لنشأة الحركة الصهيونية.
الإصلاح البروتستانتي: قلب المعادلة الدينية
شكَّل الإصلاح الديني البروتستانتي في القرن السادس عشر نقطة تحول جذرية في النظرة الأوروبية لليهود وفلسطين. فقد مجّد قادة الإصلاح، وعلى رأسهم “مارتن لوثر” و”جون كالفين”، العهد القديم، وربطوا بين يهود أوروبا المعاصرين وبني إسرائيل القدماء، خلافاً للكنيسة الكاثوليكية التي كانت تميز بينهما. كما تحولت فلسطين في الضمير البروتستانتي من “أرض المسيح” المقدسة إلى “أرض الشعب المختار”، وارتبطت عودة اليهود إليها بعودة المسيح المنتظرة. هذا التحول أسهم في انتشار تعليم اللغة العبرية في الجامعات الأوروبية، ومنح اليهود امتيازات جديدة كبناء المعابد وطباعة الكتب العبرية.
الحركة الاستعمارية والمشروع الصهيوني: لقاء المصالح
لم يكن الدعم الديني كافياً لتحويل حلم الدولة اليهودية إلى واقع ملموس. فقد تطلبت الفكرة عوامل سياسية واقتصادية دافعة، تمثلت في المصالح الاستعمارية الأوروبية المتطلعة للسيطرة على مقدرات الشرق. فمع تصاعد التنافس الاستعماري على الدولة العثمانية، وجدت القوى الأوروبية في المشروع الصهيوني أداة مثالية لتحقيق أهدافها، خاصة بريطانيا التي سعت لإنشاء كيان صديق في قلب المنطقة العربية.
وقد عبّر “هرتزل” عن هذا التقاطع بوضوح في كتابه “دولة اليهود” حين كتب: “بالنسبة إلى أوروبا، سنمثل جزءاً من السد أمام آسيا، سنخدم في الخط الأمامي لندافع عن الحضارة ضد البربرية”. هذا التصريح يكشف النغمة الاستعلائية التي ميزت الفكر الصهيوني، والذي تبنى الخطاب الاستعماري الأوروبي القائم على ثنائية “الأمم المتحضرة” مقابل “الأمم البربرية”.
الصهيونية : جذور أوروبية خالصة
يُظهر التاريخ أن فكرة إعادة اليهود إلى فلسطين سبقت ظهور الحركة الصهيونية اليهودية بقرون. فقد ظهرت “حركة العودة” في بريطانيا مع “توماس برايتمان” في القرن السابع عشر، وتوالت المبادرات: عريضة البيوريتان عام 1649 التي طالبت بعودة اليهود على نفقة الدولة البريطانية، ونداء نابليون لليهود عام 1799، ومشاريع “بالمرستون” و”جولير” و”دزرائيلي” في القرن التاسع عشر. هذه المشاريع كلها كانت تعبيراً عن مصالح استعمارية بحتة، ورغبة في توظيف الوجود اليهودي كأداة لتحقيق الهيمنة الغربية على المنطقة.
التيارات الصهيونية: تنوع الأيديولوجيا ووحدة الهدف
تطورت الصهيونية اليهودية كحركة سياسية منظمة مع انعقاد مؤتمر بازل عام 1897 بقيادة “هرتزل”، لكنها لم تكن تياراً واحداً متجانساً، بل تشعبت إلى عدة مدارس فكرية:
الصهيونية الدينية: آمنت بعودة اليهود إلى فلسطين كجزء من الخلاص المسيحاني، رغم معارضة الحاخامية الأرثوذكسية التي اعتبرت أي مسعى بشري لتحقيق العودة هو مخالفة للمشيئة الإلهية.
الصهيونية الثقافية: بزعامة “آحاد هاعام” رأت أن الخطر الحقيقي على اليهودية ليس في الاضطهاد الخارجي، بل في الضعف الداخلي وفقدان الوحدة الثقافية. ودعت إلى جعل فلسطين مركزاً روحياً وثقافياً ليهود العالم، وليس مجرد ملجأ سياسي.
الصهيونية العملية: ركزت على الاستيطان التدريجي، وشراء الأراضي، وبناء المستوطنات، معتبرة أن فرض الأمر الواقع على الأرض أكثر جدوى من المساعي الدبلوماسية.
الصهيونية العمالية: تبنت أفكاراً اشتراكية، ورأت في “اقتحام العمل والأرض” وسيلة لتحرير اليهودي من عقد المنفى، وصهر شخصية يهودية جديدة مرتبطة بالتربة والإنتاج.
الصهيونية السياسية: التي قادها “هرتزل” حولت القضية اليهودية من مشكلة إنسانية أو دينية إلى مشكلة سياسية دولية، وسعت للحصول على ضمانات ووعود من القوى الكبرى، وبلغت ذروتها بوعد بلفور الشهير.
إشكالية العلاقة مع الغرب: خروج جغرافي واندماج أيديولوجي
تكشف المفارقة الصهيونية أن الحركة التي ادعت التحرر من أوروبا كانت في جوهرها امتداداً لها. فالصهيونية لم ترفض الفكر القومي الأوروبي بعنصريته، بل تبنته وطبقته على الحالة اليهودية. خروج اليهود من أوروبا كان جسدياً فقط، أما أيديولوجياً فقد كان انضماماً كاملاً إلى مشروعها الحضاري، بمفاهيمه عن التقدم والعقلانية والتفوق العنصري. هذا ما يفسر النبرة الاستعلائية في أدبيات الصهاينة الأوائل تجاه السكان الأصليين في فلسطين، الذين وصفوهم بالبدائيين والهمجيين.
وعليه ؛ من “الجيتو” الأوروبي إلى “الدولة اليهودية” في فلسطين، رحلة طويلة وشائكة تكشف عن تحول جذري في هوية اليهود ومصيرهم، لكنها تكشف أيضاً عن مفارقة مركزية: فالحركة التي ادعت التحرر من أوروبا والانعتاق من قيود الشتات، كانت في جوهرها أشد أشكال الاندماج في المشروع الأوروبي الحديث. لقد تبنى الفكر الصهيوني، بكل تناقضاته وتياراته، الرؤية الاستعمارية للعالم، بنظرتها الثنائية التي تقسم البشر إلى “متحضرين” و”همجيين”، وبتصورها الاستعلائي الذي يشرع احتلال الآخر وتهجيره باسم “التقدم” و”الحضارة”. والإصلاح البروتستانتي زود هذه الحركة بشرعية دينية، والقومية الأوروبية زودتها بأيديولوجيا تعبوية، والاستعمار الغربي زودها بالدعم السياسي والعسكري.
عند مفترق الطرق هذا، حيث تلتقي المصالح الاستعمارية بالأحلام المسيحانية والتطلعات القومية، وُلد المشروع الصهيوني ككيان غربي ، زرع في قلب العالم العربي ليكون “طليعة الحضارة” و”حصناً ضد البربرية”، على حد تعبير هرتزل نفسه.
لكن هذه العلاقة الملتبسة مع الغرب تركت إرثاً ثقيلاً على الكيان الصهيوني. فهو يعيش حالة دائمة من التماهي مع الغرب تارة، والاستقلال عنه تارة أخرى، دون أن يتمكن من بناء هوية شرقية حقيقية. ويظل رهين التناقض بين خطابه “اليهودي” وواقعه “الأوروبي”، وبين ادعائه “العودة التاريخية” وممارساته الاستعمارية الوحشية. كما أن المشروع الصهيوني، بتبنيه للفكر القومي الأوروبي، ورث عنه عيوبه الرئيسة : التعصب، والنزعة الفوقية، والإقصاء. وقد تجلى ذلك في تعامله مع الفلسطينيين، الذين حُوّلوا في الخطاب الصهيوني من شعب له حق ووجود إلى “همج” يقفون في طريق “التقدم” و”الحضارة”، ومن ثم فإن تهجيرهم أو تهميشهم يصبح أمراً مبرراً أخلاقياً وسياسياً. بل وصل الأمر بهم إلي النظر إلي الشعب الفلسطيني بأنه غير موجود أساسًا وأن الأرض بلا شعب بمعني أنه لا وجود لهم ومن ثم فأرضهم فضاء يأخذونه.
إن الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، والتراجع عن السياسات الاستعمارية، وإعادة بناء هوية الكيان على أسس المواطنة المتساوية لا على أساس التفوق العرقي، كلها شروط لا غنى عنها لأي مستقبل مشترك في هذه الأرض. وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل الصهيونية، بجذورها الأوروبية وخصوصيتها الاستعمارية، مصدر الصراع وسبب معاناة الملايين.
مشروع استيطاني بغطاء ديني وقومي
يمكن القول: إن الفكر الصهيوني تشكل في ملتقى ثلاثة تيارات رئيسة: التراث الديني اليهودي الذي زود المشروع بشرعيته التاريخية والأسطورية، والفكر القومي الأوروبي الذي زوده بأدواته التنظيمية والأيديولوجية، والحركة الاستعمارية الغربية التي زودته بالدعم السياسي والاقتصادي والعسكري. هذا المزيج الفريد أنتج حركة عنصرية استيطانية، استطاعت – مستغلة هذا التقاطع الاستثنائي للمصالح والأيديولوجيات – أن تحقق ما عجزت عنه مشاريع استعمارية أخرى: إقامة كيان غربي في قلب العالم العربي، تحت غطاء العودة التاريخية والحقوق الدينية. لكن هذا الكيان بقي رهين علاقته الملتبسة مع الغرب، وأسير تناقضاته الداخلية، ومعتمداً في جوهره على إقصاء الآخر الفلسطيني ومحو وجوده وهو ما يزال يشكل أساس الصراع حتى اليوم.

المراجع والمصادر
ثابت , عبير عبد الرحمن .(2015) . مدي تأثير فكرة يهودية الدولة الإسرائيلية علي مستقبل القضية الفلسطينية , مجلة جامعة الشارقة للعلوم الانسانية والاجتماعية , غزة , جامعة الأزهر , 12 . 1- 28 .
جريس , صبري . (1998) . تاريخ الصهيونية 1862- 1948. عمان : منظمة التحرير الفلسطينية .
-3אדלמן , צבי. (2010) .קורבנות בתולדות עם ישראל . ישראל : האחדות.
3-أدلمان , تسفي . (2010) . ضحايا تاريخ الشعب اليهودي . إسرائيل : دار الوحدة للنشر.
4 – פ י ק א ר , אבי . (2009) .ציונות ודת בין מזרח למערב – בין סתירה להשלמה. ירושלים: מרכז זלמן שזר.
4- بيكر , أبي . (2009) . الصهيونية والدين بين الشرق والغرب – بين الرفض والقبول . القدس : مركز زلمان شازار .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى