الصحافة الغربية: بَعْدَ الأَخْلاقِيَّاتِ قَوْلِاً أَوْ بَعْدَ اللاأخلاقيَّاتِ فِعْلاً! (3)  

د. آصال أبسال | كوبنهاغن (الدنمارك)

ليس هذا القسم الإضافي، في حقيقة الأمر، قسما ثالثا بالمعنى المتعارَف عليه، ولكنْ نوعٌ لازمٌ من التذييل التعقيبي لكل من القسمين الآنفين منظورا إليه من خلال ما قد استجدَّ في الآونة الأخيرة من مَاجَرَيَاتِ المشهد الرياضي (الإداري) المعني بعين الإفكِ المُسَمَّى تستُّرا بـ«الاتحاد الدولي لكرة القدم» FIFA، قدَّام الناس أجمعين.. وهذا المشهدُ بالتحديد يخصُّ ترشيح اللاعبين الثلاثة، العربيِّ «المصري» محمد صلاح والأرجنتيني ليونيل ميسي والبولندي روبرت ليفاندوفسكي (حسبما جاء في الترتيب التبجُّحي «القدساوي» المأجور)، يخصُّ ترشيحَهم النهائي للفوز بجائزةِ «أفضل لاعب في العالم للعام (الكوروني) 2021»، وبغضِّ الطرف عن فذلكات «النقحرة» و«العَرْبَنَة» التي تكتظُّ بها تقاريرُ هكذا ترتيب.. فكما جاء ذكره في القسمين الآنفين، كان التلميح عن مَاجَرَيَاتِ مشهدٍ شبيهٍ لازما – للتذكيرِ، أولا، بحقيقةِ ما يؤدِّيهِ هكذا لاعبٌ عربي «مصري» وأمثالُهُ من أداءٍ خَدُومٍ لمصالحِ دولةِ ذاتِ المستعمِرِ الذي لم تزلْ جرائمُهُ الفظيعةُ حَيَّةً بإيلامِهَا المُرِّ في الذاكرةِ الجمعيةِ العربيةِ الرَّثِيمَةِ – وٍللتذكيرِ، ثانيا، بحقيقةِ ما تساهمُ به الصحائفُ الغربيةُ من ترويجٍ دنيءٍ لحقائقَ مشوَّهةٍ خدمةً لمآربِ هاتِهِ المؤسسةِ أو تيك الحكومةِ (فضلا عمَّا تساهمُ به الصحائفُ العربيةُ المُقَلِّدَاتُ من ترويج أَدْنَأَ بكثيرٍ) – وللتذكيرِ، ثالثا والأهمَّ، بحقيقةِ ما يعيثُ به ذاك الإفكُ المُسَمَّى تَخَفِّيًا بـ«الاتحاد الدولي لكرة القدم» من فسادٍ وعهرٍ رَسُوخَيْن قد كشفَ جُلَّهُمَا المراسلُ الصحافيُّ الاستقصائيُّ البريطانيُّ، آندرو جَنِينْغْز، في كتابِهِ الشهيرِ، «يَا لَلْبَشَعِ! العَالَمُ الخَفِيُّ وَرَاءَ الاتِّحَادِ الدُّوَلِيِّ لِكُرَةِ القَدَمِ: من الرَّشَاوِي إلى تَزْوِيرِ الأَصْوَاتِ إلى فَضَائِحِ التَّذَاكِرِ» (يُنظر التوثيق المدوَّن سابقا).. وكما جاء ذكرُهُ أيضا، وسواءً فازَ اللاعبُ العربيُّ «المصريُّ» محمد صلاح بالجائزةِ المعنيةِ أم لم يَفُزْ، سيبقى نموذجًا مصنَّعًا تصنيعًا وضيعًا من نماذج مَنْ سُمُّوا بـ«الخادمين للقوة» Servants to Power، هؤلاءِ الخَدَمِ العبيدِ الذين قدموا زحفا على بطونهم نحوَ منابعِ المالِ الوفيرِ كي يخدموا عن وعيٍ، أو عن لاوعيٍ، «دولةً استعماريةً قويةً»، كمثل إنكلترا، لكيما تصبحَ أكثرَ قوةً من ذي قبل (إذ لا يختلفُ هؤلاءِ الخَدَمُ العبيدُ، مبدئيًّا، عن أي من أولئك الأكاديميين والطبابيين والتقنيين العرب الذين يعملون في الغرب كذلك).. وهكذا، فإن هذه اللعبةَ المُسَمَّاةَ بـ«كرة القدم» إن هي إلا لعبةٌ استعماريةٌ كان الجنودُ الإنكليزُ يلعبونها في المستعمَراتِ الإنكليزيةِ في قارَّةِ آسيا، كبلادِ الهندِ، تمضيةً للوقتِ، أو قتلا للملل، بعد استئناسهم بتقنينِ قواعدها «السَّنَنِيِّ» في المدارس الرياضيةِ الإنكليزيةِ في بداياتِ القرنِ التاسعَ عشرَ.. أما الآن، فقد صارت هكذا لعبةٌ ذريعةً إغرائيةً بخسةً لإدراج أسماءِ هؤلاءِ اللاعبينَ في قائمةِ الترشيحِ النهائيِّ للفوز الزيفيِّ بجائزةِ «أفضل لاعب في العالمِ» من كلِّ عامٍ – فليهنأ، إذن، هؤلاءِ اللاعبونَ خَدَمًا عبيدًا من أمثال محمد صلاح، فليهنأوا بهذا الإنجاز التاريخي الكبير مقدَّمًا بالهناءِ والشفاءِ لبلدِهم «الحبيبِ»، بلادِ مصرَ «الحبيبةِ»!!.. 

والآنَ في مقرِّ ذلك الإفكِ المُسَمَّى تَحَجُّبًا بـ«الاتحاد الدولي لكرة القدم» FIFA بالذات، وبعد أن تمَّ قبلا إجراءُ مراسيمِ عينِ الحفلِ «الاِنتخابي» إجراءً مرئيًّا وسمعيًّا «عن بعدٍ» و«عن غير بعدٍ»  في المدينة السويسرية زيوريخ في اليومِ السابعَ عشرَ من شهر كانون الثاني (يناير) الحالي – من هذا العام (الكوروني) 2022، تمَّ أخيرا، ولكن ليس آخرا، التتويجُ «الأسطوريُّ» لقحفِ اللاعب البولندي روبرت ليفاندوفسكي ذاتِهِ بجائزةِ «أفضل لاعب في العالَمِ للعام (الكوروني) 2021»، تمَّ تتويجُهُ بهذه الجائزة الإفكية الزيفية للمرة الثانية على التوالي، وعلى الخلاف الكليِّ والفاقعِ مِمَّا كان مأمولا به أيَّما أملٍ من الجانبِ العربي عامَّةً والجانبِ «المصري» خاصَّةً، على أدنى تخمين.. وبالتالي، وكنتيجةٍ مفاجئةٍ للبعضِ (أو حتى متوقَّعَةٍ للبعضِ الآخَرِ) من هكذا تتويجٍ «أسطوريٍ»، فقد جاء بادئَ ذي بدءٍ قحفُ اللاعبِ البولندي روبرت ليفاندوفسكي في المرتبة الأولى (محرزا في التصويت خمسَ نقاط)، وقد جاء من بعدِهِ قحفُ اللاعبِ الأرجنتيني ليونيل ميسي في المرتبة «الوصيفية» الثانية (محرزا في التصويت ثلاثَ نقاط)، وقد جاء من بعدِ بعدِهِ قحفُ اللاعبِ العربي «المصري» محمد صلاح في المرتبة «اللاوصيفية» الثالثة (محرزا في التصويتِ نقطةً وحيدةً يتيمةً، ووحيدةً يتيمةً فقط): وإذ بالترتيبِ التبجُّحيِّ التفخفخيِّ «القدساوي» المأجور يتجلَّى، والحالُ هذِهِ، بعكسيَّته بالكامل والتامِّ رأسا على عقبٍ – وواحسرتاه، واحسرتاه، على قحفِ اللاعبِ العربي «المصري» محمد صلاح بعد كلِّ ذلك من أملٍ مأمولٍ!!.. كانت، إذن، تلك المرتبة «اللاوصيفية» الثالثة بالعين ماثلةً كلَّ المُثولِ قدَّامَ العالَمِ طُرًّا، على الرغم من أن اللاعبَ العربي «المصري» هذا في حدِّ ذاتِهِ، ومن خلال ما استقرَّتْ عليه نتائجُ التصويتِ في مرحلته «الاصطفائية» الأخيرةِ وحتى ما قبلَ الأخيرةِ، كان قد تلقَّى في حوزته عددا لافتا للعيان من النقاط من كلٍّ من الجانب العربي والجانب اللاعربي (الإسلامي).. فقد كانت حصيلة هاته النقاط الثقال من كلا الجانبين المُصَوِّتَيْنِ بحسب التراتب العددي على النحو الآتي:  

/فلسطين (بحاصل خمس عشرة نقطة)، واليمن (بحاصل ثلاث عشرة نقطة)، والأردن (بحاصل إحدى عشرة نقطة)، والإمارات (بحاصل إحدى عشرة نقطة)، وتونس (بحاصل إحدى عشرة نقطة)، ومصر (بحاصل عشر نقاط)، وسوريا (بحاصل ثماني نقاط)، وقطر (بحاصل ثماني نقاط)، والكويت (بحاصل ثماني نقاط)، وليبيا (بحاصل ثماني نقاط)، والبحرين (بحاصل ست نقاط)، والسعودية (بحاصل ست نقاط)، وعُمان (بحاصل ست نقاط)، ولبنان (بحاصل ست نقاط)، والعراق (بحاصل خمس نقاط)، وجنوب السودان (بحاصل خمس نقاط)، وجيبوتي (بحاصل خمس نقاط)، والسودان (بحاصل ثلاث نقاط)، والجزائر (بحاصل ثلاث نقاط)، وموريتانيا (بحاصل ثلاث نقاط)، والصومال (بحاصل ثلاث نقاط)، وجزر القمر (بحاصل نقطة واحدة)، والمغرب (بحاصل نقطة واحدة كذلك)/.. 

ومِمَّا يلفت الانتباه كلَّه، هٰهُنَا، أن كلا من فلسطين (بحاصل خمس عشرة نقطة) ومصر (بحاصل عشر نقاط)، على وجه التحديد، كانت قد منحت في إجراء تصويتها ذاكَ لذاتِ اللاعبِ العربي «المصري» محمد صلاح أعلى عدد ممكن من النقاط تستطيع أن تمنحه في واقع الحال، ألا وهو العدد خمس عشرة نقطة، من حيث المبدأ.. وأما السببُ في منحِ مصرَ لاعبَها العربي «المصري» عشرَ نقاطٍ وحسبُ (وليس خمسَ عشرةَ نقطة، كما هي الحال في منح فلسطين) فيعودُ إلى كونِ هذا اللاعبِ العربي «المصري»، من حيثُ الطابعُ التمثيليُّ الناجز، قائدَ المنتخبِ الوطني الذي يمثِّلُ مصرَ تمثيلا دوليًّا و/أو عالميًّا أيًّا كانَ نوعُ «الدَّوْرِيِّ» القائم، مِمَّا يحرمُهُ بذاك من حقِّ التصويت لنفسهِ تبعًا للقانون الإداري المسنون، ومِمَّا يُفقدُه من ثمَّ خمسَ نقاطٍ مُخَمَّسَةً أخرى.. غير أن المفارقة المزدوجة التي تدعو حقًّا إلى الدهشة والهزء، في آن معا، لَتكمنُ في ذلك الفارق الملحوظ في عدد النقاط الممنوحة في التصويت من لدن ممثِّلي المنتخبات العربية المعنيَّةِ بينيًّا، من طرفٍ أوَّلَ، وكذاك في المقابل من لدن ممثِّلي المنتخبات العربية وممثِّلي المنتخبات اللاعربية (الإسلامية) المَفْحُوَّةِ دونيًّا، من طرفٍ آخَرَ.. وهكذا، من الطرفِ الأوَّلِ بالتمثيل المؤاتي، نرى ذلك الفارق الملحوظ على النحو الفاقع جدًّا بين عدد النقاط التي قد منحها ممثِّلو منتخب اليمن «العربي» (بحاصل ثلاث عشرة نقطة) وبين ما يقابلها ممنوحا من قبل ممثِّلي منتخب المغرب «العربي» (بحاصل نقطة واحدة، ليس غير)، وهلمَّ جرًّا.. وهكذا، من الطرفِ الآخَرِ بالتمثيل المؤاتي كذلك، نرى ذلك الفارق الملحوظ على النحو الأقل فقوعا من آنفِهِ لأسبابٍ بيِّنةٍ بذاتِها بين عدد النقاط التي قد منحها ممثِّلو منتخب الجزائر «العربي» (بحاصل ثلاث نقاط فقط) وبين ما يقابلها ممنوحا من قبل ممثِّلي منتخب جيبوتي «اللاعربي» (بحاصل خمس نقاط أو يزيد)، وهكذا دواليك – ناهيك عن أن ثمة بضعةً من منتخباتِ دولٍ عربيةٍ أخرى كذلك لم يحظَ ممثِّلوها قطُّ بأيةٍ من سانحاتِ التصويتِ المُتاحةِ فعليًّا، وفي أيٍّ من تلك المرتبات «الاصطفائية» الثلاث المقصودة بهذا التصويت.. ولكن، فوق كل ذلك المنح «الطائيِّ» من الدول العربية الأولياتِ بالذواتِ، سيبقى هذا اللاعبُ العربيُّ «المصريُّ» المعنيُّ كلَّ البقاءِ، على الرغمِ من كونِهِ «قائدَ» المنتخبِ الوطني الذي يمثِّلُ مصرَ تمثيلا دوليًّا و/أو عالميًّا (لكي نعيدَ الكلامَ للتوكيدِ هنا، مرةً أخرى)، سيبقى نموذجًا مصنَّعًا تصنيعًا بخسًا وضيعًا، ليس أكثرَ، من نماذج مَنْ أُشيرَ إليهم توصيفا لابخسًا حصيفا من قبلُ بثُلَّةِ أو بفَلِّ العبيدِ «الخادمين للقوة» Servants to Power، أولئك الخَدَمِ العبيدِ الوافدين إلى منابعِ المالِ الوفيرِ من أنحاءٍ شتَّى من هذا العَالَمِ العُفْريِّ العِفِّيرِ كي يخدموا أسيادَهم الذين كانوا قد استعمروا بلادَهم عقودا مديدةً من الزمانِ، كي يخدموهم خدمةَ الفادين والمتفانين في أعقار ديارهم حتى!!.. 

[ولهذا الكلامِ بقيةٌ، فيما بعدُ] 

^^^^^^

تعريف بالكاتبة 

ولدتُ في مدينة باجة بتونس من أب تونسي وأم دنماركية.. وحصلتُ على الليسانس والماجستير في علوم وآداب اللغة الفرنسية من جامعة قرطاج بتونس.. وحصلتُ بعدها على الدكتوراه في الدراسات الإعلامية من جامعة كوبنهاغن بالدنمارك.. وتتمحور أطروحة الدكتوراه التي قدمتُها حول موضوع «بلاغيات التعمية والتضليل في الصحافة الغربية» بشكل عام.. ومنذ ذلك الحين وأنا مهتمة أيضا بموضوع «بلاغيات التعمية والتضليل في الصحافة العربية» بشكل خاص..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى