مقال

عمان بلد الأمن والأمان

بقلم: خالد رمضان| كاتب مصري
اقتضت حكمة الله تعالى أن يهب كل شخص منا ميزات خاصة قد لا توجد في غيره من الشخوص، وذلك التمايز موجود وملموس في كل ما، ومن حولنا، حتى في البلدان، والعوالم المختلفة، بل والقارات الكبرى التي تجمع الكائنات الحية جمعاء.
وهنا نحط رحالنا، ونوقد سرجنا، ونعد مدادنا، ٱملين من المولى سبحانه وتعالى أن نوفق فيما نقول، ونصف ما يختلج في صدورنا، وتحمله أذهاننا، وتضمه قلوبنا، دون أدنى نقصان، أو زيادة، فما خط قلمي غير ما حدث معي، وما رأيته بأم عيني، ولست ممكن يحوكون الأقاويل، أو ممن ينسجون خيوط الزيف والبهتان، راجيًا من المولى سبحانه وتعالى أن ينزه أقلامنا عن الرياء، ونفوسنا عن الغلو، أو النفاق.
عمان بلد الأمن والأمان، إن الإسهاب في الحديث عن هذي البلد الشقيق الشقيق، ليطول ويطول، ولا نوفيه حقه، أو بعض حقه، وإن كل ما سنذكره إنما هو غيض من فيض، وقطرة من بحر.
أنا هنا لن أتطرق إلى ما لم أعايشه، أو إلى ما عرفته من غيري، أو قرأته في إحدى الكتب، إنما أذكر ما مررت به، أو ما لمسته بنفسي، وعاينته بتجربتي.
أول ما أذكره هو طيبة ذلك الشعب، وحسن عشرته، وسماحته، ونقاء سريرته، وما يتحلى به من جميل الشمائل، وحسن الخصال، وجمال النفس، والنّفَسِ؛ فإنك حين تتعامل مع أحدهم تشعر بالراحة والسكينة، فلا أعصاب مشدودة، ولا أصوات مرتفعة، إنما الهدوء والابتسامة، والحكمة ولين الجانب، فتنتقل إليك تلك الصفات الحميدة تلك، فتهدأ نفسك، وترتخي أعصابك، ومما يزيد الأمر بهاء ورواء تلك الجملة المعهودة عندهم، المحبوبة لديهم ألا وهي ( أمورك طيبة )، والتي تشعر أن لها بريق السحر على من يسمعها، فإذا كنت في ضائقة نفسية، أو مشكلة إدارية، أو خلافات شخصية فستجد وكأن حبات البَرَد قد سقطت على قلبك، وذهب همك، وغمك، وذاب قلقك وحزنك تحت أحرف هذه الجملة اللطيفة. وإذا طرقنا باب العلم والتعليم، وهو ما يخصنا، فهو مجالنا، وعملنا. فستجد أن السلطنة بصورة عامة، وملخوظة
تنتهج سبلًا حديثة، وتقنيات رائعة، وإعدادات مقطوعة النظير للنهوض بالعملية التعليمية؛ حرصًا على مصلحة أبنائها، ورغبة في الارتقاء بهم، ووضع أقدامهم على طريق النمو والازدهار، فأنشأت المدارس، وأعدت لها كل ما تحتاجه، ويحتاجه أبناؤها من أحدث الوسائل التعليمية المجهزة بالإنترنت، ومصادر التعلم، وشاشات العرض، والمكيفات، ومكبرات الصوت، وكاميرات المراقبة، وملاعب رياضية، ومعلمين متخصصين، ومميزين، ومكاتب إشرافية تربوية، ومن أعجب ما هنالك أنك لن تجد هذه التقنيات في المدن فقط، إنما ستجدها في الجبال، والوديان، والمناطق النائية المحدودة الكثافة السكانية، وكأن شعارهم ( التعليم حق للجميع)، فما أروع هذا !
ثم أحبو قليلا ناحية الجانب الصحي البديع، وأذكر ما حدث لي، حيث إنني في العام الماضي احترقت يدي وأنا أطهو بعض الأطعمة، وحينما هرولت للمركز الصحي قاموا مشكورين بإسعافي، ثم تم تحويلي لمستشفى السلطان قابوس- طيب الله ثراه – بصلالة،وهناك يفتح الطبيب صفحتك على موقع وزارة الصحة فإذا بها مسجل عليها كل ما يخصك، فلا تحتاج إلى أن تحكي أو تقص ما حدث معك، وذلك على مستوى السلطنة، فأينما ذهبت وجدت كل ما يخصك، ولو انتقلت من شمال السلطنة إلى جنوبها، فستجد شبكة صحية رائعة، مدون عليها تشخيص مرضك، وما تم صرفه لك من أدوية، أو تحاليل، أو إشاعات.
وتعال معي لنذكر الجانب الاستهلاكي الغذائي، وما فيه من ضبط للأسعار، وحرص على صحة المواطنين، والرقابة الصارمة، والأمانة غير المتناهية، فحيثما ذهبتَ أو انتقلتَ فلن تجد تفاوتا في الأسعار، ولن ترى أبدا احتكارًا لسلعة، أو سلعة منتهية الصلاحية، حتى إنك لتقوم بالشراء وأنت معصوب العينين، فلا قلق ولا تشكك.
والآن أتحدث عن الأمان، والشعور بالراحة والاطمئنان؛ فلقد مكثت عامين كاملين في شقة بالإيجار أنا وصديق لي، نذهب للعمل كل يوم وباب الشقة مفتوح دون قفل أو إغلاق، فقط نركله قليلا، ولم يحدث ولو مرة واحدة أن اخترق أحد شقتنا، أو طرقها طارق، أو دخيل. وحينما كنت أذهب لصلاة الفجر، وأسير في عتمات الليل، أو أقطع بعض المسافات في الصحراء فما شعرت لحظة بالخوف أو الاضطراب، إنما إحساس بالأمان غير مسبوق النظير.
ومما زاد في عجبي أنني وأنا على باب المسجد، وجدت بعض أدوات الدخان؛ فلقد استحيا صاحبها أن يدخل بها بيت الله تعالى، فوضعها على أعتاب باب المسجد، فما أروع ذلك!
وفي إحدى المرات وأنا في طريقي إلى صلالة بباص المدرسة الذي وفرته لنا وزارة التربية والتعليم، فإذا بالباص يقف بعدما نفد البترول منه، وإذا بالسائق ينتابه القلق خوفا من الشرطة، وبالفعل، يقف أمامنا ضابط الشرطة، ومعه بعض العساكر، ثم يسأل: ما الأمر فأخبرناه، فما كان منه إلا أن وقف في منتصف الطريق السريع يحجز عنا السيارات، وأمر بعضهم بالوقوف في الجانب الآخر، ثم قال : ضعوا ما معكم من بترول في السيارة، فلم أكد أصدق ما أرى، ثم إذا انتهينا، قال: توكلوا على الله، ولم يترك مكانه حتى انصرفنا. وأيضا تكملة لهذه الأخلاق الحميدة، أن بعض زملائنا ولمرات عديدة ينسى مفتاح سيارته داخلها حتى الصباح، ليعود ويجده مكانه. وهذا أحدهم قد أقيمت الصلاة فذهب مهرولا تاركًا سيارته مفتوحة، وظلت كذلك حتى أنهى صلاته وعاد إليها.
وفي الأخير أستطيع أن أقول، وبلا مبالغة أو تملق، أو محاباة، أنني ما شعرت يوما بالغربة، أو الوحشة بين إخواني العمانيين هنا، إنما كانوا لنا سندًا، وعونًا.
هذه البلدة تستحق منا كل الاحترام والتقدير، والتوجيل؛ فهم أناس طابت سرائرهم، وحسنت ظواهرهم، لا يحملون حقدًا، ولا بغضًا، نفوسهم أبية، شمائلهم زكية، يألفون، ويؤلفون، ظاهرهم كباطنهم، واضحين وضوح الشمس في كبد السماء، ثيابهم ندية، قلوبهم نقية، سمح مخالطتهم، لينة هينة عشرتهم، كلماتهم قليلة، قسمات وجوههم جميلة، متوادون، متحابون، متزاورون، يحترم بعضهم بعضا، متواضعون، متماسكون، لا يتركون فقيرهم، ولا يهينون ضعيفهم، ويوقرون كبيرهم، ويقدرون نساءهم، يهتمون بأبنائهم، ويمنحونهم كافة حقوقهم.
بارك الله فيهم، وحفظهم، وأبقى أثرهم، وأعانهم، وأدام أمنهم، وأمانهم، ونصرهم على كل من حاول إيذاءهم، أو معاداتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى