أدب

اغتراب الشخصية وموت الحوار في قصة “عروس في علبة مخملية” للكاتب هشام العطار

دراسة نقدية في ثنايا الوجع والمكان

بقلم د. منال رشاد

أولا – نصّ القصة

عَرُوسٌ فِي عُلْبَةٍ مَخْمَلِيَّةٍ
قِصَّةٌ بِقَلَمِ: هِشَامِ الْعَطَّارِ

كُنْتُ عَائِدَةً مِنْ جَوْلَةِ التَّسَوُّقِ الْأُسْبُوعِيَّةِ، دَخَلْتُ بِسَيَّارَتِي الْفَارِهَةِ عَبْرَ بَوَّابَتِي الرَّئِيسِيَّةِ كَالْعَادَةِ، وَلَكِنَّ الْحَارِسَ أَشَارَ لِسَائِقِي أَنْ يَنْتَظِرَ، فَأَعْطَانِي كُتَيِّبًا مُصَوَّرًا وَبَعْضَ الْمُخَطَّطَاتِ الْهَنْدَسِيَّةِ وَبِطَاقَةً وَرَقِيَّةً أَنِيقَةً مَكْتُوبًا عَلَيْهَا: “مَعَ تَحِيَّاتِ مَكْتَبِ التَّصْمِيمَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ الْمُبْتَكَرَةِ، مُهَنْدِسُ خَالِد وَشَرِيكَتُهُ سِهَام”.
زَارَتْنِي الْمُهَنْدِسَةُ سِهَام فَقَالَتْ:
-هَلْ تُرِيدِينَ تَصْمِيمَاتٍ شَرْقِيَّةً كَالَّتِي نَفَّذْنَاهَا بِبَيْتِ أَخِيكِ “أَبُو رَاشِد”؟
-أَبْغِي شَيْئًا مُخْتَلِفًا، لَقَدْ سَئِمْتُ مَنَاظِرَ بَاقَاتِ الْوُرُودِ وَأَحْوَاضِ الزُّهُورِ بِالْحَدِيقَةِ، دِيكُورَاتِ الْبَهْوِ، النَّوَافِيرَ التَّقْلِيدِيَّةَ، أَطْقُمَ صَالُونَاتِ الِاسْتِقْبَالِ، مَفْرُوشَاتِ غُرَفِ النَّوْمِ، مَجَالِسَ النِّسَاءِ وَحَتَّى زَخَارِفَ رُخَامِ الْحَمَّامَاتِ ضَجِرْتُ مِنْهَا.
لَقَدْ مَلِلْتُ حَتَّى مِنَ اللَّافِتَةِ الرُّخَامِيَّةِ أَعْلَى الْبَوَّابَةِ الْخَارِجِيَّةِ وَالْمَحْفُورِ عَلَيْهَا بِالْخَطِّ الْكُوفِيِّ عِبَارَةُ “بَيْتُ آلِ رَاشِد”، أَوْدُّ تَبْدِيلَهَا بِلَوْحَةٍ فِضِّيَّةٍ تَحْمِلُ عِبَارَةَ “بَيْتُ الْعَنُودِ”.
الْحَقِيقَةُ أَنَّنِي لَا أَبْغِي تَصْمِيمَاتٍ تَقْلِيدِيَّةً وَلَا حَدِيثَةً.
-إِذًا مَاذَا تُرِيدِينَ؟
قَدَّمْتُ لَهَا كِتَابَ صُوَرِي الْعَائِلِيَّةِ وَأَرْدَفْتُ:-
-أُرِيدُ تَصْمِيمًا مِنْ وَحْيِ سِجِلِّ ذِكْرَيَاتِي هَذَا.
ارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهَا عَلَامَاتُ الْحَيْرَةِ وَالِانْدِهَاشِ، وَضَعَتْ كُوبَ الْعَصِيرِ عَلَى الطَّاوِلَةِ الْمَرْمَرِيَّةِ وَصَارَتْ تُقَلِّبُ فِي الْكِتَابِ عَسَى أَنْ تَحْصُلَ عَلَى فِكْرَةٍ تُخْرِجُهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَأْزَقِ.
-انْظُرِي، هَذِهِ دَارُنَا الْقَدِيمَةُ. سَقْفُهَا خَشَبِيٌّ وَخِزَانَةُ الْمَلَابِسِ عِبَارَةٌ عَنْ صُنْدُوقٍ زُخْرُفِيٍّ مَوْضُوعٍ عَلَى الْأَرْضِ.
ظَهَرَ فِي الصُّورَةِ ابْنُ عَمِّي
“حَمُّود”
كَانَ يَخْتَلِسُ النَّظَرَ إِلَى صَدْرِي وَأَنَا ابْنَةُ الْعِشْرِينَ أَدْرُسُ عُلُومَ التَّرْبِيَةِ فِي الْجَامِعَةِ. لَقَدْ رَفَضَ أَبِي زَوَاجَهُ مِنِّي لِأُكْمِلَ دِرَاسَتِي فَتَرَكَنِي وَخَطَبَ فَتَاةً سُورِيَّةً.
-وَتِلْكَ صُورَةُ دَارِ خَالَتِي فِي مَدِينَةِ الْخَلِيجِ الْعَرَبِيِّ الْجَدِيدَةِ،
إِنَّهَا دَارٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الطِّرَازِ الْأَنْدَلُسِيِّ شَيَّدَهَا ابْنُهَا “جَاسِم آل صَالِح”
بَعْدَ حُصُولِهِ عَلَى شَهَادَةِ الدِّرَاسَاتِ الْعُلْيَا مِنْ أَمْرِيكَا. عُدْتُ يَوْمَهَا مِنْ عَمَلِي بَعْدَ أَنْ اسْتَلَمْتُ صَكَّ الْأَرْضِ وَالْمِنْحَةَ الْأَمِيرِيَّةَ. زُرْتُ بَيْتَ خَالَتِي لِأَسْتَشِيرَ جَاسِمًا فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ الْجَدِيدِ.
اقْتَرَبَ مِنِّي لِيُقَدِّمَ لِي الْمَشُورَةَ. شَعَرْتُ بِدِفْءِ أَنْفَاسِهِ عِنْدَمَا هَامَسَنِي وَاسْتَنْشَقْتُ عِطْرَ الْعُودِ الَّذِي كَانَ يَفُوحُ مِنْ غُتْرَتِهِ، لَقَدْ كَانَ يُشْعِرُنِي بِجَمَالِي وَيُدَاعِبُ أُنُوثَتِي. عِنْدَمَا طَلَبَنِي لِلزَّوَاجِ قَالَ لَهُ أَبِي:
-الْمَهْرُ لَا يَقِلُّ عَنْ مِلْيُونِ رِيَالٍ يَا جَاسِمُ يَا وَلَدِي، وَمِلْيُونٌ أُخْرَى تَدْفَعُهَا لِحَفْلِ الْعُرْسِ. جِهَازُ الْعَرُوسِ مِنْ فَرَنْسَا. وَتَذَكَّرْ يَا بُنَيَّ أَنَّنَا آلُ رَاشِد، لَسْنَا أَقَلَّ مِنْ آلِ صَالِح مَكَانَةً بَيْنَ الْقَبَائِلِ. إِنْ قَبِلْنَا بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا مَاذَا سَيَقُولُ أَهْلُ الدِّيرَةِ عَنَّا؟
اخْتَفَى جَاسِمٌ بَعْدَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، سَمِعْتُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مِنِ ابْنَةِ خَالِهِ فِي نَفْسِ الشَّهْرِ.
فِي آخِرِ كِتَابِ الصُّوَرِ لَمَحَتْ سِهَامُ صُورَةً الْتُقِطَتْ فِي دَارِ زَوْجَةِ عَمِّي الْمِصْرِيَّةِ بِمَدِينَةِ نَصْر بِالْقَاهِرَةِ. إِنَّهُ بَيْتٌ مَبْنِيٌّ عَلَى طِرَازٍ حَدِيثٍ أَرْكَانُهُ مُزَيَّنَةٌ بِأَشْكَالٍ هَنْدَسِيَّةٍ وَطَاوِلَاتٍ زُجَاجِيَّةٍ.
قَالَتْ زَوْجَةُ عَمِّي:
-مَا زِلْتِ جَمِيلَةً يَا عَنُودُ رَغْمَ مُرُورِ الْأَيَّامِ، هَلْ أَعْجَبَكِ الْبَيْتُ؟ حُسَام ابْنَ أَخِي هُوَ الَّذِي بَاشَرَ التَّصْمِيمَاتِ، فَهُوَ مُتَخَرِّجٌ حَدِيثًا مِنَ الْجَامِعَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ بِالْقَاهِرَةِ
تَحَمَّسْتُ فَجْأَةً فَقُلْتُ:
-اخْتِيَارَاتُكَ رَائِعَةٌ يَا حُسَامُ، مَا رَأْيُكَ أَنْ تُشَارِكَنِي لِنُؤَسِّسَ شَرِكَةَ تَصْمِيمَاتٍ بِالْخَلِيجِ؟ أَنَا بِالْمَالِ وَأَنْتَ بِمَجْهُودِكَ.
-أَشْكُرُكِ يَا خَالَةُ عَلَى هَذَا الْعَرْضِ، وَلَكِنَّنِي أَنْوِي الْهِجْرَةَ لِأَمْرِيكَا.
أَفْزَعَتْنِي كَلِمَةُ
“يَا خَالَةُ”
، لَكِنَّهُ مُحِقٌّ، فَأَنَا أَكْبَرُهُ بِنَحْوِ عِشْرِينَ عَامًا. حَلِمْتُ بِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَرْكَبُ حِصَانًا أَبْيَضَ يَتَحَوَّلُ إِلَى طَائِرَةٍ. كَانَ حُلْمًا فِضِّيًّا غَرِيبًا.
عِنْدَمَا الْتَحَقْتُ بِالْجَامِعَةِ كُنْتُ أَرَى الْمُسْتَقْبَلَ فِي أَحْلَامٍ ذَهَبِيَّةٍ، وَمُؤَخَّرًا رَأَيْتُ الْمَاضِيَ فِي أَحْلَامٍ فِضِّيَّةٍ. كَانَ الْحِصَانُ هُوَ آخِرَ أَحْلَامِي الْفِضِّيَّةِ. الْآنَ هَجَرَتْنِي أَحْلَامِي وَاصْطَبَغَتْ مَنَامَاتِي بِصِبْغَةٍ رَمَادِيَّةٍ مَزَّقَتْهَا الْكَوَابِيسُ السَّوْدَاءُ الْمُرْعِبَةُ.
تَأَمَّلَتْ سِهَامُ فِي نُجُومِ سَمَائِي الَّتِي اخْتَفَتْ. مَرَّتْ بِنَا لَحَظَاتُ صَمْتٍ. لَمْ أَدْرِ مَاذَا أَقُولُ لَهَا وَمَاذَا أَطْلُبُ مِنْهَا. لَمْ يَتَحَرَّكْ صَمْتِي. وَجَدَتْ سِهَامُ نَفْسَهَا فِي حَرَجٍ شَدِيدٍ فَخَافَتْ أَنْ يَقْتُلَ السُّكُوت طُمُوحَهَا فِي إِقْنَاعِي فَاسْتَأْذَنَتْنِي فِي الِانْصِرَافِ. فَقَدْ كَانَ زَوْجُهَا وَأَوْلَادُهَا يَنْتَظِرُونَهَا فِي سَيَّارَتِهِمْ أَمَامَ الْقَصْرِ.
قَالَتِ الْخَادِمَةُ:
-أَلَا تَصْعَدِينَ إِلَى مَخْدَعِكِ يَا سَيِّدَتِي؟
-سَأَمْضِي بَعْضَ الْوَقْتِ هُنَا. اِذْهَبِي لِنَوْمِكِ. أَرَاكِ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
خَفَضَتِ الْخَادِمَةُ الْإِضَاءَةَ وَانْسَحَبَتْ فِي سَكِينَةٍ. وَقَعَ بَصَرِي عَلَى ظَهْرِ كَفِّي. وَجَدْتُ بَشَرَتِي رَقِيقَةً وَعُرُوقًا زَرْقَاءَ تُطِلُّ مِنْ بَيْنِ بَيَاضِهَا. زَاغَ بَصَرِي نَحْوَ السَّقْفِ. كَانَتِ الْجُدْرَانُ تَزْحَفُ نَحْوِي، أَمَّا السَّقْفُ فَأَخَذَ يَهْبِطُ مِنْ عَلْيَائِهِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ نَحْوَ رَأْسِي. ضَاقَ أُفُقِي. أَشْعُرُ بِالْمِسَاحَةِ حَوْلِي تَتَضَاءَلُ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى أَنْ أَطْبَقَتِ الْجُدْرَانُ عَلَى صَدْرِي فَصَارَ الْقَصْرُ كُوخًا صَغِيرًا لَا أَكَادُ أَنَامُ فِيهِ وَلَا أَحْلَمُ.

ثانيا- القراءة النقدية

تعد قصة “عروس في علبة مخملية” لهشام العطار من النصوص الواقعية النفسية المشبعة بالرمزية؛ وذلك لأن الكاتب لم يهتم بوصف القصر بقدر ما اهتم بوصف أثر القصر على صدر البطلة ” كَانَتِ الْجُدْرَانُ تَزْحَفُ نَحْوِي، أَمَّا السَّقْفُ فَأَخَذَ يَهْبِطُ مِنْ عَلْيَائِهِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ نَحْوَ رَأْسِي. ضَاقَ أُفُقِي”، كما أن طلب البطلة تغيير الديكور ما هو إلا تعرية لحالة الانهيار الداخلي التي تعاني منها البطلة، أيضا نجد الكاتب هنا قد ركز على رمزية الألوان في القصة (ذهبي- فضي- رمادي – أسود)؛ للتعبير عن تآكل العمر؛ حيث الرحلة تبدأ من جولة تسوق وتنتهي إلى أعماق النفس البشرية. لقد سار العطار في هذه القصة على خطى يوسف إدريس في قصة “نظرة” من مجموعته القصصية أرخص ليالي؛ إدريس ركز على صينية البطاطس فوق رأس الطفلة، والعطار ركز على العلبة المخملية/القصر فوق صدر العنود.
برز عنوان ‘عروس في علبة مخملية’ كإدانة صريحة لا مجرد توصيف؛ فالعروس التي يفترض بها نبض الحيوية، سلبت آدميتها لتتحول إلى قطعة ديكور حبيسة داخل قصر/سجن، وهنا تكمن المفارقة في المخمل؛ ذلك القماش الذي يوهم بالنعومة بينما يمارس سطوة الخناق، بتركيبته التي تحتجز الحرارة وتمنع عبور الهواء، محولا الفخامة إلى زنزانة حرارية، وبغياب العريس وإحلال العلبة مكانه، ندرك أن العنود لم تتزوج رجلا بل تزوجت الجماد، لتغدو في النهاية مومياء محنطة في كفن من حرير.
أما عن الراوي في القصة فهو راو مشارك؛ هو الأنا المتكلم العنود نفسها، حيث تتجلى براعة هشام العطار في اختيار هذا النمط السردي؛ حين تتقمص البطلة دور السارد لتنقل لنا وقائع هشاشتها الداخلية في مختلف حالاتها، سواء في استعادة دفء الماضي” شَعَرْتُ بِدِفْءِ أَنْفَاسِهِ’، أو في مواجهة عجز الحاضر أمام سهام ‘لَمْ أَدْرِ مَاذَا أَقُولُ لها “، وهو اختيار أسلوبي متعمد من الكاتب لحصر القارئ داخل سجن البطلة النفسي؛ فقد استثمر صوت الراوي المشارك لتجسيد هذه العزلة، لنجد أنفسنا أمام مرآة مكبرة للألم، ترى العنود من خلالها حقيقتها وتتألم منها؛ فنحن نلمس عجزها، وتقدمها في السن، ورفض جاسم لها عبر عينيها هي. إن البطلة محبوسة في حكايتها الخاصة، لا تجد صوتا موضوعيا يحررها من ذاتيتها أو يرى مأساتها من زاوية مغايرة؛ والكاتب هنا يصادر مسافة الأمان بين القارئ والبطلة، ليجعلنا نشعر بضيق الجدران كما تشعر به هي تماما.
يعد المونولوج الداخلي هو البطل الحقيقي في النص؛ فمعظم الأحداث عبارة عن ارتداد زمني باستخدام تقنية الفلاش باك تتم في صمت الغرفة، استحضرت البطلة سلطة الأب حين قال: “قَالَ لَهُ أَبِي: الْمَهْرُ لَا يَقِلُّ عَنْ مِلْيُونِ رِيَالٍ” وتعترف بضجرها الداخلي قائلة “: لَقَدْ مَلِلْتُ حَتَّى مِنَ اللَّافِتَةِ”. نلاحظ هنا أن المونولوج هو نوع من اجترار للآلام، البطلة تتحدث مع ذاتها المحطمة بثرثرة داخلية؛ لتعوض به حالة الخرس الخارجي من حولها، المونولوج هنا لا يعد بوحا؛ لكنه نوع من اعتراف البطلة بالهزيمة، هي تدرك تماما أنها ضيعت عمرها من أجل صك أرض، لكنها لا تجرؤ على قول ذلك لأحد سوى لنفسها.
أما الخارج فالحوار معه يتسم بالبتر والندرة؛ وكأن الكلمات عبء ثقيل تنوء به البطلة. يظهر ذلك في حوارها مع حسام تقول: “مَا رَأْيُكَ أَنْ تُشَارِكَنِي؟ – لَكِنَّنِي أَنْوِي الْهِجْرَةَ.. يَا خَالَةُ”؛ هذا الحوار لا يحقق تواصلا بينهما بل رد مقتضب ليغلق أي محاولة لفتح جسر للتواصل بينهما، لقد كان هذا الحوار المغلف وكأن البطلة تتوسل إليه للبقاء إلا أن حياءها منعها من التعبير عن حاجتها كأنثى، فاختبأت خلف الشراكة بينهما بالمال والمجهود، ثم جاءها الرد الصادم من حسام “يا خالة ” ليضعها أمام حقيقتها الزمنية. “يا خالة” جاء كخنجر في صدر العنود؛ لقد حولها إلى مجرد امرأة مسنة خارج سياق الزمن.
أما الحوار مع المهندسة (سهام)، فقد جاء حوارا اعتذاريا مقتضبا، غلبت فيه المشهدية على الكلمات؛ حيث قطعت سهام حبل التواصل برغبتها في المغادرة مسرعة لحياتها الأسرية؛ هذا- اللا حوار- يمثل نقطة الانكسار بين عالمين.
سهام هنا لا ترى في القصر مكانا للألفة، بل هو مهمة عمل انتهت بانتهاء المعاينة، هي تعتذر لأنها تريد الهروب إلى حياتها الحقيقية في الخارج، مما يشعر العنود بضآلة قصرها أمام دفء السيارة المنتظرة بالخارج؛ هنا تتجلى الفجوة الوجودية بين سكون القصر برهبته الجنائزية، وحيوية السيارة بنبضها المتدفق. سهام تملك (الزمن القادم/الأطفال/الحركة)، بينما العنود تملك (الزمن المتوقف/الصمت/الرخام)، كما أن السكوت هنا عن تفاصيل أسرة سهام، جعلها تبدو كطائر حر طليق يمر بمقبرة العنود ثم يغادرها مسرعا؛ هنا الحوار جاء ليذكرها بأنها عروس بلا أسرة، وأن جدرانها العامرة فارغة من أي نبض إنساني.
ولأن البشر صمتوا، لم يجد المكان بدا من النطق؛ فثمة حوار سريالي يدور بين العنود وبين الجماد المحيط بها تقول: “كَانَتِ الْجُدْرَانُ تَزْحَفُ نَحْوِي أَمَّا السَّقْفُ فَأَخَذَ يَهْبِطُ مِنْ عَلْيَائِهِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ نَحْوَ رَأْسِي. ضَاقَ أُفُقِي”. فعندما تعجز البطلة عن إقامة حوار مع البشر، عندها ينطق المكان فزحف الجدران هو الحوار الأخير الذي تجريه الغرفة مع صاحبتها؛ حوار بصري مرعب يعلن نهاية الوقت.
وهكذا تتضافر أشكال الحوار لترسم مشهد النهاية؛ ومن هنا يمكنني القول بينما استخدمت البطلة المونولوج لتبني قصرا من الأوهام، جاء الديالوج مع حسام وسهام ليهدم هذا القصر بكلمات قليلة وحاسمة.
وإذا ذهبنا صوب المشهدية في القصة نجد أن كاتبنا يعتمد عليها بنسبة كبيرة؛ حيث يبدأ النص بمشهدية توحي بالسطوة والاتساع، حيث السيارة والحارس والبوابة، وهو مشهد يركز على الفعل الخارجي ” دَخَلْتُ بِسَيَّارَتِي الْفَارِهَةِ عَبْرَ بَوَّابَتِي الرَّئِيسِيَّةِ كَالْعَادَةِ، وَلَكِنَّ الْحَارِسَ أَشَارَ لِسَائِقِي أَنْ يَنْتَظِرَ” هذا المشهد يمهد لعزلة البطلة لاحقا فالبطلة معزولة داخل السيارة، وبينها وبين العالم /الحارس حواجز مادية، وينتقل بنا العطار إلى المشهد التالي معتمدا فيه على تقنية المونتاج السينمائي حين استحضر الماضي عبر ألبوم الصور” ارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهَا عَلَامَاتُ الْحَيْرَةِ.. وَضَعَتْ كُوبَ الْعَصِيرِ عَلَى الطَّاوِلَةِ الْمَرْمَرِيَّةِ وَصَارَتْ تُقَلِّبُ فِي الْكِتَابِ” حركة تقليب الصور ووضع الكوب تعكس حالة التوتر الصامت والبحث عن الذات وسط حطام ذاكرة الورق، ثم ينتقل الكاتب إلى مشهد أخر أكثر شاعرية إذ يقول: “شَعَرْتُ بِدِفْءِ أَنْفَاسِهِ عِنْدَمَا هَامَسَنِي وَاسْتَنْشَقْتُ عِطْرَ الْعُودِ الَّذِي كَانَ يَفُوحُ مِنْ غُتْرَتِهِ” فالعنود تستعيد رائحة ونفسا لأن واقعها الآن عبارة عن رخام صامت بلا رائحة وبلا أنفاس. ويتصاعد التوتر المشهدي في المشهد الختامي حيث تتحرك الجمادات هذا ليس مشهدا معماريا بل حالة من الاختناق تسيطر على البطلة” كَانَتِ الْجُدْرَانُ تَزْحَفُ نَحْوِي، أَمَّا السَّقْفُ فَأَخَذَ يَهْبِطُ مِنْ عَلْيَائِهِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ نَحْوَ رَأْسِي”. بهذا المشهد الذي يدل على حالة الحصار التي تعاني منها البطلة حتى أغلقت العلبة المخملية، لقد صار القصر قبرا موحشا، وأن الصمت الذي بدأ في أول النص صار هو الكفن في آخره في مشهد جنائزي حزين .
أما عن الصراع في القصة فهو ينقسم إلى عدة مستويات؛ منها الصراع الخارجي / تاريخي بين العنود والسلطة الأبوية / آل راشد، وقد حسم هذا الصراع قديما بهزيمة رغبات العنود الفطرية أمام ثقافة المليون ريال ومكانة العائلة، ثم تحول هذا الانكسار في الحاضر إلى صراع هوية محتدم؛ فيه تسعى البطلة لاستعادة ذاتها المسلوبة من خلال تغيير لافتة البيت، فالمعركة هنا تدور بين (بيت آل راشد) بما يمثله من سطوة ذكورية في الماضي، وبين (بيت العنود) كحلم متأخر بالاستقلال الوجودي، إلا أن هذا الصراع يصطدم بحقيقة تآكل الزمن.
ثم يظهر الصراع الأعمق، وهو صراع النموذج مع المهندسة سهام. هذا الصراع ليس صراعا مع شخص سهام، بل مع ما تمثله من حرية وحياة ؛ فسهام التي -تنتظرها أسرتها بالخارج- تمثل النقيض الصارخ للعنود السجينة داخل علبتها المخملية؛ هنا يكشف الموقف عن صراع بين مادية الرخام الباردة وحيوية الحياة النابضة في السيارة بالخارج، لتدرك العنود أن بيتها العامر ليس سوى سجن فاخر، وأن سهام / الحرة هي المنتصر الحقيقي في صراع الوجود.
وإذا ذهبنا تجاه المكان في القصة نجد أنه ليس مساحة فقط ،بل هو كائن حي، فالقصر ليس مجرد جدران بل هو شخصية نامية تضيق وتتسع حسب الحالة الشعورية للبطلة؛ حيث يبدأ المكان في وعي العنود كأداة للاستعلاء الطبقي ( سيارة فارهة، بوابة رئيسية – سائق)، لكن هذا الامتداد المادي كان يخفي خلفه انكماشا وجدانيا سيظهر لاحقا؛ هنا القصر الذي يعبر به رمزيا كفخر (آل راشد) إلا أنه في النهاية تحول إلى الجدران تزحف، السقف يهبط، القصر يتحول إلى كوخ .
وبهذا الصدد أصبح عنصرا ضاغطا يزحف نحو صدرها ليجسد عمق شعورها بالوحدة؛ فالمساحات الشاسعة لا قيمة لها إذا كانت الروح محطمة؛ ومن هنا نلمس تحول القصر من رمز للفخر بقبيلتها إلى علبة مخملية تسجن فيه البطلة يمكنني القول: إن المكان في النص بدأ قصرا استعراضيا تقول:” دَخَلْتُ بِسَيَّارَتِي الْفَارِهَةِ عَبْرَ بَوَّابَتِي الرَّئِيسِيَّةِ” لينتهي ذاتيا خانقا. تقول:” أَطْبَقَتِ الْجُدْرَانُ عَلَى صَدْرِي” هنا صار القصر كوخا صغيرا المكان هنا يتسع ماديا بما فيه من (أحواض زهور- نافورات- صالونات)، بيد أنه يضيق شعوريا لأن العنود تصبح فيه مجرد قطعة أثاث لا تشغل منه حيزا إنسانيا، وبناء عليه تغير وعي البطلة أدركت في النهاية أنها مجرد عروس مسجونة في علبة سجن اختياري بعد استسلامها لسلطة الأب/ المليون ريال وعدم مقاومته ؛ مما جعل الجدران تتحرك لتجثم على صدرها؛ لقد أصبح المكان بجدرانه شاهدا على ذبول البطلة.
كما أعمل كاتبنا عدسته بين أكثر من مكان في القصة (الخليج- مصر- أمريكا) ليعمق لنا شعور الغربة التي تعيشه البطلة فهي مغتربة في كل مكان في قصرها بالخليج وفي ذكريات مصر وفي أحلام أمريكا لقد أصبح المكان هنا خلفية لضياع البطلة واغترابها عن كل الأمكنة.
أما الزمان عند العنود فقد توقف عند لحظة المليون ريال وصك الأرض، فصارت تعيش زمنا دائريا يعيد إنتاج الخيبات تقول: ” كُنْتُ أَرَى الْمُسْتَقْبَلَ فِي أَحْلَامٍ ذَهَبِيَّةٍ، وَمُؤَخَّرًا رَأَيْتُ الْمَاضِيَ فِي أَحْلَامٍ فِضِّيَّةٍ.. اصْطَبَغَتْ مَنَامَاتِي بِصِبْغَةٍ رَمَادِيَّةٍ” ، ثم نجد العنود عندما تطلب تغيير الديكور/ المكان لتداري به هزيمتها أمام الزمن لقد أدركت أن اللوحة الفضية/ بيت العنود لن تعيد لها العشرين عاما التي سقطت في فجوة العمر بينها وبين حسام، أيضا نجد الزمن في القصة يترك آثاره على جسد البطلة / عروق زرقاء ليدل على أن الزمن ليس تاريخا بل هو دليل على فقدان الأنوثة.
يتجلى لنا في القصة مكانا وزمانا موازيان (الدار القديمة بالسقف الخشبي- بيت خالتها الأندلسي- شقة مدينة نصر) تقول: “انْظُرِي، هَذِهِ دَارُنَا الْقَدِيمَةُ. سَقْفُهَا خَشَبِيٌّ وَخِزَانَةُ الْمَلَابِسِ عِبَارَةٌ عَنْ صُنْدُوقٍ زُخْرُفِيٍّ مَوْضُوعٍ عَلَى الْأَرْضِ.” فالسقف الخشبي القديم كان أكثر حنانا من سقف الرخام الحالي الذي يهبط على رأسها، كذا الصندوق الزخرفي القديم / خزانة الملابس هو رمز للعلبة المخملية، وكأنها خرجت من صندوق صغير لتسجن في صندوق كبير / القصر، هنا تصبح العلبة المخملية هي الامتداد الخانق للصندوق الزخرفي القديم؛ فبينما كان الصندوق القديم يحتوي ثيابها، أصبح القصر صندوقا يحتجز أنفاسها. لقد أوهمها الأب أن آل راشد ومكانتهم هي الملاذ، بينما الحقيقة أن الدفء كان في الأماكن التي سكنتها قبل أن تصبح ثرية ووحيدة.
يمكنني القول إن :المكان في القصة بدأ أفقيا / جولة تسوق- سيارة- قصر وانتهى رأسيا / سقف يهبط. والزمان بدأ مستقبلا ذهبيا وانتهى كابوسا أسود. هذا التقاطع بين رأسية المكان وسواد الزمان هو ما خلق حالة الاختناق الوجودي في المشهد الأخير من القصة.
ولقد اعتمد كاتبنا لغة تعكس الصراع بين المادة والروح فقد استخدم قاموسا مليئا بالجمادات (الرخام- المخططات- المرمر- اللوحة الفضية -الصالونات) يقول : ” الطَّاوِلَةِ الْمَرْمَرِيَّةِ” – زَخَارِفَ رُخَامِ الْحَمَّامَاتِ”، هذه اللغة الجامدة تدل على أن البطلة محاطة بأشياء صلبة باردة ، مما عمق اغترابها، في مقابل صلابة الرخام، نجد لغة تتحدث عن الجسد كخريطة للزمن” بَشَرَتِي رَقِيقَةً – عُرُوقًا زَرْقَاءَ تُطِلُّ – دِفْءِ أَنْفَاسِهِ”. استخدام (دفء الأنفاس، عطر العود) مقابل (الرخام، المرمر، الفضة) يخلق صراعا بين الحرارة الإنسانية وبرودة المادة، لقد تقاطع الشعر مع السرد في القصة.
فاللغة الشاعرية هنا هي التي جسدت وجع الغياب؛ غياب حمود- وجاسم- وحتى غياب العنود الشابة. لقد نقلت لنا اللغة الشاعرية أثر الغياب في روح البطلة، حيث أصبح الحصان الأبيض طائرة تهرب بعيدا، وأصبح الصمت قاتلا للطموح، كما استعار كاتبنا من الشعر قدرته على التكثيف؛ فحول العمر إلى ألوان (ذهبي- فضي- رمادي- أسود)، هذا التدرج يعطي للنص موسيقى داخلية تعزف لحن تسرب الزمن من بين يدي البطلة.
اعتمد كاتبنا على اللقطات الخاطفة ولم يسهب في الوصف حيث تتوالى انكسارات البطلة؛ فمن حمود الذي تركها وخطب فتاة سورية “تَرَكَنِي وَخَطَبَ فَتَاةً سُورِيَّةً”، إلى جاسم الذي اختفى بعد واقعة المغالاة في المهر: “اخْتَفَى جَاسِمٌ بَعْدَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ”، الكاتب لم يسهب في وصف مشاعر الانكسار، بل استخدم الفعل (تركني- اختفى) ليترك للقارئ تخيل حجم الوجع؛ وهذا التكثيف هنا يعكس كيف يمر العمر في العلبة المخملية كلمح البصر، دون أحداث حقيقية تستحق الإسهاب؛ هذا التكثيف يحول القصة من حكاية رتيبة إلى دفقات شعورية متلاحقة تزيد من وتيرة التوتر السردي.
كذلك اعتمد كاتبنا على المفارقة التصويرية؛ لتعميق فكرته يقول: “سَيَّارَتِي الْفَارِهَةِ ” في مقابل ” زَوْجُهَا وَأَوْلَادُهَا يَنْتَظِرُونَهَا فِي سَيَّارَتِهِمْ”. هذه المفارقة تضع الأنا / العنود بمفردها في سيارتها الفارهة أمام الآخر المجتمع / سهام في سيارتها العادية؛ هذا التكثيف يختصر صراعا إنسانيا وطبقيا عظيما.
أيضا كرر الكاتب مفردة البيت – والدار برؤى مختلفة ” دارنا القديمة- بيت خالتها- بيت آل راشد- بيت العنود”. هذا التكرار يبرز أزمة الهوية التي تعانيها البطلة ؛ فهي تبحث عن بيت/ سكن روحي ولا تجد إلا عقارا / مادة وجدران لقد كانت بلا بيت حقيقي رغم امتلاكها للقصور.
كما كان العطار بارعا حين رسم لوحت الموت بالألوان دعنا نرى كيف تدرجت هذه الألوان؛ لتعكس تآكل الروح مستخدما اللون الذهبي / البدايات- الطموح- الجامعة وهو لون الخديعة الذي زينه الأب أمام عينيها يقول: ” كُنْتُ أَرَى الْمُسْتَقْبَلَ فِي أَحْلَامٍ ذَهَبِيَّةٍ”. هذا اللون هو لون البريق الذي حجب عنها حقيقة العلبة التي ستسجن فيها.
ثم كان اللون الفضي/ بداية التراجع نحو الماضي والذكريات يقول: “مُؤَخَّرًا رَأَيْتُ الْمَاضِيَ فِي أَحْلَامٍ فِضِّيَّةٍ – تَبْدِيلَهَا بِلَوْحَةٍ فِضِّيَّةٍ – كَانَ حُلْمًا فِضِّيًّا غَرِيبًا”. اللون الفضي هو لون أقل وهجا من الذهب، وأكثر برودة لذلك تبدأ العنود في فقدان الحاضر والهروب نحو الذكريات.
لننتقل للون الأزرق الكاتب سكت عن تفاصيل حياة العنود الخاصة لكنه مررها عبر “العروق الزرقاء” على ظهر الكف لتكتشف أن جسدها الذي كان يوما يثير إعجاب جاسم، صار الآن مجرد خارطة ذبول أنه نوعا من الحرمان الحسي الذي عاشته لعقود خلف قضبان الذهب.
أما عن اللون الرمادي في القصة فهو مرحلة التيه وفقدان المعنى يقول: ” اصْطَبَغَتْ مَنَامَاتِي بِصِبْغَةٍ رَمَادِيَّةٍ “هذا اللون هو لون الغبار الذي يغطي أحلامها بعد رحيل المهندسة سهام / الحياة الحقيقية في هذه اللحظة فقدت العنود شغفها بكل شيء إذ تساوت لديها الأضداد؛ فلم يعد للرخام قيمة، ولا للفضة بريق فلا هي في الماضي الذي ضاع بريقه الذهبي، ولا هي قادرة على احتمال الحاضر.
ثم يأتي في النهاية اللون الأسود الذي يبتلع كل الألوان السابقة ويغلق الدائرة يقول: “مَزَّقَتْهَا الْكَوَابِيسُ السَّوْدَاءُ الْمُرْعِبَةُ ” فاللون الأسود هنا ليس لونا بل هو وحش يبتلع مساحة القصر ويحوله إلى كوخ/ قبر؛ لتصبح العلبة المخملية في الحقيقة إلى علبة سوداء من الداخل فالنهاية السوداء هي الحقيقة الوحيدة التي لم تستطع أموال آل راشد تلوينها.
لقد استخدم العطار مجموعة ألوان تبدأ بالسطوع / ذهبي وتنتهي بالانطفاء / أسود ، مرورا بـالفضي/ الذاكرة والأزرق/ الجسد والرمادي/ الحيرة. هذا التدرج اللوني هو تصوير للاحتضار النفسي لشخصية ملكت كل شيء ماديا، وفقدت كل شيء معنويا.
ثم جاءت الخاتمة مغلقة وتحولت فيها الجمل من لغة تقريرية إلى سريالية مكثفة “الْجُدْرَانُ تَزْحَفُ نَحْوِي.. السَّقْفُ فَأَخَذَ يَهْبِطُ” مستخدما أفعال الحركة (تزحف، يهبط) للأشياء الثابتة (الجدران، السقف) السقف الهابط والجدران الزاحفة جاءت هنا كقدر محتوم ونهائي يجثم على صدر العنود؛ فهي استعارة مكنية تحولت إلى ضرورة أسلوبية لتجسيد صورة القبر، مؤكدة أن العلبة المخملية قد أغلقت للأبد، لقد تداعى العالم الخارجي وانهار داخل نفس البطلة ،وقد جاءت الجمل هنا قصيرة، متلاحقة، لتعطي إيقاع الاختناق الذي تشعر به العنود والذي يسبق الصمت المطلق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى