التربية الإسلامية بين ثبات القيم ومرونة الوسائل

أ.د محمد أحمد عزب | كلية العلوم الشرعية
تتسم التربية الإسلامية بعمقها الإنساني وشمولها القيمي، فهي تتغيا جعل الإنسان خليفة في الأرض، مسؤولًا عن عمارتها وفق منهج أخلاقي متوازن، قد استطاعت عبر تاريخها أن تُنشئ أجيالًا تحمل رسالة العلم والعمل، وتُجسّد معاني العليا للأخلاق في واقع الحياة، دون أن تنفصل عن متغيرات العصر أو تنغلق دونها، حيث تملك من المرونة ما يمكّنها من استيعاب المستجدات، ومن الثبات ما يحفظ هويتها ويصون مقاصدها… لقد عاش المسلمون بالقيم والمقاصد العليا للتربية عشرات القرون، بل لا تزال الطريقة والأسلوب التي كانت تنتقل من جيل لجيل بعده قائمة في بعض المجتمعات، وإن أصبها الوهن.
واقع يحتاج إلى تدارك
لقد أصبحت مدارات التربيةاليوم في العالم الإسلامي تسير لاهثة خلف المنظومة الأوربية، تنتهج نفس الوسائل وتسلك نفس الأساليب، صحيح أنها لا تتغيا نفس الغايات، لكن المآلات التي تنتج عنها تتوافق مع المنظومة الغربية، فتصبح الغايات قريبة أو متوافقة مع مخرجات النموذج الغربي للتربية، حيث يصبح الفرد قطعة من النظام العالمي، وغالبا هو النظام الرأسمالي الذي يدرس لغاية، ويتعلم لهدف تحدده الرأسمالية سلفا.
لقد “عجز الإنسان الذي تخرجه هذه المؤسسات عن “تحديد منهاج حياته” في ضوء المتغيرات المعاصرة التي تؤثر في واقعة. فهو ما زال يستورد “مناهج الحياة” كما يستورد أدوات الحياة ووسائلها ومؤنتها. فتارة هو يستورد “الرأسمالية” بتطبيقاتها الإدارية، والتربوية، والاقتصادية، والأمنية،وتارة يستورد “الاشتراكية” بتطبيقاتها كذلك. وحين تتغير هذه “المستوردات” في مواطنها الأصلية يقع ضحية الحيرة والاضطراب، والتشنج كما حدث حين حدثت التغييرات العقدية، والسياسية في المعسكر الشيوعي”[أهداف التربية الإسلامية، الكيلاني].. من هنا كان تحرير التربية الإسلامية من أدران المذاهب التي عطلتها أو نزعت منها عناصر القوة ملحا وضروريا.
أساس مكين
إن التربية الإسلامية تقوم على أساس متين يجمع بين الثبات والمرونة؛ فهي لا تنطلق من فراغ، بل من وحيٍ إلهي يحدد الأصول الكبرى التي لا تقبل التغيير، كالعقيدة والعبادات والقيم الأخلاقية، وفي الوقت نفسه تملك قدرة فريدة على التكيّف مع تغيرات الحياة، وهذا التوازن هو سر بقائها وصلاحيتها لكل زمان ومكان، إذ لم تُبنَ لتكون حبيسة عصر معين، بل لتصنع الإنسان القادر على التفاعل مع الواقع دون أن يفقد هويته، ومن هنا، فإننا حين نتحدث عنها، فنحن لا نتحدث عن نمط جامد، بل عن منهج حيّ يواكب الحياة، ويحفظ للإنسان توازنه بين أصالته ومتطلبات عصره.
الأساس الذي لا يتغير
تتمثل الثوابت في التربية الإسلامية في القيم الكبرى التي تشكل هوية الإنسان المسلم، مثل الإيمان بالله، وتعظيم الحلال والحرام، والصدق، والأمانة، والحياء، وتحمل المسؤولية، هذه القيم ليست مرتبطة بزمن معين، بل هي ممتدة عبر العصور، لأنها مرتبطة بطبيعة الإنسان واحتياجاته الروحية والأخلاقية، فالمجتمعات قد تتغير، والوسائل قد تتبدل، لكن حاجة الإنسان إلى الصدق والأمانة والحياء لا تزول؛ ولذلك، فتغييرهذه الثوابت بدعوى التطور يُعد انحرافًا عن جوهر التربية الإسلامية، لأنها تمس الأساس الذي يقوم عليه بناء الإنسان.
مرونة وسائل التربية الإسلامية
إن الوسائل والأساليب التربوية في الإسلام تتمتع بمرونةتتيح لها التكيف مع اختلاف البيئات والأزمنة. وقد عبّر عن هذه الفكرةخير تعبير قول من قال: ربّوا أبناءكم لزمان غير زمانكم، وهي عبارة عميقة تدل على وعي بضرورة مراعاة تغير الظروف؛ فالتربية لا ينبغي أن تُحبس في قوالب الماضي، بل يجب أن تتجدد أدواتها وأساليبها بما يتناسب مع الواقع، مع الحفاظ على جوهر القيم، فالثبات في المبادئ لا يعني الجمود، كما أن التجديد في الوسائل لا يعني التفريط، ولذا فإنمن أخطر التحديات التي تواجه التربية اليوم الوقوع إما في: الجمود على أساليب قديمة لم تعد صالحة، أو الانفلات الكامل بحجة مواكبة العصر فقد ” عجز الإنسان الذي تخرجه المؤسسات التربوية عن التفاعل مع ماضيه وتراثه، وإنما يقوم الآخرون بربطه، ووصله بهذا التراث ربطا ووصلًا… ومع اختلاف الوسيلة تكون النتيجةفإذا ربطه شيخمحافظ بالجزء الإيجابي من التراث قدَّس التراث جملة، ونفى عنه كل نقص وصار مغتربا في ماضيه غافلا عن حاضره، وإذا ربطه “أكاديمي أو غريب مستشرق بالجزء السلبي من التراث انقلب على هذا التراث جملة، ونفى عنه كل مزية إيجابية وصار “مغتربا” عن حاضره غافلا عن أصوله”.[أهداف التربية الإسلامية، الكيلاني] ونلاحظ تلك المسألة في سياقات التربية، ما بين جامد عليها لا يتزحزح، وما بين ساخر منها هازئ بها. وبالجمود تكون التربية بعيدة عن واقع الأبناء، فتفقد تأثيرها، بينما يؤدي الانفلات إلى ضياع القيم وذوبان الهوية. ومن هنا تظهر عظمة المنهج الإسلامي، الذي يرفض هذا وذاك، ويؤسس لطريق وسط يوازن بين الثبات والتجديد، فيحافظ على الأصول، ويطوّر الوسائل، ويصنع إنسانًا متزنًا لا ينفصل عن عصره ولا يذوب فيه.
خطوات على الطريق
لقد شهد العالم تحوّلًا عميقًا بفعل الثورة الرقمية، فأضحى الأبناء يعيشون في فضاء رحب يتخطّى قيود الزمان والمكان، الأمر الذي ألقى بظلاله على العملية التربوية وفرض عليها تحديات مستجدة، وإذا كانت التربية في السابق تقتصر في غرس الحياء والستر في الواقع الملموس، فإنها اليوم قد اتسعت لتشمل عملية السلوك تجاهالعالم الرقمي، ومن هنا، يغدو توجيه الأبناء إلى ما يحسن نشره وما ينبغي كتمانه، وتنبيههم إلى مخاطر التواصل مع الغرباء، وتحذيرهم من آفة الابتزاز الإلكتروني، واعتبار هذاجزءًا من صميم التربية الإسلامية؛ حيث يمثل امتدادا لأصل راسخ يتمثل في حفظ الحياء وصيانة النفس، وعليه فإن التغيير إنما وقع في كيفية تنزيل القيمة على الواقع الجديد، لا في أصل القيمة وثباتها.
توسيع القيم لتشمل الواقع الجديد
إن من أهم ما يميز التربية الإسلامية قدرتها على توسيع دلالات القيم لتشمل مستجدات الحياة.
فقيمة العدل أصبحت تشمل،عدم التعرض لتشويه سمعة الآخرين عبر الشائعات أو المقاطع المجتزأة
عدم التنمر أو استغلالإخفاء الهوية للإساءة،إعطاء الحقوق الفكرية لمالكها أو الإشارة إليه، عدم سرقة المحتوى أو نسبته للنفس.
وقيمة الصدق لم تعد مقتصرة على الكلام المباشر، بل تشمل الصدق في العالم الرقمي، كعدم التزييف أو انتحال الشخصيات. وكذلك قيمة الأمانة تتمثل في : عدم سرقة الحسابات أو اختراقها، حفظ خصوصية الآخرين، بعدم نشر صور أو محادثات بدون إذنأداء العمل بإتقان حتى في غياب الرقابة، عدم نشر ما يضر المجتمعفي زمن التأثير الإعلامي.
إن الهدف النهائي للتربية الإسلامية هو بناء إنسان متوازن، يجمع بين ثبات الهوية ومرونة السلوك، إنسان يدرك قيمه جيدًا، ويعرف كيف يطبقها في واقع متغير، وهذا لا يتحقق إلا إذا أدرك المربون أن التربية ليست تكرارًا للماضي، ولا انبهارًا بالحاضر، بل هي وعيٌ يجمع بينهما. فالأب والمعلم ومؤسسات التعليم لا ينبغي أن تسلك التربية بعقلية الأمس فقط، ولا أن تترك المتعلم لرياح العصر، بل أن السعي لصناعة إنسانٍ قادرعلى الثبات في وجه التحديات، والتفاعل مع الواقع بوعي وحكمة.




