قراءة في رواية: ” ما رآه سامي يعقوب،” لـ”عزت القمحاوي”.. الأمل عندما يتحول إلى كابوس

مرفت يس | قاصة وناقدة مصرية

 

“مصر تتغير يا أخي ظل يرددها بإصرار، وأحس أنه بذلك أسقط عن جسمه جلد الشخص الهش الذي يعرفه يوسف. أراد أن يقول ” إنني أتغير يا أخي” 

إنها رائحة الأمل التي تشممها سامي يعقوب وهو وسط الثوار في ميدان التحرير ومشى خلفها منتشيًا  لتخرجه من شرنقته التي أُحيط بها لسنوات عمره العديدة – ليستبدل حروف الألم بها – منذ كان طفلا لكنها سرعان ماتنضب  فيمر بمزيد من الخيبات والإنكسارات. 

الرواية ممتلئة بالكثير من الدلالات بدء من العنوان نفسه “ما رآه سامي يعقوب”  التى تكشف أن أحداثها هي مجرد  آحلام أو حقائق تحدث  وسيتكرر حدوثها مع البطل 

 يبدأ السرد بمشهد لسامي يجلس بجوار شجرة بونسيانا تلك الشجرة  التي أُفترشت من زهورها المتساقطة سجادة فوقها  قطان في مشهد حميمي يثير شغف سامي – رغم كراهيته للقطط – فيفتح عدسة موبايله ليصور المشهد حتى تراه حبيبته التي ينتظر منها اتصالا ليصعد شقتها ،وهنا دلالة القطة التي تدل على الأنانية والغدركما يصفها الكاتب نفسه فهو لايحبها  فابستثناء القطط استطاع التفاهم مع الحيوانات والطيور والحشرات بأسهل مما استطاع مع البشر فهى صياد يصطاد من أجل التلذذ بفريسته وإثارة ذعرها كزوار الليل الذين اقتادوا والده إلى المعتقل وسيكون له نصيب من الذعرالذي أصابه  منهم أيضًا.

“بعكس الوحوش الأقوى كالأسود والنمور ،لاتصطاد القطط لمجرد أن تأكل ، لكن يمكنها أن تفعل ذلك لمجرد التلذذ بذعر الفريسة، تغرس أنيابها في حبلها الشوكي وتشل أعصابها ، ثم تشرع في التلاعب، بها بتأن . “

وأثناء تصويره لمشهدالقطط  يرتدبنا السرد   للماضى القريب حيث اتفق على زيارة حبيبته فريدة في شقتها للمرة الأولى ليحتفل بعيد ميلاده عندها و الماضي  البعيد حيث  حكايات الأب والجد والآخ . بنى الراوي روايته بتكثيف شديد  كعرض مسرحي كما يتردد على لسان  سامي طوال وصفه لما يحدث حوله من تصرفات الأب مقارنة  بآليس الأم  والآخرين بأنها عروض.

فكل حدث مر به سامي يعقوب هو حدث مكرر معاد تمثيلة   شاهد في أحلامه  موت الأب وموت الأم وموت يوسف حتى شجارات والديه المتكررة كان يراها قبل أن تقع .

” وهذا هو سره الصغير الذى جعله يرى الحياة عرضًا قابلا للتكرار؛ فيستقبل الأحداث المبهجة دون لهفة والأحداث الحزينة دون جزع . “

  ينقلنا الكاتب بين عدة مشاهد  بداية من وفاة الجد حتى انكماش سامى داخل  منزلة  وحيدا مرورا بالعديد من الأحداث خلال 70 عاما

ودلالة اسم سامي يعقوب نفسه ولماذا اختار الكاتب أن يكون بطل روايته قبطي يتشمم رائحة الأمل أثناء تواجده في ميدان التحرير الأمل في الحرية والعدالة الإجتماعية والمساواة شعارات ثورة 25 يناير التي سرعان ماانقلبت كابوسا بموت أخيه يوسف .

والمقارنة بين حى جاردن سيتي الذي يعيش فيه سامى وحى إمبابة حيث تسكن فريدة  رغم أن كلا منهما يطل على النيل فهى دلالة أخرى على الفوارق الاجتماعية التي كان الأمل في ثورة يناير لتمحوها .  

ارتكز الكاتب في سرده على كتابة  تفصيلية لتواريخ أحداث  الرواية  من ميلاد الشخصيات وتواريخ وفياتها باليوم والشهر والسنة وأحيانا بالساعات أيضًا وهذا يمكن أن نعتبره دلالة رمزية على تأكيد واقعية الأحداث فسامي يعقوب شخصية تعيش فينا ومعنا وهو جزء منا. 

القهر 

 القهر تيمة متكررة تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل .يبدأ إحساس سامي  بالقهر الذي سبقه إليه الأب والجد   أشار لها ويعبر عنها بمدلولات خاطفة في نوفيلا لاتتجاوز صفحاتها 140 صفحة

وعبقرية السرد  هنا تكمن ف تكثيف عالى يدور في حركة دائرية يبدأ  من مشهد القطط الحميمي الذي يوثقه سامى بعدسة موبايلة في يوم ميلاده في التاسع من أكتوبر 2017ليرتد إلى حقب من تاريخ مصر ماقبل ثورة 1952.

مستخدما تقنية الفلاش باك للتنقل بين  الماضى والحاضر في ترابط ممتع، الجد محور الأحداث في الرواية فهو بداية الإحساس بالقهر  لما له من تأثير على شخصية الأب الذي قضى حياته في رفع خمسة وثلاثين قضية خلال سته وثلاثين عاما من وفاة الجد لرد شرفه وحتى يسمح له بالاحتفال بذكرى ميلاده في التحرير  وطبعا التحرير لما له من رمزيته ودلالته التي انتهت بسجن الأب  عقب تذمر عمال.المحلة في 6 ابريل ….

وارتياب الجهات الأمنية فيه ظنا منهم أنه يحشد الحشود في الميدان ليموت في المعتقل وبعده  بثلاثة أشهر تموت أليس الأم بعد وفاة الأب بثلاث سنوات تبدأ ثورة 25 يناير فيموت يوسف أخو سامي بعد عودته من ألمانيا قلقا على أخيه وحتى يضمن عدم نزوله للميدان

لكن للمفارقة ينزل سامي فينزل خلفه يوسف يحثه على العودة فيقتل يوسف في الميدان برصاصة الغدر، فيتشرنق سامي  على نفسه ثانية  ينعزل بعيدا عن السياسة  لايشاهد غير قنوات الأفلام . أثناء تقليبه بالمصادفة تستوقفه صورة يوسف وأحد المذيعين يتهمه بأنه جاسوس يهودى أندس داخل الميدان لتتعدد القصص والحكايات عن يوسف وكأنهم يخترعون له حيوات أخرى تخدم رواية كبرى يتم حبكها بعناية شديدة وهنا إشارة واضحة لما نراه في وسائل الإعلام من تضليل وتزييف للحقائق ليصل لنهاية الرواية  إلى منزله بعد تحقيق تعرض له حيث  أقتيد أثناء تصويره للقطين لمبنى كبير بتهمة التصوير لمنشأة محظور التصوير عندها كما يتضح في السرد فتنكسر فيه كل رغبة في الحياة فيعود لشقته يدخل شرنقته ثانية متابعا وميض اهتزازات هاتفة بابتسامة تائهة.

الحب 

 تيمة الحب متواجدة في كل كتابات القمحاوي مرتبطة  بتيمة الأمل والإحتفاء بالحياة وإيجاد مبررا لعيشها. ولم يخرج سامي من شرنقته إلا حبه لفريدة “عندما  وقعت عيناه على فريدة أول مرة جمدته الدهشة ” لقد عشت هذا من قبل ” وأحس أن الحياة عادت عرضا لطيفا وأنه لم يفقد ملكة رؤية الأشياء قبل وقوعها. طوت بدفئها كل الحزن،وأثبتت أن الواقع يمكن أن يكون أجمل من عرض فني . عادت ابتسامته تظلل وجهه، ولم تستهجنها فريدة أو تراب منها، بل أحبتها.”

لكنها دائما تنتهي نهاية درامية في روايته “يكفى أننا معا ” كان فارق السن عائقا  أمام بطلا الرواية ، في” بيت الديب”  تم اختطاف مباركة من حبيبها وفى “غرفة ترى النيل ” بطل الرواية عيسى  لم يتزوج حبيبته أيضا وهنا  سامي يعقوب حبه لفريدة درامي فهو لن يستطيع أن يجتمع معها تحت سقف واحد لقوانين صارمة فرضتها الحماة على الأرملة إذا تزوجت حرمت من بنتيها 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى