الفنانة سماء يحيى.. ولوحات تفتح نوافذ على عالم لانراه في الزحام

مجدي بكري | القاهرة *
الفنانة التشكيلية سماء يحيى لا ترسم لوحات، هي تفتح نوافذ. نوافذ على عالم لا نراه في الزحام، عالم كانت فيه الألوان تتنفس ببطء والضوء يسقط على الأشياء كأنه يعتذر عن ضجيج الحياة. منذ اللحظة الأولى التي تقف فيها أمام عمل لها تشعر أنك لست أمام قماش وألوان، بل أمام اعتراف طويل مكتوب بلغة لا تحتاج إلى ترجمة.
ولدت سماء في بيئة جعلت من الفن ضرورة لا ترفاً. لم تكن الطفلة التي تلون داخل الخطوط، بل التي تسأل لماذا الخطوط موجودة أصلاً. كانت تجمع أوراق الشجر المتساقطة وتضعها تحت الزجاج، وتلصق خيوطاً من قماش قديم على جدران غرفتها، وتقول إنها “تجارب للضوء”. في ذلك الوقت لم يكن أحد يفهم ما تقصد، لكنها كانت تتدرب على شيء أعمق من الرسم: التدرب على الإنصات. الإنصات للصمت، لملمس الأشياء، للفراغ بين الناس.
درست الفنون وتخرجت، لكنها لم تدخل الأكاديمية لتتعلم كيف تمسك الفرشاة. دخلت لتتعلم كيف تهرب منها أحياناً. تقول في إحدى جلساتها القليلة مع الصحافة إن “الفرشاة تكذب حين تكون مطيعة”. لذلك تجدها تستخدم يديها، وأحياناً القماش نفسه، وأحياناً تترك اللون يسيل وحده حتى يختار الطريق. أعمالها لا تخضع لمنظور واحد، هي ترفض أن تُحبس في زاوية. في لوحاتها الأولى كان هناك وجوه، لكنها وجوه بلا ملامح محددة. عيون مغمضة، أفواه مفتوحة على سؤال، أيادٍ تبحث عن شيء في الهواء. لم تكن تريد أن ترسم شخصاً بعينه، كانت تريد أن ترسم الإحساس الذي يمر بنا جميعاً ولا نملك له اسماً.
مع الوقت تخلت سماء عن الشكل تماماً وذهبت إلى ما وراءه. ألوانها ليست ألواناً زاهية تبهرك ثم تنساها. هي ألوان لها ذاكرة. الأزرق عندها ليس بحراً، هو الغربة التي نشعر بها في بيتنا. الأحمر ليس دماً، هو القرار الذي أجلناه عاماً كاملاً. الأصفر ليس شمساً، هو الأمل الذي نخجل أن نعلنه بصوت عالٍ. لذلك من الصعب أن تمر بلوحة لها مروراً عابراً. إما أن توقفك، أو أن تهرب منها، لأنه لا يوجد حل وسط مع الصدق.
ما يميز سماء يحيى أيضاً هو علاقتها بالمواد. هي لا ترى القماش سطحاً فقط، تراه جسداً. تطبق عليه طبقات من اللون ثم تخدشها، تحرق أطرافه قليلاً، تلصق عليه ورقاً شفافاً كتبت عليه بخط يدها جملاً غير مكتملة. “كنت سأقول…”، “لو أنني…”، “تذكرت فجأة…”. هذه الكسور المقصودة تجعل اللوحة حية. كأنها تقول لنا إن لا شيء مكتمل، وإن الجمال يبدأ من حيث انتهى الكمال.
في معارضها لا تسمع موسيقى صاخبة ولا ترى شرحاً مطولاً بجانب كل عمل. تترك الناس وحدهم مع اللوحات. وتقول إن الفن يجب أن يكون لقاءً فردياً، مثل الحب. لا يمكن لاثنين أن يحبا نفس الشخص بنفس الطريقة، ولا يمكن لاثنين أن يقرأا نفس اللوحة بنفس الوجع. لهذا السبب تجد عندها جمهوراً غريباً بعض الشيء: ليسوا فقط نقاداً وجامعي أعمال، بل شباباً يجلسون على الأرض أمام اللوحة لساعات، ونساءً يبكين بصمت، ورجالاً يقفون وظهرهم للوحة كأنهم لا يريدون أن يودعوها.
سماء لا تؤمن بفكرة “الرسالة” المباشرة في الفن. لا ترسم عن الحرب لترسم الحرب، ولا عن الفقر لترسم الفقر. ترسم الأثر الذي تتركه هذه الأشياء على الروح. في سلسلتها الأخيرة التي عرضتها في القاهرة وبيروت ودبي، كان كل العمل عبارة عن دوائر متداخلة بألوان ترابية، وفي وسط كل دائرة فراغ صغير. سألها أحدهم: ما هذا الفراغ؟ ابتسمت وقالت: هذا المكان الذي نضع فيه أنفسنا حين نتعب من التفسير. جملة بسيطة، لكنها بقيت مع الناس أكثر من أي مقال نقدي.
نقدها البعض بأنها غامضة، وبأنها لا تقدم “جمالاً سهلاً”. ردت بأن الجمال السهل يشبه الوجبات السريعة، يسد الجوع للحظة ثم يجوعك أكثر. هي لا تريد أن تسد جوع العين، تريد أن تفتح جوعاً جديداً: جوعاً للمعنى، للتوقف، للسؤال. في زمن السرعة والصور التي تختفي بعد 24 ساعة، تأتي سماء يحيى وتقول: توقف. انظر. انتظر حتى يظهر لك اللون الثاني تحت اللون الأول.
حياتها الشخصية بعيدة تماماً عن الأضواء. لا حسابات يومية، لا صور من الستوديو، لا شروحات. الستوديو الخاص بها في الطابق الأخير من بيت قديم، نوافذه مغطاة بالغبار عمداً. تقول إن الغبار يلين الضوء. تجلس على الأرض غالباً، وحولها علب ألوان مفتوحة منذ شهور، وكتب شعر ممزقة الأطراف، ومذياع قديم لا يعمل لكنها تحتفظ به “لصوته الصامت”. لا تبيع كل ما ترسم. هناك لوحات تظل معها لسنوات لأنها لم تجد بعد الشخص الذي “يستحق أن يحملها”.
المتابعون لأعمالها يلاحظون تطوراً صامتاً. في البداية كانت تبحث عن الذات، ثم عن الآخر، والآن تبحث عن العلاقة بينهما. أحدث أعمالها عبارة عن سلسلتين متوازيتين: سلسلة اسمها “أنا” وسلسلة اسمها “أنت”. كل لوحة في “أنا” لها مقابلتها في “أنت” بنفس الألوان لكن بتوزيع مختلف. كأنها تقول إننا نتقاسم نفس المشاعر لكننا نعيشها في أماكن مختلفة من القلب.
ما الذي تبقى بعد أن تخرج من معرض سماء يحيى؟ لا تتذكر اسم اللوحة ولا مقاسها. تتذكر إحساساً. تتذكر أنك فكرت في شخص لم تكلمه منذ سنوات، أو أنك سامحت نفسك على خطأ قديم. هذا هو الفن عندها: ليس ديكوراً، هو عملية تنظيف. تنظيف للنوافذ الداخلية التي تراكمت عليها أيامنا.
في عالم يركض وراء الجديد والأكثر ضجيجاً، تختار سماء أن تكون هادئة وعميقة. لا تقدم إجابات، تقدم مساحة. مساحة يمكنك أن تضع فيها حزنك دون أن يلومك أحد، وفرحك دون أن تبرره. وربما لهذا السبب سموها “سماء”. ليس لأنها بعيدة، بل لأنها واسعة. وتتسع للجميع.
حين تسألها عن المستقبل تقول جملة واحدة وتضحك: “سأظل أرسم حتى يصبح اللون كافياً”. ليس كافياً للمعرض ولا للبيع، كافياً لي. وهذا هو سرها. أنها لا تعمل من أجل الجمهور ولا ضد الجمهور. تعمل من أجل تلك اللحظة النادرة التي يقف فيها إنسان أمام لون، ويدرك فجأة أنه ليس وحده.
رئيس التحرير التنفيذي لجريدة “عالم الثقافة”





