د. وفاء أبو هادي.. عندما تكتب الحروف بلهجة الوطن

مجدي بكري | القاهرة
في زمنٍ تتسارع فيه اللغات وتختلط الألسن، وتتحول الكلمة أحياناً إلى ضجيج بلا معنى، يطل علينا صوتٌ مختلف. صوتٌ لا يعلو، لكنه يصل إلى عمق الروح. إنه صوت *الدكتورة وفاء محمد أبو هادي*، الكاتبة السعودية التي اختارت أن تكتب بلهجة الوطن، لا بلسانه فحسب، بل بروحه وتاريخه وهواجسه.
تقرأ لوفاء أبو هادي فلا تشعر أنك أمام صفحة مطبوعة، بل أمام مجلسٍ سعودي أصيل. مجلس تفوح منه رائحة القهوة، وتتردد فيه حكمة الكبار، ويتسلل إليه ضوء الشمس من شرفة بيتٍ في جدة أو نافذة في الرياض. هي لا تكتب لتجارب أدبية عابرة، ولا لموضاتٍ ترفع الحواجب ثم تنطفئ. تكتب لأن في الداخل سؤالاً ملحاً، ولأن في الخارج واقعاً يستحق أن يُفهم قبل أن يُحكم عليه.
واللافت في تجربة د. وفاء أنها تجمع بين صرامة الأكاديمية ورقة الأديبة. فهي باحثة لا تقبل التعميم، وأديبة لا تقتل المعنى بالتشريح. تحمل في يدها ميزاناً دقيقاً تزن به الكلمة قبل أن تطلقها، فلا إسرافٌ في البلاغة يثقل على القارئ، ولا تبسيطٌ مخل يُهين عقله. لغتها تمضي على استحياء، لكنها تترك في النفس أثراً لا يُمحى.
تكتب عن المرأة فلا تصنع منها ضحية تستدر العطف، ولا بطلة خارقة لا وجود لها. تكتبها إنسانة تمشي في الطريق، تدرس وتعمل وتربي وتحلم وتتعثر ثم تنهض. وتكتب عن المجتمع بعينين اثنتين: عين المحب الذي يخاف على بيته من الريح، وعين العاقل الذي يعرف أن البيوت لا تُبنى إلا بترميم شقوقها. لذلك جاءت كتاباتها عن التحولات الكبرى في المملكة متزنة، قريبة من الناس، بعيدة عن المزايدة.
وما يميز قلم وفاء أبو هادي أنه لا يستعير صوته من أحد. لهجتها لهجة الوطن الخالصة، بكل ما فيها من وقار الصحراء واتساع البحر وانفتاح المدن. هي لهجة من يؤمن أن الأصالة لا تعني الجمود، وأن الحداثة لا تعني القطيعة، وأن الهوية ليست قيداً، بل هي الجناح الذي نحلق به.
ربما لا تسعى الكاتبة إلى الأضواء، وربما تفضل أن يسبقها أثرها. ولكن الكلمة الصادقة لا تحتاج إلى منادٍ. يكفي أن يقرأها شابٌ حائر فيجد فيها طريقاً، أو فتاة مترددة فتجد فيها سنداً، أو أبٌ متعبٌ فيجد فيها فهماً.
إن الكتابة عند د. وفاء محمد أبو هادي ليست مهنة ولا ترفاً. إنها فعل انتماء. انتماء إلى أرض، وإلى لغة، وإلى إنسان. وعندما تكتب الحروف بلهجة الوطن، فإنها لا تسطر حبراً على ورق، بل تنقش وطناً على القلوب.





