عودة بورخيس

محمد خلاد السكتاوي


الصورة: : ظلمة بورخيس

(إلى صديقي الكاتب والمترجم إبراهيم الخطيب الذي علمنا كيف نحب خورخي لويس بورخيس، وأضاء لنا ظلمته لنجوب متاهاته وأحلامه في الحدائق العربية).
هاقد عدتُ إليك
أنا بورخيس يا أماه
أتكبّد الوحدة في الظلام
حول جثمانك البارد
أذرع الغرفة كحارس معبد
من اليمين إلى اليسار
لكني لا أراك

ضاعتْ عيناي في واحة صحراء بعيدة
بين أوراق حدائق عربية
وحملت قيظ حبكِ في محاجرهما
سأفتح دفترَ أحلامي القديمة
الراقدةَ في أعماقي
فقد أراكِ تومضين كنجمة
سقطت بين العَرَض والجوهر
و المجازِ والوهم

كنتِ المرأة التي ولدتني
وأحببتُها
لأنك جمعتِ فيكِ كلَّ النساء
ولم تضعي على سعف نخلة
تمائم النساك
لتتقدّسَ روحك وتلدي ابن الله

لم أولد من سورة أو أسطورة
لستُ أوديب ولم أقتلْ من أجلك أبي
لأفقأ بحُرقة الندم عيني
وما ارتكبتُ رِجْسا أو ضلالة
قطفتُ لك وردة من الجنة
فأعماني شوكُها

هذا ابنك أنتِ يا أمّاه
يقودني عصا نورُك
جرحي غائر ينزف دما أزرق وأخضر
سقيتُ به خميلةً لتُظلِّل قبرك
وخلقتُ من صلصال الغيم
مخلوقاتٍ سحرية
تؤنسني

أشعر بجوارك أنني لانهائي
أحضن الأجرام والكواكب الخفية
وأسير حرا بين الأبد والفناء
أرتق عمَى الأشياء
ولا أتحسس طريقي

صورتكِ مازالت تغشى عيون
ذلك الطفل الصغير
حين كنتُ أميرًا سعيدا
أرى ما وراء سجف الظلام
كزرقاء يمامة العرب
وكنا معا في سكون العماء
نضم إلى صدرنا الكون
ها أنا أعودُ إليكِ يا أماه
أدْرع غرفةَ نعشكِ
وأتعمدُ في بحيرة من ضياء
———
بورخيس (Jorge Luis Borges  1889-1986) كاتب وشاعر ومترجم من الأرجنتين ذو شهرة عالمية، فقد بصره صغيرا ، لكنه كان يرى ببصيرته وصفاء عقله ورهافة حسه ما لا يراه أصحاب البصر. كان واسع الاطلاع على التراث الثقافي العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى