أدب

قراءة في رواية “رحلة إلى ذات امرأة” للكاتبة صباح بشير

د. عباس حسن الغالبي

لعل من نافلة القول أن أي أحداث واقعية مهما بلغت واقعيتها حين تدخل السّرد فهي تدخل في إطار التخييل، وتظل مقتربات السّرد الروائي حاضرة بشخوصها الرئيسية والثانوية وحتى الهامشية، وزمكانياتها استباقا واسترجاعا .


وهكذا نحن ازاء رواية بكر للكاتبة الفلسطينية المجتهدة صباح بشير “رحلة إلى ذات امرأة” التي صورت بعض أحداث مجتمعية، لم تكن جديدة من حيث سطوة الذكورية في مجتمعات شرقنا الأوسط، وانتهاك حقوق المرأة المتطلعة الى ذات حرة في بوتقة الإرهاصات والتّقلبات والاحداث التي تعصف بالمجتمع الفلسطيني، الذي ابتلي بالاحتلال تارة وشيوع الذكورية تارة اخرى، وإن تطرق غيري من الكتاّب والنّقاد إلى تفاصيل حركية الرواية، أحداثها واصواتها واسماء شخوصها وامكنتها، فإني سأتطرق إلى تقنية الرواية التي تأرجحت بين الكلاسيكيّة في تقنيات السّرد الروائي، وحداثوية هذه التقنيات التي اعتمدتها الكاتبة عن قصد أو غير قصد، ذلك لأن طبيعة الأحداث ومعالجاتها في إطار التّخييل قد تسحب الروائيّ كما أرى إلى المزج مابين هذه التقنيات، وإن كان الناقد الفرنسي رولان بارت قد فرَّق بين السّرد التّقليدي والحديث من خلال التّفريق بين رواية القراءة ورواية الكتابة، فقد اعتبر أنَّ رواية القراءة التي كانت سهلة لا تحتاج لجهد كبير من القارئ وهي تصاعديّة في أحداثها، أما رواية الكتابة فهي رواية السّرد الحديث وهي التي يقوم فيها الكاتب ببذل أقصى جهده لبناء هندستها وتعقيدها، وبالتالي فهي تتطلب جهدًا كبيرًا من القارئ، ذلك لأنه يصبح شريكًا في تحديد ملامح الرواية وجمع ما تناثر منها .


ولعلّ من أهم ملامح الخروج عن السرد التّقليدي الى الحديث هو اتباع أسلوب التساؤلات فيما يتعلق بالنسق والمتن في الخطاب واللّغة التي تبعد الرّوائي عن طريقة السّرد النمطيّة التي تتركز حول أحادية الصّوت، وتحويل الأمكنة والأزمنة إلى مجالات يتداخل بعضها مع البعض الاخر ، والعمل على تعدد الأصوات المتكلّمة في الرواية وعدم الاقتصار على صوت أو أصوات محدّدة في الرواية، وهذا ماوجدناه جلياً في رواية رحلة الى ذات امرأة، الأمر الذي أدّى دون أدنى شكّ إلى تعدّد لغوي في النصّ.
ولكن يظل المزج الذي اعتمدته الرّوائية صباح بشير في التقنيات مبعثه كما أرى لضرورات حرص الكاتبة على عرض الأحداث المجتمعية بتفاصيلها وتجلياتها وتأثيراتها وتأثرها في بعضها، ولعلّ هذا التشابك يعود في كثير من الأحيان إلى احتدام الصّراع ودراميّة الأحداث التي برزت بشكل او اخر في التّسلسل المنطقي لأحداث الرواية وزمكانياتها وحركية واداء شخوصها الرئيسية أو الثانوية، وبالتالي كانت وجهة نظر الكاتبة/ الراوي هي الرّفض لممارسات مجتمعية غدت ملمحا بارزا في سايكولوجية المجتمع العربي، او مجتمعات الشرق الاوسط . وهكذا نحن إزاء نموذج روائي مميز في الإتقان والطرح واللّغة وأسلوب السّرد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى