ازدواجية التوجيه وإشكالية الرواية المصرية في عقودها الأربعة الأخيرة

أ.د. طارق محمد حامد | أكاديمي مصري
تميزت الرواية المصرية في بداياتها بنوع من استقلالية الكتابة وتوجيه جل معانيها واسقاطاتها وتنوعها إلي المتلقي والقارئ بمعني توجيه المجتمع نحو أفكار الكاتب وما يعتنق من مبادئ وما علي المتلقي أن يتبني هذه الأفكار ويعتنق تلك المبادئ أويلفظها جملة وتفصيلا وكان هذا التوجيه يؤثر في شرائح كبيرة في المجتمع المصري وكان بمثابة عامل مؤثر في المجتمع ككل وكذلك تغذية استرجاعية للرواية والكتاب المصريين آنذاك وبدا هذا في كتابات توفيق الحكيم ويوسف السباعي والعقاد وكامل كيلاني وثروت عكاشة وعبد الرحمن الشرقاوي وطه حسين ونجيب محفوظ وغيرهم من الكتاب المعتبرين في هذه الحقبة الثقافية الثرية جدا والهائلة من حيث غزارة الإنتاج الأدبي ولم يكن هناك ثمة إشارة إلى تملق الحكام أو الدعوة إلي الايمان بالنظم السياسية أيا كانت والمتزامنة والمتعاقبة من خلال الرواية المصرية وكما قلت أعطي هذا الرواية المصرية والكتاب علي حد سواء مساحة كبيرة من الإستقلالية وانطلقوا في ساحات الابداع يتحفون القراء بهذه الروايات العظيمة من حيث المحتوي الثقافي الهادف والقيمة المضافة من خلال نصوص تبث المبادئ والقيم وجدلية انتصار الخير علي الشر والتقاء ثالوث القيم والمبادئ والمحتوي الثقافي الهادف بعيدا عن هيمنة النظم السياسية الفاشية، ولما قام مقص الرقيب بالسماح لهذا النص المتوافق مع النظام السياسي ومنع غيره المناوئ له أحجم كثير من الكتاب عن الكتابة لانتهاك استقلاليتهم وتحجيم سيل أفكارهم من النفاذ إلي بقاع النور في أوساط المجتمع آنذاك.
لكن اللافت للنظر في العقود الأخيرة نجد أن الكتاب أنفسهم قد تبنوا مبادىء وأفكار النظم السياسية القائمة وقاموا بتوجيهها وبثها إلي طبقات المجتمع من خلال الروايات التي تبشر بهذه النظم تماما مثل السينما الأمريكية التي تضع جدولا زمنيا للمادة السينمائية المقدمة والتي ترفع من شأن مؤسسة الرئاسة الأمريكية خاصة بعد حقبة جون كينيدي أو تلميع دور الجيش الأمريكي بعد غرقه في مستنقع حرب فيتنام وهكذا، وهذه إشكالية الرواية المصرية من حيث ازدواجية التوجيه فتتلقي وتعتنق مبادىء وأفكار النظم السياسية وربما العالمية مثل منظمة الماسونية ثم تقوم بتوجيه هذه الأفكار وتلك القيم الدونية إلي المثقف العربي بطريقة دس السم في العسل لأن المتلقي قد وثق في هؤلاء الكتاب فكان علي استعداد لتقبل أي شيء منهم وظهر ذلك في روايات مثل 1919 والفيل الأزرق لأحمد مراد وكتابات يوسف زيدان وشذ عن هذا السرب أمد خالد توفيق وحسام الشحات في روايات يوتوبيا وكفر الجيوشي وأفاعي الرفاعي التي تقدم قيما مختلفة عن الآخرين وتحررهم من قيد الإرتباط السياسي وكذلك خلفيتهم الثقافية المختلفة والمتميزة التي تستند إلى خلفية علمية فضلا عن النشأة الريفية المحافظة، فتحدثت عن القيم المعتبرة المستقرة في المجتمع ورفعت هذه اللوحة الفنية الرائعة إلي أوساط المثقفين كذلك سلطت الضوء علي معاناة الشارع العربي وتشكلت من هذه المعاناة معولا شرع في هدم الأبراج العاجية التي تقطنها النخب السياسية والمادية، يعيشون فيها ويلقون بالفتات للشعوب و يعيثون في حياتهم فساداً.
هذا ملمح من ملامح هذه الإشكالية وهي ازدواجية التوجيه والارشاد وغرس القيم الدونية في المجتمعات العربية، فإذا فككنا الإرتباط بينهما ظهر ابداع الكتاب في أبهي حلة قشيبة تتحف العقول وتبل غلة المتلقي وتروي جفاف أرض المجتمعات الثقافية.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. بارك الله فيك د طارق
    مقال جيد وأشكرك على ذكر اسمي فيه
    تحتاج بلادنا إلى نوع من الكتاب يتبنون قضايا وطنية مهمة ويمتلكون الجرأة لطرحها
    تحياتي لك

  2. دكتورنا العزيز حضرتك روائي واعد و قامة أدبية و رواياتك كلها بدءا من كفر الجيوشي و مرورا أخي أكرم و ألعاب خطرة و أفاعي الرفاعي كلها تستحق الدراسة و النقد لأنها شاهد علي تاريخ و متغلغلة في عمق المجتمع بكل مفرداته و مؤطرة لمستقبل أمة تستحق الافضل .دام مداد قلمك و تحياتي لحضرتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى