ليس كمثله شيء.. من إشكالات الترجمة الدينية (32)

أ.د. عنتر صلحي | أستاذ الترجمة واللغويات

تأملت في قول الحق سبحانه وتعالى: “ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”. (الشورى: 11)، وتساءلت عن سبب ورود أداتين للتشبيه -ونفيهما- وهما الكاف وكلمة (مثل) في سياق الحديث عن وحدانية الله ونفي الشبيه أو المثل عنه – سبحانه. وكان سؤالي عن الحكمة في وضع الأداتين (كمثله) بدلا من القول: ليس مثل الله شيئ، أو ليس كالله أحد، مثلا. وكان الرد الأول والأسرع الذي وجدته في كتب النحو والتفسير هو أن الزيادة للتأكيد على عدم المماثلة، بل وجدت بعض كتب النحو تذكر أن الكاف زائدة للتأكيد- وفي ذلك تجرأ على النص الحكيم بالقول إن فيه زيادة حتى لو كان لفظ (الزائدة) مجرد مصطلح نحوي. فلما قرأت في كتاب النبأ العظيم للمرحوم الشيخ محمد عبد الله دراز، وجدت عجبا من الفهم العميق والمعاني الرائقة التي لم تكن تخطر ببالي، مما استدعاني لأبحث في ترجماتها عند مترجمي معاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية. فلنبدأ رحلتنا مع الشيخ دراز أولا لنقف على المعاني المختلقة، ثم ندلف بعدها إلى مناقشة الترجمات.

وفي تحليل الشيخ دراز، يستعرض قولينللنحاة والمفسرين ثم يعرض مسلكين آخرين أكثر عمقا وفهما – وروعة- لم يسبق إليهما سواه. فأما مسالك النحاة والمفسرين فهي كالتالي:

  1. الكاف زائدة وجوبا: إن قلت “ليس مثل الله شيء” فقد نفيت احتمالية وجود الشبيه أما إن قلت (كمثله) فقد أثبت وجود الشبيه -حاشا لله- ولكن نفيت المماثلة فقط. من مثل:” ليس لفلان ولدٌ يعاونه”  فهي قد تعني أنه لا ولد له مطلقا، وقد تعني له ولد موجود لكنه لا يعاونه. لذلك لابد أن تكون الكاف هنا زائدة لا حاجة لها – وهو قول قبيح.
  2. البعض قال لا بأس بوجود الكاف، لأن التصور العقلي لنفي مثل المثل يتبعه في العقل نفي المثل أيضًا. والمعنى ببساطة هو إن قلت (أ مثل ب) فإن كلا من (أ) و(ب) مماثل للآخر، فإن نفيت عن (أ) أن يكون له مثيل، فبالتأكيد (ب) كذلك ليس له مثيل، لكن هذا القول متناقض لأننا قلنا من قبل أن (أ مثل ب)، لذلك فوجود الكاف هنا يعني أنه لو كان هناك مثل الله لكان لهذا المثل مثل قطعًا وهو الإله الحق نفسه-حاشاه-، فإن كل متماثلين يعد كلاهما مثلًا لصاحبه، وإذًا لا يتم انتفاء مثل المثل إلا بانتفاء المثل وهو المطلوب. وبتعبير أهل المنطق نفي النفي إثبات.

وكما ترى فإن الرأيين فيهما من التكلف – واللف والدوران- الكثير والذي لاحاجة إليه لبيان المقصد من ورود الكاف هنا. فماذا قال الشيخ دراز رحمه الله؟ ههنا المسلكان اللذان ذكرهما:

  1. أنه لو قيل: “ليس مثله شيء”لكان نفيًا للمثل المكافئ، وهو المثل التام المماثلة فحسب؛ إذ إن هذا المعنى الذي ينساق إليه الفهم من لفظ المثل عند إطلاقه.وإذًا لدب إلى النفس دبيب الوساوس والأوهام: أن لعل هنالك رتبة لا تضارع رتبة الألوهية ولكنها تليها، وأن عسى أن تكون هذه المنزلة للملائكة والأنبياء، أو للكواكب وقوى الطبيعة، أو للجن والأوثان والكهان، فيكون لهم بالإله الحق شبه ما في قدرته أو علمه، وشرك ما في خلقه أو أمره.. فكان وضع هذا الحرف في الكلام إقصاءً للعالم كله عن المماثلة وعما يشبه المماثلة وما يدنو منها.
  2. أن المقصود الأولي من هذه الجملة وهو نفي الشبيه،وإن كان يكفي لأدائه أن يقال: “ليس كالله شيء” أو “ليس مثله شيء” لكن هذا القدر ليس هو كل ما ترمي إليه الآية الكريمة، بل إنها كما تريد أن تعطيك هذا الحكم تريد في الوقت نفسه أن تلفتك إلى وجه حجته وطريق برهانه العقلي.ألا ترى أنك إذا أردت أن تنفي عن امرئ نقيصة في خلقه فقلت: “فلان لا يكذب ولا يبخل” أخرجت كلامك عنه مخرج الدعوى المجردة عن دليلها. فإذا زدت فيهكلمة فقلت: “مثل فلان لا يكذب ولا يبخل” لم تكن بذلك مشيرًا إلى شخص آخر يماثله مبرأً من تلك النقائص، بل كان هذا تبرئة له هو ببرهان كلي، وهو أن من يكون على مثل صفاته وشيمه الكريمة لا يكون كذلك؛ لوجود التنافي بين طبيعة هذه الصفات وبين ذلك النقص الموهوم.على هذا المنهج البليغ وضعت الآية الحكيمة قائلة: “مثله تعالى لا يكون له مثل”. تعني أن من كانت له تلك الصفات الحسنى وذلك المثل الأعلى لا يمكن أن يكون له شبيه، ولا يتسع الوجود لاثنين من جنسه. وصدق الله العظيم: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا”.

يختم الشيخ دراز رحمه الله بقوله: أرأيت كم أفدنا من هذه “الكاف” وجوهًا من المعاني كلها شافٍ كافٍ؟

والآن وبعد هذه السياحة الفكرية اللغوية الإيمانية في معاني الكاف في (كمثله) من نفي الشبيه أو قريب الشبيه أو إقامة الحجة على نفي الشبيه، ما عسى يفعل مترجمو القرآن لنقل هذه المعاني المتراكبة بعضها فوق بعض، كلها تثير في النفس الطمأنينة واليقين؟!، فلننظر:

من استعراض أحد عشر ترجمةً، نجد أن مسالك المترجمين أربعة – ولنغض النظر الآن عن ترجمة الأسماء الحسنى في نهاية الآية التي سنفرد لها مقالا مستقلا إن شاء الله-:

المسلك الأول:

Muhammad Sarwar: There is certainly nothing like Him. He is All-hearing and All-aware.

AbdulHaleem: There is nothing like Him: He is the All Hearing,the All Seeing.

Ghali: There is not anything like Him (whatsoever), and He is The EverHearing, The EveBeholding.

  1. البعض اعتبر أن الكاف زائدة كما قال النحاة، فأسقطوها من حساباتهم تماما، وترجموا الآية بمعنى “لا شيء مثله” بأداة واحدة للتشبيه مع النفي، فاستخدموا تعبير nothing like Him وإن كان محمد سرور أضاف  certainly ومحمد غالي whatsoever  محاولة منهم للتأكيد.

المسلك الثاني:

Sahih International: There is nothing like unto Him, and He is the Hearing, the Seeing.

Yusuf Ali: there is nothing whatever like unto Him, and He is the One that hears and sees (all things).

MohsinKhan: There is nothing like unto Him, and He is the All-Hearer, the All-Seer.

The Study Quran: naught is like unto Him, yet He is the Hearer,the Seer.

  1. الطائفةالثانيةاختارت أن تضيف لتعبير نفي التشبيه زيادة تعكس الزيادة التي في الأصل، فاستخدم مترجموها التعبير التراثي nothing like unto Him بزيادة الحرف unto وهو حرف يكثر في الكتابات الأدبية والدينية القديمة، ويندر استخدامه في اللغة المعاصرة – إلا في بعض السياقات الأكاديمية – التي تستعيض عنه بالتوسع في استخدام to، فجملة مثل The Lod spoke unto him  تقال اليوم باستخدام  to  مكان unto وفي ترجمة الملك جيمس لسفر التثنية رقم 18:18 نجد النص العربي:أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ

يقابله بالإنجليزية:I will raise them up a Prophet from among their brethren, like unto thee

كما نجدها في عبارات أخرى مثل – وهي في كتاب المورمون-:

: Jacob said, “Think of your brethren like unto yourselves, and be familiar with all and free with your substance, that they may be rich like unto you

من ذلك نستنتج أن زيادة  unto هي زيادة أدبية توحي بالقدم لكنها لا تزيد على تعبير المماثلة أو التشبيه شيئا.

وهذه الترجمة هي التي اختارتها مترجمات الصحيحة الدولية، واختارها يوسف علي المعروف بلغته الأدبية الراقية وزاد فيها whatever  للتأكيد، ومحسن خان مترجم نسخة مجمع الملك فهد، وسيد حسين نصر وإن كان خالفهم في أسلوب النفي، فاستخدم الاثبات مع لفظة العدم naught وهذا يقودنا إلى المسلك الثالث للمترجمين.

المسلك الثالث:

Pickthall: Naught is as His likeness; and He is the Hearer, the Seer.

Arberry: Like Him there is naught; He is the All-hearing, the All-seeing.

  1. الفرقة الثالثة استخدمت naught وهي لفظة قديمة تعني الغير مرئي -وهو هنا الشيطان أو الأرواح الشريرة التي تتلاعب بالبشر دون أن يروها وبقي من هذا المعنى الصفة naughty– ولغلبة الفكر المادي الغربي اعتبر غير المرئي يساوي انعدام الوجود وبالتالي naught هي الصفر  nought (في الإنجليزية البريطانية) وهي اللاشيء. لكن الإشكالية الثانية هي أن الفلاسفة يرون أن العدم لا يساوي اللاوجود ولذلك عندما يقول الملحدون منهم إن الكون خلق من عدم لا يقصدون بذلك انعدام وجود الأشياء تماما، لذا فالكلمة في أقل تقدير تخالف بنية النص القرآني الأصلي الذي ينفي الشبيه، في مقابل الترجمة التي تثبت عدم وجود الشبيه، ونفي الوجود لا يعني -دائما- إثبات العدم.

المسلك الرابع:

Shakir: nothing like a likeness of Him; and He is the Hearing, the Seeing.

Jusur: The like ofHim has nothing like him, and He is the All Hearing, the All-Seeing

  1. أما أصحاب المسلك الرابع، فقد توقفوا أما التعبير القرآني الفريد وحاولوا إما نقله حرفيا كما فعل شاكير بقوله: nothing like a likeness of Him أي “لا شيء يشابه ما يشابهه -سبحانه”، وأما المهندس فاضل سليمان في ترجمة جسور الأخير فقد فصّل المعني بقوله The like of Him has nothing like him أي إن مثيله -حاشاه سبحانه- لا مثيل له،ولاحظ طبيعة الحرف الاستهلالي في ضمير الغائبفهي حرف كبير في Him  الأولى التي تشير للحق سبحانه وحرف صغير في  him  الثانية التي تشير للمثيل المزعوم.

وفي رأي أن أصحاب المسلك الرابع هم من وفق إلى تقريب معنى التركيب للفريد للآية العظيمة، وإن كان التركيب غير مألوف لدى أهل اللغة الإنجليزية، يتلوهم أصحاب المسلك الثاني في استخدامهم للفظة دينية تراثية زائدة تحاول مقابلة الزيادة -التي رأينا أنها غير زائدة- في الأصل. والله أعلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى