مقال

(التجييل) مدخلاً نقدياً لدراسة الشعر في النقد الأكاديمي

د. علي مجيد البديري | جامعة البصرة

على الرغم من الإشكاليات التي يثيرها اعتماد مقولة (التجييل) في الكتابة الإبداعية، يختارها الدكتور سعيد حميد كاظم في كتابه النقدي (تجييل الكتابة الشعرية في العراق بين التنظير والإجراء، “دراسة في الجيل التسعيني”) مدخلاً لدراسة تجربة جيل شعري عراقي مهم عاش في سياق ثقافي استثنائي، وكتب نصوصاً سعت إلى تحقيق فرادتها على المستويين الموضوعاتي والبنائي. وقد حقق فيها توازناً ما بين العناية بما هو مشترك وما هو خاص لدى هذا الجيل، ولذا مثلت هذه الدراسة النقدية إضافة مهمة الى المكتبة النقدية الخاصة بدراسة الشعر العراقي المعاصر، الذي امتاز بالتنوع الكبير وتجربته الخاصة نتيجة التحولات الكبرى التي مرت بالساحة العراقية، وعصفت بثقافتها على نحو خاص، عبر التغييرات السياسية والاجتماعية التي ألقت بظلالها على الأجيال الشعرية، وأسهمت في تشكل رؤاهم المتغايرة، وحفزت سعيهم الى التجديد وتحقيق الإضافات النوعية في الكتابة الشعرية.
يتخذ د. سعيد، في أغلب مباحث الدراسة، موضعاً موازياً للنصوص الشعرية المدروسة، فيقدم نصاً نقدياً إبداعياً تتجلى فيه ذائقته ووعيه النقدي على نحو واضح وكبير، فقد وضع في المحور الأول النظري من دراسته رؤىً تمهّد لما ستختص بقراءته ونقده المحاورُ التالية منها، وسعى إلى ترسيخ تصور نقدي حول مقولة التجييل، فلم ينظر إليها على أنها مجرد إجراء تقتضيه المقاربات النقدية لمعاينة منجز الأجيال المتعاقبة، مثلما تبنت ذلك بعض الدراسات، فلديه التجييل إبداعي، يرتبط بالزمن بمقدار ما يؤشر البداية لتجربة ما، فضلاً عن دوره في تشكل السياق الثقافي بطابع ما، مرتبطاً بأحداث ووقائع خاصة لها أثرها الكبير، بلا شك، على الإبداع وخصائصه.
ولذلك يجد قارئ الدراسة أنها تنبئ منذ مدخلها بأنها ساعية لتقديم صورة شديدة القرب من واقع هذه التجربة، وتفتح في الوقت نفسه آفاقاً لموضوعات مختلفة، يمكن معاينتها ودراستها بشكل مستقل في دراسات قادمة أخرى. وقد نجحت في تحريك الواقع النقدي باتجاه هذه التجربة ومعاينة مغايرتها وسعيها الى اكتساب ملامحها الفارقة وهو ما يعد عملاً استثنائيا في الدراسات الاكاديمية المعاصرة.
إجرائياً، تزاوج الدراسة ما بين العناية بالسياقي من جهة وبالجمالي النصي من جهة أخرى في دراسة الجيل التسعيني ففي الفصل الأول منها هناك تعريف بهذا الجيل وإضاءة لسياقه الثقافي الخاص، ودور هذا السياق في تشكل رؤية الشعراء ووعيهم، ومن ثم تجلي هذا الوعي فيما كتبوه من نصوص شعرية، وقد بدت كم هي ضرورية هذه المزاوجة في فهم هذه التجربة بل أن العلاقة ما بين تجربة هذا الجيل وما بين محيطه الذي تشكّل فيه علاقة قوية جداً، بشكلٍ تفرض فيه نفسها على الدارس أن يعتني بها. وفي ضوء ذلك تبينت خصوصية السياق الثقافي الذي عاشه شعراء هذا الجيل، ولكنه يبقى مع ذلك جيلاً موصول بالأجيال السابقة، العربية والعالمية، بخيوط فنية ومعرفية كثيرة، لا شك أنها تجلت فيما قدمه هذا الجيل سواء على مستوى الرؤية أم على مستوى الانجاز الابداعي الشعري.
وبذلك ارتكزت دراسة د. سعيد إلى معرفة عميقة بطبيعة تجربة هذا الجيل؛ فهو جيل لم ينشأ من فراغ، هو ليس ظلاً ولا سحابة عابرة، بل هو تجربة خاصة ارتبطت بسياقٍ خاص، وكانت لشعرائه رؤى فنية، ومشروع ابداعي سعوا الى تحقيقه، عبر خلق فضاءات مدهشة في الشعر، وإعادة تشكيل الفضاء الشعري في القصيدة، ومنحه حياة حقيقية مرتبطة بالواقع.
في المحور الذي يتعلق بدراسة صلة هذا الجيل بالأجيال التي سبقته، يدرس الكتاب تحت عنوان: بنية التجاور هذه العلاقة. ويمكن القول أن جميع الاجيال الشعرية في جميع آداب العالم تعيش حاله من الترابط والتوالي، وهي تجارب في حقيقتها متراكمة على وفق نسق تتابعي، وأن القول بقطيعة جيل عن جيل سابق هي بالتأكيد ليست أمراً واقعياً، فحتى لو ادعى شاعر ما أو جيل معين بأنه بدأ من قطيعة فعلية مع الأجيال السابقة، وأنه يطرح مشروعاً مغايراً تماماً للسابق وجديداً كلياً، يبقى في رؤاه العميقة متصلاً بالتجارب الشعرية السابقة؛ ذلك أن شأن الإبداع، وشأن التقنيات والجماليات فيه تراكمية، فكل ما هو جديد نسبياً لا شك أن له صلة بسابقه، ولم يغب هذا الأمر عن منطلقات د. سعيد في دراسة هذا المحور وهو يتناول بنية تجاور التسعيني مع سابقيه، وحتى وهو يتناول بنية التجاوز في الفصل التالي أيضاً، نجده يذكر ما يمثل ملامح مشتركة بين هذا الجيل والأجيال السابقة.
إن القول بالتجاور ما بين الأجيال لا شك أنه يرتكز إلى فهم ووعي واضحين بطبيعة التجارب الشعرية ليست هناك تجربة تنبثق عن عزلة، فهي تنتجها علاقة بين الإنسان وبين العالم، بينه وبين المتراكم الثقافي والإبداعي في مجال الكتابة الشعرية، ولا شك في أن فكرة قطيعة الأجيال الشعرية بعضها عن بعض يهدر الكثير من الدلالات الفنية والاجتماعية التي يمكن دراستها وتشخيصها في النصوص الشعرية لأن هذه النصوص لا تنطلق من فراغ، ولا تبدأ من نقطة الصفر، بل هي في أكمل صورها تستند الى تراكمات إبداعية ومعرفية مختلفة.
على مستوى آخر يدرس الفصل الثالث أشكالاً شعرية كان ظهورها سابقاً لبداية هذا الجيل، ولكنه قدم فيها نصوصاً مهمة، وقد اعتنى الكتاب بمعاينة هذه النصوص تحت عنوان بنية التجاوز وقد منح د. سعيد (قصيده الشعر) مساحة واسعة نسبياً مقارنة بالمبحثين الآخرين من الفصل للقراءة النقدية أفضل من غيرها، ذلك أنها تضمنت على جدة في المشروع من ناحية الرؤية والإنجاز، فناقش الجانب الصوتي وسعي شعراء هذا المشروع الى التجديد في هذا الجانب، ومرّ بشعرية الأثر التي تتركها القافية في ذهن المتلقي، وبيان كيف عمد هؤلاء الشعراء الى التعامل معها على نحو يخلق ميزة واختلافاً في تجربتهم. ويعدُّ مشروع قصيدة الشعر من مختصات هذا الجيل، انطلق شعراؤها من رؤية ووعي إبداعي تمثّل في البيانات الشعرية التي صدرت عن شعراء هذا المشروع، وفيما كتبوه من قصائد بعد ذلك؛ فهو مشروع تسعيني بامتياز حقاً، وقد سلط الباحث الضوء على كل تفصيلاته، ولعل قوة هذه الخصوصية تقف وراء سعة المساحة البحثية المخصصة لهذه القصيدة الشعر.
أما ما يتعلق بقصيدة الومضة فقد كتبها شعراء كثر من أجيال شعرية سابقة، كما نوه الباحث عن ذلك وحاول أن يبين امتياز شعراء هذا الجيل وخصوصيتهم في كتابتهم هذا الشكل الشعري. غير أن ما يمكن ملاحظته على هذا المبحث أنه لم يضم نماذج كافية في حدود ما أرى، يمكن أن تقنع القارئ بفرادة تجربة هذا الجيل في كتابته الومضة الشعرية. ويبدو لي أن الابتسار في تقديم نماذج كافية لتجربة الجيل في كتابة الومضة، كان مرده إلى التميز النسبي الذي حققوه في كتابة هذا الشكل.
ويبقى الحديث عن الأدب التفاعلي بشكل عام، والقصيدة التفاعلية بشكلٍ خاصٍ أمراً مبكراً على الرغم من خصوصية هذه التجربة المرتبطة برائدها في الوطن العربي الشاعر مشتاق عباس معن، فهي تجربة مازالت في بداياتها، منحصرة في نطاق ضيق، فضلاً عن ذلك فهي ما زالت مشروعاً خاصاً لدى قلة من الشعراء على مستوى الوطن العربي، ولعلني لا أجانب الصواب إن قلت إنها ما زالت مشروعاً شخصياً للشاعر مشتاق عباس، إذ لم نقرأ لغيره انجازاً في هذا الجانب. لذا مازال الحديث مبكراً عن هذه التجربة التي هي نخبوية في واقعها، وتتطلب مؤهلات وإمكانيات معلوماتية، ومعرفة ببرمجيات الحاسوب يمكن من خلالها كتابة النص التفاعلي وتلقيه على حد سواء، فحتى قارئ النص التفاعلي يحتاجها في تحقيق قراءته التفاعلية لهذه القصيدة. ولا يعني ذلك تقليلاً من قيمة دراستها في هذا الكتاب، بل العكس تماماً، فإن إفراد مبحث خاص بها أمر ضروري ومتمم لصورة جيل، مادام ظهور هذه القصيدة قد مثل تحولاً مهماً ونوعياً في شكل الشعر الحديث.
لقد مثلت الدراسة قراءة منهجية نقدية اقتربت كثيراً من تجربة جيل شعري مهم، وقدمت تشخيصاً دقيقاً وعلمياً لمزايا النتاج الشعري، وكانت خطوة مهمة وجريئة ومتممة في مسار النقد الأدبي التطبيقي الذي يعتني بمتابعة التجارب المختلفة للأجيال الشعرية وتحديد معالمها الخاصة في خارطة الشعر العربي بشكل عام، وقد نجح د. سعيد الى حد كبير في تقديم قراءة متأنية عبر خطة بحثية امتازت بالشمول والاحكام وظف فيها تتبعاً دقيقاً لمجمل تجربة هذا الجيل ولمعظم منجزه الشعري، ولذا جاءت الدراسة مبنية على قاعدة من الوعي والفهم العميق لتفاصيل هذه التجربة، مما جعلها تنأى عن تكرار ما قيل عن هذا الشعر، وإن كان قليلاً، سواء على المستوى الفني أو على مستوى التجربة بشكل عام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى