في مواجهة المأزق الوطني الراهن

بقلم: يونس العموري

اللوحة للفنانة الأوكرانية يانا موفتشان – 1971

حيث ان الحالة الوطنية الفلسطينية قد وصلت الى واقع غير مسبوق بالعبثية وانسداد الافاق بمختلف اشكاله والقضاء على امكانية خلق واقعا مقاوما استنهاضيا جراء تجفيف بؤر المقاومة والقضاء عليها واصدار الفتاوى التي قد تصل الى حد اعتبارها رجسا من افعال الشياطين ممن باتوا اليوم يعتلون منصات الامامة والخطابة والتصريحات الإعلامية المتناثرة هنا وهناك … وحيث إن الاقتتال الداخلي والانقسام والانقلاب قد احتل الجزء الاكبر من المشهد العام الذي يسيطر على فلسطينيتنا… وحيث ان عبثية التنظير قد صارت حرفة لمن لا حرفة له لتسويق المشبوه وقد اضحى سيد الموقف، وبما ان الرويبضة تنطق جهارا نهارا فلابد اذن من وقفة جادة ، وحيث ان الاستباحة لكل المحرمات الوطنية قد صارت الاعتيادية والاعتداء على الثوابت صار الأمر الطبيعي، وحيث ان اللحظة تتطلب موقفا وطنيا بامتياز بعيدا عن الحسابات التنظيمية ، فلابد من المجاهرة بالموقف واعلاءه والعمل على تحشيد الرأي العام حوله.

وهو الخراب الذي طال كل اركان البناء، وهو الانهيار لمعادلة التمرد واصحاح الثوار ومعول الهدم بات يطال حتى التاريخ المُسلم به والثابت والثوابت، وحوار الطرشان وتناحر سواري الرايات التي تطاولت على حساب راية الاوطان، وهو تضارب المصالح والتمركز خلف متاريس التكفير والتخوين والتحريم، وليلة بحضن دهاليز تصارع الأضداد في صياغة نظريات المؤامرة خدمة للأسياد في ظل تدافع العبيد …

انه وبناء على ما تقدم ودون الاطالة بالشروحات المعلومة والمعروفة للحالة الوصفية التوصيفية للواقع الراهن، ولمواجهة المأزق الذي باتت القضية الفلسطينية تعيشه بعناوينها المتمثلة بالإرباك والتخبط والتشرذم كحالة عامة نعايشها بالظرف الراهن، فلابد من التداعي لمؤتمر وطني شعبي فلسطيني جامع يضم الكل الفسيفسائي الوطني للبحث بالكيفية الراهنة ويكون قوام هذا المؤتمر من الكل الوطني ولكل المؤسسات والشخصيات والفعاليات الوازنة لإيقاف المهزلة وحالة الانهيار واستمرار فصول العبثية….

ايها السادة انه وفي ظل الواقع الفلسطيني الراهن، من الواضح ان الحوار الوطني الفلسطيني في اطار المؤتمر الوطني الشعبي الموازي لاختطاف المجلس الوطني المؤسسة التي من المفروض انها جامعة وسيدة نفسها وقادرة على صياغة منظومة القرارات المتوافقة والمنسجمة والمصالح العليا للشعب ولأهدافه وتطلعاته، قد بات ضرورة اقليمية لعدة اعتبارات لعل اهمها وابرزها انقسام المنطقة بشكل رأسي ما بين مناهج متناقضة ومختلفة تمام الاختلاف، قبل ان يرتقي لأن يشكل ضرورة وطنية شعبية، وهو الأمر الملاحظ والملموس من خلال تحركات القادة الفلسطينيين والإقليميين عربا كانوا ام غير ذلك، وعلى مختلف توجهاتهم ومستوياتهم وهو ما تبدو عليه الأمور حتى اللحظة وما تعكسه السجالات الفلسطينية المختلفة على أكثر من عنوان وعلى اكثر من قضية والملفت للانتباه هنا ان هذه العناوين والقضايا التي باتت محل خلاف واختلاف لا يمكن حلها من خلال جلسات الحوار الوطني ثنائية الشكل بين رأسي الانقسام على اعتبار انها قضايا ذات ابعاد استراتيجية اولا وتتطلب التوافق على الإطار العام الذي لابد من ان يراعي هكذا اختلافات وتنوعات بالفهم الأيدلوجي للمسائل وللفهم السياسي من مختلف القضايا التي يتشكل الخلاف عليها الأن مع الأخذ بعين الاعتبار انه ثمة الكثير من هذه المسائل من الممكن التوصل الى ما يمكننا ان نسميه توافق وطني عليها اذا ما تم التوافق على المعايير التي من شأنها قياس ماهية المصالح الوطنية وضروراتها بالدرجة الأولى… واعتقد بهذا السياق ان مسألة تحديد الأولويات الوطنية يلزمه اولا التوافق الوطني واستيعاب الأخر في حلبة التنوع الوطني الفلسطيني والتسليم بأن فلسطين لا يمكن احتكار قضيتها من هذا الفصيل او ذاك الحزب… وهنا لابد من اعادة الأمور الى نصابها الصحيح بمعنى لابد من اعادة الاعتبار للبيت الجامع للكل الوطني الفلسطيني والمتمثل باللحظة الراهنة بمنظمة التحرير (المتغول عليها من قبل السلطة) والتي وبلا ادنى شك لابد من اعادة صياغة مفاهيمها وتنشيط مؤسساتها واعادة ريادتيها الى الواجهة والى ما يجب ان تكون عليه… وهنا لابد من الاعتراف ان الواقع الفلسطيني الراهن وبصرف النظر عن التسميات والمسميات قد اختلف في ظل المتغيرات العربية والاقليمية حيث الاطروحة الامريكية الاقرب الى دفع الجانب الفلسطيني بالتسليم بما يسمى منهج التسوية السياسية وتقديم التنازلات التي من خلالها سيتم تصفية القضية الوطنية والحقوق التاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني وهو ما يجري الرهان عليه في ظل وقائع المرحلة عموما…. بعد ان كان النجاح بتصفية نهج المقاومة المبرمجة من قبل الفصائل الوطنية على مختلف مشاربها وبات عنوان المرحلة اننا لا نريد منح الجانب الاسرائيلي الفرصة لجرنا الى ما يسمى دائرة العنف….

ان الكثير من قوانين اللعبة السياسية على المستوى المحلي او الإقليمي وحتى الدولي قد صارت مختلفة تماما ما بعد المتغيرات السياسية القيادية في المنطقة وتبدل الاوجه والمناهج وحقيقة الصراعات الدائرة رحاها على اكثر من جبهة وصعيد وبالتالي فإن هذه المتغيرات قد خلقت واقعا فلسطينيا جديدا يتطلب اعادة النظر بالكثير من المفاهيم وبذات الوقت لابد من اعادة تقييم ونقد للمسار الفلسطيني برمته سواء أكان الرسمي والمتمثل بمسار قيادة م. ت. ف او قيادة السلطة الفلسطينية والأمر ذاته فيما يخص باقي القوى والفصائل وحتى تلك التنظيمات التي تنطوي الأن في الإطار المتناقض ومنظمة التحرير… وحتى يكون النقاش او الحوار ذا معنى وبالتالي يقدم نفسه كمقدمة من مقدمات التوافق الوطني عموما اعتقد انه لابد من التسليم بالاتي:

ان نهج التسوية قد فشل وبات عاجزا عن تقديم الحلول لأبجديات الصراع. او تقديم الاطروحات التي من شأنها معالجة واقع الاشتباك.

ان المشهد الإقليمي والدولي يتمظهر اليوم بسلسلة من الهزائم السياسية والعسكرية والنفسية للقوى المعادية لتحرر الشعوب والتي قادت مسيرة استعباد الأمم والجماهير. إذ أثبت خيار المقاومة فعاليته وأفضى إلى تراجع المشروع الأميركي الإسرائيلي في أكثر من منطقة على الساحة الإقليمية، وبات هذا الخيار هو المعطى الاستراتيجي الذي لا مجال للتشكيك فيه.

ان المسلسل العدواني مني بالفشل والإخفاق فالمنطقة العربية اليوم على غير ما أرادته إدارة العدوان الأميركي/ الإسرائيلي فموازين القوى تتبدّل في غير مصلحتها.

إن المقاومة في فلسطين وفي لبنان المحتضنة من أهلها هزمت مشروع “الشرق الأوسط الجديد” أو “الكبير” وأحدثت تحوّلاً تاريخياً في مسار الصراع العربي/ الإسرائيلي ومواجهة المشروع الامبراطوري الأميركي.

ان هذه المرحلة التي حقق فيها نهج الممانعة والمقاومة صمودا امام تغولات المناهج الأخرى، شهدت كذلك تواطؤ مع رأس الحربة في مواجهة الاهداف الوطنية والعربية.

لابد من اعادة التأكيد على ان فعل مواجهة العدوان وتحريرالاراضي المحتلة يبقيان القضية المركزية التي لا يجوز التحول عنها، وخلق صراعات جانبية مفتعلة تضعف من المواجهة ذاتها.

لابد من ترسيخ مفاهيم الفعل المقاوم وتثبيت أن المقاومة هي مقاومة الجماهير وليست مقاومة حزب او فئة او تيار محدد وهي مقاومة تتناقلها الاجيال في سياق حركة التحرر الوطنية.

لابد من اعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني من خلال العودة الى ميثاقها لعام 1968، وتبني خط المقاومة وتأكيد حق العودة وإعادة بنائها كحركة تحرير ومقاومة بحيث تضم قوى وفصائل المقاومة كافة، والتي اثبتت حضورها في الساحة الوطنية ومقاومتها للعدوان وسعيها لتحرير كامل ارضها، ورفضها لممارسة اي ضغوط عليها من أية جهة للتخلي عن قناعاتها ومفاهيميها الإستراتيجية.

لابد من اعادة الاعتبار لقوانين مرحلة التحرر الوطني.

اعتقد ان الحاجة لترميم البيت الفلسطيني وكما أسلفنا الذكر قد اضحى حاجة اقليمية لأكثر من سبب او مسبب لعل اهمها ما ورد اعلاه. ولابد من الانتباه الى المخاطر الكبيرة والخطيرة والتي باتت تهدد القضية الفلسطينية برمتها وعلى مختلف الصعد. ومن هنا من الممكن فهم هذه الحاجات الإقليمية لتحقيق انجاز التوافق الوطني بحيث ان هذه المخاطر قد اصبحت تشكل مخاطر تهدد اركان الكيان الوطني الفلسطيني وهويته الحضارية. ولابد من اعادة قراءة المشهد من جديد وتحديدا ما يتضح بالصورة الأن على المستوى الإسرائيلي والذي صار يخترع اشكال جديدة لرؤيته المسماة سلامية كنوع من اعادة لإنتاج الرؤية السياسية الإسرائيلية لذر الرماد بالعيون من جديد.

وحيث ذلك اعتقد ان الحاجة ملحة وملحة جدا لإعادة الاعتبار للموقف الوطني من خلال التصدي لكل اشكال العبث التي تتمظهر الأن بأكثر من صورة وعلى مختلف الجبهات والصعد، وبالتالي فإن التداعي لعقد مؤتمر وطني شعبي جامع وعارم أصبح ضرورة قصوى لوقف النزف والعبثية بالساحة الفلسطينية عموما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى