بين الكلمة المنطوقة والكلمة  المكتوبة.. [فرسا رهان](6) 

رضا راشد علي | باحث في علوم البلاغة بالأزهر الشريف

تحدثت فيما سبق عن الكلمة المنطوقة وفضلها  والكلمة المكتوبة ومنزلتها، وأظننى حاولت أن أوفي كلا منهما حقها.. ثم حاولت في الأيام الماضية المفاضلة بينهما مفاضلة مطلقة تعلى إحداهما على الأخرى فكان أن بؤت من تلك المحاولة بالإخفاق ، من بعد حيرة كحيرة من حُكِّمَ في مسابقة قرآنية بين مستبقين نِدَّيْنِ في كل شيء،  فإذا ضاق عليه أمره التمس مناصا في أي شيء ولو يسيرا، ولكنى أعيانى هذا اليسير فما وجدت في أمر  المفاضلة  المطلقة بينهما هذا المناص من الشيء اليسير!

وتبين لي بعد لأيٍ ما، أن هاتين الكلمتين كفرسي رهان (وهو مثل يضرب للمتسابقين يتساويان في كل شيء ) ،وأنهما قد تجاثيتا على الركب: تنافُسًا في ميدان الفضائل،  وتسابُقًا  نحو المعالي،  فما إن تحوز إحداهما قصب السبق في أمر، فتُفَاخِرَ به الأخرى حنى تسارعَ تلك الأخرى لتحوز قصب السبق في ميدان آخر ،  فلا تدع لها فرصة لمفاخرة ولا تتركها تهنأ بلذة الفوز بمنافسة .وإذن، فلا أرجحية مطلقة لإحداهما على الأخرى بل ما هي إلا المفاضلة  النسبية.

   وكأنى في هذا (في استحالة المفاضلة المطلقة بين الكلمتين: المنطوقة والمكتوبة)  قد اعترانى ما اعترى الحسن بن بشر الآمدي (ت٣٧٠ه)في الموازنة بين الطائيين (أبي تمام والبحتري) حين أعيته الحيل أن يفاضل بينهما  مطلقا فلاذ أخيرا بالمفاضلة النسبية وسيلة للحكم بينهما فقال: “فإن كنتَ -أدام الله سلامتك – ممن يفضل سهل الكلام وقريبه، ويؤثر صحة السبك، وحسن العبارة، وحلو اللفظ، وكثرة الماء والرونق؛ فالبحتري أشعر عندك ضرورة.

وإن كنت تميل إلى الصنعة والمعاني الغامضة التى تستخرج بالغوص والفكرة، ولا تلوى على ما سوى ذلك؛ فأبو تمام عندك أشعر لا محالة .

فأما أنا فلست أفصح بتفضيل أحدهما على الآخر، ولكنى أوازن بين قصيدة وقصيدة ..وبين معنى ومعنى ثم أقول أيهما أشعر  في تلك القصيدة وفي ذلك المعنى، ثم احكم أنت حينئذ إن شئت على جملة ما لكل واحد منهما إذا أحطت علما بالجيد والرديء  “[الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري للآمدي١ /٦،٥ باختصار].

 فالكلمتان تختلفان فيما بينهما اختلاف تنوع وتكامل لا اختلاف تضاد وتنافر، فهما معا :كالليل والنهار، أوكالذكر والأنثى، أوكالنور والظلام، أوكالحركة والسكون، أوكالحر والبرد، أو كالنوم واليقظة:لا استغناء لأحدهما عن الآخر،ولا استغناء للعالم عن أي منهما بالآخر،  فهو محتاج إلي كليهما معا ومستغنٍ بكليهما معا، لكلًّ منهما مقال تغدو فيه كالهواء للإنسان أو كالماء للسمك.

كما تبين لى أن هذا الذي وصلت إليه بأخرة كان مستبينا لسلفنا استبانة ظاهرة تلوح من حرصهم على الكلمتين معا دونما اكتفاء منهم بإحداهما، فكانوا دائما -أو غالبا-  ما يشفعون إحداهما بالأخرى جمعا بين الحسنيين وتحقيقا للفائدتين، ولهذا تآزرت الكلمتان المنطوقة والمكتوبة حفاظا على كتاب الله أولا، ثم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثانيا، ثم أصول العربية ممثلا في كلام الجاهليين شعرا ونثرا ثالثا  ،ثم تأليفا وتصنيفا لبعض العلوم الناشئة كالتفسير والسير والمغازي رابعا، وحسبنا أن نشير لذلك إشارة مجملة.

(١) ففيما يتعلق بكتاب الله عز وجل: تزاحمت الكلمتان (المنطوقة والمكتوبة) حفاظا على دستور الأمة المحمدية.  فلئن كان الأصل في القرآن التلقي: تلقي الرسول صلى الله عليه وسلم عن جبريل،  ثم تلقي الصحابة عن الرسول صلى الله،  فقد كان الحافظ يرجع إلى الكتاب للتذكر.[ينظر مصادر الشعر الجاهلي د/ ناصر الدين الأسد ص٣٨]  حيث كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم إذا ما نزلت عليه الآيات من القرآن الكريم  أن يتلوها على مسامع  أصحابه رضوان الله عليهم ليحفظوها في صدورهم، ثم يستدعي من أصحابه من هو ماهر بالكتابة فيكتبه،  لتحفظ في السطور من بعد أن حفظت في الصدور. وهذا أمر دل عليه تسمية الذكر الحكيم (قرآنا وكتابا) معا.

قال الدكتور محمد عبد الله دراز عن القرآن :” رُوعِيَ في تسميته قرآنا كونُه متلوا بالألسن(الكلمة المنطوقة) كما رُوعِي في تسميته كتابا كونُه مدونا بالأقلام (الكلمة المكتوبة)، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.

  وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه  العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد،  أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا(أي بالكلمتين المنطوقة والمكتوبة معا) أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافقَ الرسمَ المجمعَ عليه من الأصحاب المنقولَ إلينا جيلا بعد جيل على هيئته التى وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.

وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية -اقتداء بنبيها- بقي القرآن محفوظا في حرز حريز”

[النبأ العظيم د / محمد عبد الله  دراز ص١٣،١٢ دار القلم،  وما بين القوسين شرح منى]

فها أنت ذا ترى كيف زاحمت الكلمة المكتوبة أختها المنطوقة حفاظا على كتاب الله عز وجل.

(٢) وكذلك كانت هذه المزاحمة حفاظا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،  وإن تأخرت المكتوبة شيئا ما عن المنطوقة،  حيث نهى النبي محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه أولا  عن كتابة أحاديثه، ثم أباح لهم أخيرا  ما نهاهم عنه أولا،فتأخر تدوين السنة (لا كتابتها)  شيئا ما، وكان النهي لئلا يضاهي الحديثُ كتابَ الله  فيختلط هذا بهذا في أذهان المسلمين. [انظر السنة ومكانتها في التسريع الإسلامي لمصطفى السباعي ص٧٧:٧٤ ]، فمن هنا ظلت المكتوبة خلف المنطوقة في حفظ الحديث النبوي  الشريف، ليس إهمالا للحديث بل اعتناء أكثر بالقرآن ..حتى بدأ عصر تدوين السنة، فاقتربت الكلمة المنطوقة من المكتوبة شيئا فشيئا حتى نافستها،  وزاحمتها فزحمتها ..فما بقي لنا من مصلدر السنة النبوية إلا دواوينها التى اعتمدت على الكلمة المكتوبة كالمسانيد والموطآت والمعاجم والصحاح والجوامع وغيرها.   

وحتى في مجال رواية الحديث كانت أعلى مراتب الرواية ما عاضدت فيه الكلمةُ المكتوبةُ أختَها المنطوقةَ فيما سُمِّيَ بـ”مجالس الإملاء” ومعناها: (أن يُسمِعَ الشيخُ تلاميذَه أحاديثَ أو ما يتعلق بها، بتمهلٍ يكفي لتحقيق سماعها وكتابتها) أو: (أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس فيتكلم العالم بما فتح الله عليه من العلم ويكتبه التلاميذ،  فيصير كتابا).

وكان لاجتماع  الكلمتين المنطوقة والمكتوبة ههنا، الأثر الكبير في الحفظ، فكان الإملاء أعلى مراتب الرواية كما قال أبو طاهر السلفي:

واظبْ على كتب الأمالي جاهدا

        من أَلسُنِ الحُفَّاظِ والفضلاءِ

فأَجَلُّ أنواعِ السماعِ بأسرها

       ما يكتب الإنسان في الإملاء

هكذا قامت  الكلمة المكتوبة جنبا إلى جنب أختها المنطوقة حفظا لكتاب الله تعالى = كما قامت – متأخرة عنها قليلا –  في حفظ السنة النبوية، ولكنها ما زالت تقترب منها رويدا رويدا حتى سابقتها فسبقتها.

(٣) وكذلك- أي كما كانت المكتوبة متأخرة عن المنطوقة في السنة النبوية – كان الأمر في الشعر الجاهلي، حيث اعتمد جُلُّه في حفظه أولا على السماع والرواية،  وهذا لا ينافي وجود الكتابة للشعر في العصر الجاهلي ..حتى كان عصر التدوين فوقفت الكلمة المكتوبة خلف المنطوقة قليلا في حفظ الشعر، ثم ما لبثت أن سبقتها لما اندثر رواة الشعر فلم يعد بين أيدينا من تراث الجاهلية شعرا ونثرا إلا ما لحقته الأيدى من الضياع  والهلاك بتدوينه شعرا ونثرا على أية شاكلة كان هذا التدوين .

وما زالت الكلمة المكتوبة ردءا لأختها المنطوقة في الحفاظ على تراث الأمة الثقافي وتداول العلم بين الأجيال،  حتى وصلنا لطلاب الجامعات وما كانوا يفعلونه في محاضراتهم (من قبل اختراع الهواتف الذكية ذات القدرة التخزينية الواسعة من مواد صوتية ومرئية) حيث كانوا في المحاضرات يمسكون بأقلامهم تدوينا لما كانوا يسمعونه شرحا من أساتذتهم للكتب العلمية، وإلا يفعلوا ذلك فقد ضاع منهم شرح الأساتذة فأضحوا من ضياع شرح الأساتذة في مهب الريح في الامتحانات.

               *

وكما شُفِعَتْ الكلمةُ المنطوقةُ بالكلمة المكتوبة في حفظ السنة ومحالس الإملاء وحفظ الشعر= فقد شُفِعَتْ المكتوبةُ بأختها المنطوقة في مجالس الإقراء ،وذلك بأن يصنف المصنف كتابا ثم يجلس بين طلاب العلم ليقرئهم هذا الكتاب ثم يجيزهم بروايته وشرحه بالسند المتصل منهم إليه،فهنا كانت المكتوبة أولا تأليفا ثم تلتها المنطوقة إقراء وإجازة

ليتبين لنا من هذا كله أن لا سبيل لنا للاستغناء عن المنطوقة بالمكتوبة، ولا عن المكتوبة بالمنطوقة وأن كلا منهما كالليل والنهار: لا يستقيم العالم بليل دائم ولا بنهار سرمدي قال تعالى (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون* قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون)[القصص الآيتان ٧٢،٧١].

هكذا كان حال الأمة في سلفها من الكلمتين:المنطوقة والمكتوبة،  فماذا عن الأمة في خلفها من هاتين الكلمتين؟

لقد صارت الكلمة المنطوقة  في غالب أمرها عبثا من العبث، من حيث استهلاكها في التنمر والتهكم والسخرية وواستغلالها أداة للإلهاء،  كما غدت الكلمة المكتوبة أيضا في غالب أمرها أداة تملق ونفاق وتسطيح للمعرفة وبعد عن التعمق والجد ..وهذا إن يكن غالبا فإنه لا يمنع أن يكون في أمتنا حتى الآن من لا يزال يقوم للكلمة (منطوقة ومكتوبة ) بحقها ويعرف لها قدرها،  فيستثمر المنطوقة في إثارة حمية المتلقى نحو المعالي، ويستغل المكتوبة في تخليد القضايا المهمة التي تبعث الأمة نحو الحياة من جديد ،وهذا ما سيدلف بنا إلى بيت القصيد من هذه السلسلة إن شاء الله تعالى،  من خلال الحديث عن رجل كانت الكلمة له حياته ونفسه وعقله فمن هو؟

يتبع إن شاء الله تعالى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى