صحوة اللغة القادمة!

محمد عبد العظيم العجمي | كاتب مصري

إن كانت ثمة صحوة مٌؤمّلة في قابل الأيام أو آخرها، فلا أظنها ستكون بمنأى عن هذه اللغة..اللغة العربية، وربما ستكون اللغة زعيمتها، أو مفجرتها.. وإن كنا نطرح هذا على سبيل الأمل، فهو متحقق على سبيل الفرضية العقلية التي تقول أن: “اللغة وعاء الفكر” .. وأن “ما أصلح أول هذه الأمة، لا بد أن يصلح آخرها”.. وإذا كانت اللغة وعاء للفكر، فإنها كذلك كانت وما زالت وعاءً للمنهج؛ هذا المنهج الأولي الذي أتى يحمل صلاح البشرية ــ العربي منها والعجمي ــوالذي لم يكن قدومه أولا إلا على أصحاب هذا اللسان العربي المهيأ عقليا ونفسيا لاستقباله والفهم عنه، سواء رضي منه أم لم يرض، وسواء آمن به أم لم يؤمن؛ لكنه على أية حال لا بد أن يكون قد فهم عنه، وتحقق البلاغ.

هذه الحقيقة الذي أثبتها القرآن ناصعة بينة “وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)”[إبراهيم].، وهذا اللسان المتوافق هو أمر حتمي للفقه والعقل، وما كان ليحدث مثل هذا العقل والفقه، وما ترتب عليه من الإيمان والكفر إلا بعد تحققه، ولذا أكد القرآن مرارا على عربية هذا الكتاب، وديمومة رسالته وحفظه إلى أن يرث الله الأرض.. وهذا فهم خفي يوحي أن هذا اللسان العربي لابد أن يطرق أسماع الأرض من مشرقها لمغربها، وكما ذكر عن الصادق المعصوم “لن يدع بيت مدر ولا وبر إلا دخله بعز عزيز أو بذل ذليل”.

وكانت افتتاحية بعض السور وما تضمنته الآيات في كثير من معانيها، أن عربية اللسان والكتاب إن كانت بحكمة غرضها التوافق بين العقل العربي المستقبل، وبين المنهج العربي المنزل، إلا أنه يمكن استنباط معنى خفيا آخر، هو أن العربية تزيد في الفهم والعقل خاصة عندما يجتمع ما يتلقى القلب والعقل من الوحي مع فطنة العربية الأصلية وبلاغتها وسلاسة الإفصاح التي تتميز بها عن غيرها من اللغات، فقال “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)”[يوسف].. “إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)”[الزخرف].. “كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)”[فصلت]..” قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)[الزمر]، فعربية اللسان معللة بالعقل والعلم والزيادة فيهما، وكذا لسهولة التلقي بين هذا العقل المستقبل، والمنهج المنزل.

وفيه أيضا إيذان بعمومية هذا اللسان الذي سيكون حتما على كل من آمن بالكتاب منهجا وشرعة و عقيدة أن يتعلم العربية، أو بعضها حتى يقيم شعائره ويحقق عقيدته وفق ما أنزل الله وشرع؛ ثم هذا الوقع القهري الذي يفرض نفسه على هذه الألباب المتهيئة لقدومه حتى ولو أمعنت بعدا في التصدي له إلا أنه كان في بعضه او كثيرا ما ترغمهم قاهرية الآيات المتلوة على الإذعان والخضوع؛ ومن ذلك ما ذكر في قصة جبير بن مطعم رضي الله عنه حينما قدم المدنية على رسول الله ولم يكن قد أسلم بعد .. قال: فسمعته يقرأ في سورة الطور “أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون.. الآيات ” قال: فكاد قلبي أن يطير.

كذلك ما روي في نزول الآيات من أواخر سورة النجم “أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)”.. ذكر المفسرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد والمؤمنون معه، وسجد كفار قريش من وقع الآيات على نفوسهم .. ، كذلك ما روي في قصة الوليد بن المغيرة حين قدم على النبي صلى الله عليه وسلم يحاوره ، ويراجعه في التخلي عن دعوته ويعرض عليه ما عرض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أفرغت؟ قال: نعم ، قال: فاسمع إذن: ثم تلا عليه أوائل سورة فصلت حتى أتى على قوله : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13).. فوضع يده  على في النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أقسمت عليك إلا سكت!!

أما المؤمنون فهم الذين انفعلوا بهذا الكتاب حتى أقاموه شريعة في أنفسهم وأهليهم ثم طافوا به أرجاء الأرض وأطرافها ينشروه ويعلموه، حتى صنعوا الحضارة على الوجه الذي نرى ونلمس وإن خبت ذكراها وشواهدها حينا من الدهر إلا أن العلم لا يستطيع في أي بقعة من الأرض إنكارها.

وإذا كان في عصرنا بعدما غابت شمس الحضارة وغرّبت، إذا كان ثمة صحوة أو نهضة فلا بد أن تنطلق من صحوة هذه اللغة كي تعود على ألسنة العرب وعقولهم كما كانت في باديها، وإن لم يكن متحققا بنفس السليقة فبالتعليم، حتى تغدو اللغة من جديد وعاء للفكر، وعاء يستوعب العقل به هذا المنهج ويفهم عنه ويفكر بها ويتعايش ويتعلم حتى تصير (أسلوب حياة )!!

ومن هنا فقط يمكن أن يستعيد العقل العربي ذائقته وطلاقته وعقله الذي باعدت طرقات الحوادث بينه وبينه من التغريب والاستخراب (الاستعمار)، وتراجع الدرسات اللغوية، وسطوة الثقافة الغالبة، وتمالأ أصحاب الحضارة الحاكمة كي يوئدوا كل صحوة وطفرة يمكن أن تطلق هذا المارد من محبسه، أو تفلت هذا الهزبر من عرينه.. إن الحضارة الغالبة قد فرضت ضرباتها على كل ركن وعلم في الأرض فلا يكون علم جديد، ولا مبلغ لحضارة إلا من تحت إمرتها، ولن تفصح لبني العرب عن علم إلا بلسانها كي يغيب مع الأيام والأزمان لسانهم وتخبو جذوة عربيتهم وقد حدث.

وقد صدت آذاننا وصمت أسماعنا كثير من أبواق هذه الأفكار الواردة، وهم على قدر في بلادهم من الثقافة والعلم، وقد أوعز إليهم بالدعوة إلى تغليب ثقافة الغرب وحتمية الانصياع للغتهم لبلوغ علومهم؛ وقد ذكر هؤلاء الأعلام كثيرا من ذلك في كتبهم وكتاباتهم .. من ذلك كتاب (ثقافتنا في مواجهة العصر ــ د.زكي نجيب محمود) ، وكذلك (مستقبل الثقافة في مصرــ د. طه حسين)، وغيرها من دعاة صحوة القومية العربية والدعوة إلى نعرة العروبة وتخليف دعوة الإسلام، ثم من جاء بعدهم يروج للعامية المصرية والعروبية كل بلغة قومه، من أمثال :أحمد لطفي السيد، وسلامة موسى، ولويس عوض وغيرهم.

فالفكرة الدينية هي الرائدة في تكوين الحضارة كما تحدث ( مالك بن نبي ) في : شروط النهضة أو مشكلات الحضارة، ولكن الفكرة الدينية لن تحقق في نفوس أصحابها إلا إذا فهموا عنها كما يراد وكما جاءت، ولا يتحقق هذا الفهم بأي وسيلة إلا أن تكون عن طريق اللغة .. فإذا ترسخت اللغة وتحقق الفهم قامت الفكرة الدينية من مرقدها كما جاءت من قبل على حين فترة ، فأوقدت جذوة الدعوة والنهضة وخطت لأسس الحضارة من جديد كما فعلت من قبل.

لا يخفى علينا ما أنفقه وعدده الاستخراب العالمي حين دهم بلادنا من فوقها وتحتها، لا يخفى علينا ما فعله جاهدا ليصد الناس عن العربية أولا ثم يأتى الدين تبعا لها، ولقد أخفق في بعض ونجح في بعض ، فتراجعت اللغة ولكنها لم تمت ، وتراجع على إثرها مفهوم الدين لدى البشر وخمدت جذوته في نفوس الناس فترة ، ثم أتت الصحوة فكانت ملهمة للغة والدين.

اللغة ليست لسانا بقدر ما هي منهج حياة؛ نفكر بها ، ونحلم بها ، ونتعلم بها .. ونطلقها في تفاصيل الحياة اليومية لغة للتعاطي والتفاهم والتقارب، ثم هي تتولى بعد ذلك صقل العقول والقلوب وترد الناس إلى دينهم شاءوا أم أبوا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى