مقال

الكتاب الأسود لغزة .. حماية للذاكرة وللإنسانية

علي جبار عطية| رئيس تحرير جريدة أوروك
يرتبط مصطلح (الصندوق الأسود) بالكوارث، وحوادث الطيران، وهو جهاز تسجيل مهم للغاية ، ويكون لونه برتقاليًا زاهيًا وليس أسود؛ وذلك لسهولة العثور عليه، وقد استعير المصطلح في الأدب للدلالة على كشف الأسرار والغموض، واستخدام تعبير (الكتاب الأسود) فيه إحالة واضحة إلى بعض هذه المعاني.


في مجموعة قصصية للأديب الفلسطيني عامر المصري عنوانها (الرجل الذي التفت إلى الوراء) صدرت سنة ٢٠٢٥م عن دار (منشورات غزة) ، بالتزامن مع ترجمتها إلى الهولندية يُصاب القارئ بالدهشة، وهو يقرأ قصة عنوانها (قدم) تحكي عن أمّ تخط أسماء أبنائها على أقدامهم قبل القصف؛ لضمان التعرف عليهم ، ولكن الأمر سيان فحين تبدأ الصواريخ تنهمر لم تعد هناك حاجة للتعرف على الضحايا فالعائلة تُباد بالكامل.
حين تحل الكارثة يُصاب المرء بالذهول لكن حين تنجلي الغبرة تبدأ مراجعة النفس، وهناك من اعتاد ترك الجلاد ولوم الضحية وهذا ما حصل مع الإبادات الجماعية والبيئية والحضرية التي تعرض لها سكان غزة على مدى أكثر من سنتين على يد أعتى طغاة الأرض كما جاء في كتاب (غزة: قصة إبادة جماعية)/٢٠٢٦ لفاطمة بوتو وسونيا فاليرو.
الكثير من الحكايات اختفت تحت ركام البنايات المنهارة تحت القصف الصهيوني في غزة ، وكم من القصص بقي في ذاكرة الأحياء تُروى للأجيال.
لم تغب غزة عن الواجهة وإنْ غضت النظر عنها وسائل الإعلام لأسباب شتى، وهي حاضرة عند المتمسكين بإنسانيتهم، ومنهم أهل القلم، فقد صدر عن دار (لوسوي) الفرنسية سنة ٢٠٢٤ (كتاب غزة الأسود) للكاتبة أنييس لوفالوا، المتخصّصة في قضايا الشرق الأوسط، ومحللة العلاقات الدولية، وقدّم له روني برومان، الرئيس السابق لمنظمة (أطباء بلا حدود) .
يتناول الكتاب في أقسامه السبعة حصار غزة الذي سبق أحداث أكتوبر ٢٠٢٣م، والهجمات على النظام الصحي والعاملين في المجال الإنساني، ومنع وصول المعلومات، واستهداف الصحفيين والسكان المدنيين، وعدم تناسب الأسلحة، وخراب البلاد، وضرورات المحاسبة، مع تعزيز كل ذلك بالمصادر.
يقول روني برومان: (إنَّ السابع من أكتوبر الدموي، لا يمكن عزله عن واقع الاستيطان والاحتلال).
وتذهب أنييس لوفالوا إلى أنَّ جذور الحرب تعود إلى عام ١٩٤٨، ولجوء مئتي ألف فلسطيني إلى غزة.
في كتابٍ آخر عنوانه (الكتاب الأسود لغزة)
يقول منسقه الصحفي جونثالو ديلجادو: (إنَّه اعتمد على مجموعة من الشباب الغزاويين ليبحثوا عن نصوص وقصص قصيرة تكون مكتوبةً في خضم الحرب وفي وقتها الحقيقي بهدف حماية الذاكرة، ولكى ينقل القارئ إلى ذلك المكان وتلك اللحظة المحددة، كما حدث من قبل مع يوميات أو مقالات كتبت مثلا من سراييفو في تسعينيات القرن الماضي) .
ويشير إلى أنَّ القصص التي يحملها الكتاب تنتفض من تحت الركام تمام : غزة، تقدم الحقيقة العارية، إنَّ قوة الكتاب تمكن في أنَّه يوميات واقعية من غزة.
يروي سبعة عشر شابًا بين المقال والقصة والشعر ما حدث من خراب وانتهاكات للإنسان والحياة في غزة في حرب لا تبقي ولا تذر تجاوز الرقم المعلن للضحايا أكثر من سبعين ألف شهيد.
وعلى خلاف كتب التنمية البشرية التي ترشد المرء إلى أفضل طرق العيش يروي الكتاب الأسود لغزة كيف يمكن أن يهرب الشخص من مكان في غضون خمس دقائق لأنه سيتعرض للقصف، وبماذا يفيد الحب في مثل هذه الظروف، ولماذا يجب أن يتعلم الشاب بينما لا يلوح أي مستقبل في الأفق، وماذا يمكن أن يأكل حين لا يوجد أي غذاء، وغيرها من التفاصيل التي تبدو في الحد الأدنى من الوجود.
تقول المحامية نور أحمد (إحدى المشاركات في الكتاب) : (نحن لا يمكن النظر إلينا بوصفنا مجرد ضحايا، نحن مفكرون وحالمون، وكتاب، وعشاق، وطلاب.. إن حكاياتنا لا تتحدث فقط عن الموت بل عن الحياة التي تصر أن تمضي قدمًا) .
وتضيف : (إنني أرفض تمامًا أن أختزل وجودي في مجرد البقاء والنجاة، أن تكون إنسانًا يعني أن تبحث عن معنى لحياتك، أن تساعد، أن تحافظ على هويتك، أتذكر أنني قبل عدة أشهر توجهت إلى أحد مقاهي الانترنت لتحميل الفيلم المفضل لأبناء إخوتي، وجلسنا نشاهد الفيلم بينما نسمع دوي القنابل “… “، وقد رفعت الصوت حتى أبعدهم قليلًا عن الواقع) .
وبعد كل هذا الاصرار على الحياة
يا ترى هل يأتي اليوم الذي نقرأ فيه كتابًا أبيض لغزة ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى