أخبار

ما فرقته المنافي جمعه الشعر

بقلم: علي جبار عطية
منصة إبداع في بغداد تحتفي بالشاعرين عدنان الصائغ وعبد الرزاق الربيعي

احتفت منصة إبداع في بغداد مدينة الإبداع الأدبي/اليونسكو ضحى الخميس الموافق ٢٠٢٢/١٢/١٥م بالشاعرين عدنان الصائغ وعبد الرزاق الربيعي في جلسة عنوانها (رحلة الصداقة والشعر) أدارها مدير المنصة الدكتور سعد التميمي الذي أشار إلى أنَّ هذه هي المرة الأولى التي يجتمع فيها الشاعران معاً في بغداد منذ ربع قرن.


لم يُعرِّف التميمي الشاعرين الصائغ والربيعي لأنَّ كلاهما غني عن التعريف ومنجزهما الأدبي والشعري يتكلم عنهما.
لم تكن الجلسة تقليدية بل كانت كاسرة للتقاليد، وتلقائية للغاية روى فيها كل شاعر حكاية علاقته بصديقه الممتدة منذ نحو أربعة عقود فقد كان كل منهما يبحث عن الآخر في مفارقة عجيبة لكنَّ الصائغ كان الأكثر جرأة كما روى الربيعي فقد نشر قصيدةً في جريدة (الجمهورية) خالفت المألوف، وكتب عنها الناقد يوسف نمر ذياب مقالةً نُشرت في جريدة (الثورة) سببت له مشكلةً مع رئيس التحرير سامي مهدي جعلته يترك الكتابة في الجريدة، وينشر الصائغ قصيدةً ثانيةً تدهش الربيعي فيسارع إلى الناقد حاتم الصكر الذي يشاطره الإعجاب بها لكونها قصيدة تلامس الحياة اليومية فينتبه إلى أنَّه يكتب على ذات المنحى،فكانت القصيدة نقطة الالتقاء بينهما، وكان مهرجان الأمة الشعري ببغداد سنة ١٩٨٤م فرصة التعارف الأولى، وقد حضره كبار الشعراء العرب مثل نزار قباني، وعبد الوهاب البياتي.


يتداخل كلا الشاعرين في ذكر تأثير علاقتهما ببعضهما فيرى الربيعي أنَّ الصائغ هو المعلم الثاني له بعد المعلم الأول الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، وأنَّه كان يحفزه ويهدده بقطع علاقته معه إنْ لم ينشر ديوانه الأول (إلحاقاً بالموت السابق) فيرد الربيعي الدين حين يرفض الإعلان عن أعماله الشعرية الكاملة في القاهرة إلا بعد تظهر الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر عدنان الصائغ الذي يصر على تحرير الخبر بنفسه !
ويروي الصائغ قصة كتابته مع الربيعي قصيدتهما المشتركة (تقاسيم على الرصاص الحي) وأنَّ هذه التجربة لها ظروفها التي يصعب تكرارها؛فالشاعران يسافران إلى كربلاء بعد قمع الانتفاضة الشعبانية في آذار سنة ١٩٩١ ليزورا الشاعر الراحل علي الفتال في مكتبته فيروي لهما كيف قتل ابنه الشاب وهو يحاول البقاء على قيد الحياة مع من يرفع لافتة (أغيثونا) فتقصفهم الطائرات العراقية.
حكاية موجعة قادت إلى ولادة قصيدة في ذلك الزمن الصعب مررت للنشر في إحدى المجلات (مجلة الرافدين).
وتحدث الصائغ عن قصيدته الطويلة
(هذيانات داخل جمجمة زرقاء لا علاقة لعدنان الصائغ بها) التي قام الكاتب إحسان علي التلال بمسرحتها ، وتولّى المخرج غانم حميد تقديمها كمسرحيةٍ بعنوان (هذيان الذاكرة المر)، قُدّمت ضمن توجه ما يسمى بـ(مسرح الرفض) جسّدتها نخبةٌ من طلبة أكاديمية الفنون الجميلة على مسرح الأكاديمية سنة ١٩٨٩م، وكيف أنَّ المخرج إبراهيم جلال كان يبكي ويقول: (أحمدُ الله الذي جعلني حيّاً كي أرى مثل هذا العرض) .
وفي سنة ١٩٩٣م عاد الكاتب إحسان علي التلال لقصيدة الصائغ المندّدة بالحرب ، ليخرج بعرضٍ جديدٍ بعنوان
( الذي ظلّ في هذيانه يقظاً ) ويخرجه غانم حميد أيضاً على مسرح الرشيد ، ويمثّل الشخصيّة الرئيسة الفنان عبدالحكيم جاسم،ولتسبب له هذه المسرحية الكثير من المشكلات.
ويحكي الشاعران معاً تسمية (أخوة جعفر) التي اختصرت أسماء الشعراء (جواد الحطاب وعدنان الصائغ وفضل خلف جبر وعبد الرزاق الربيعي) ولكل واحد منهما تجربته المختلفة.
في قصيدته المهداة إلى عبد الرزاق الربيعي (تمرين لكتابة قصيدة) يقول الصائغ :
( وأنا وأنتَ…/على الطريقِ:/ظلّانِ /منكسرانِ/في/الزمنِ/الصفيقِ…/إنْ جارَ بي زمني/اِتَّكَأتُ على صديقي…)
الصائغ تحدث عن مشروع عمره (نرد النص) الذي استغرق في كتابته أكثر من ربع قرن، وجرب فيه كل الأشكال والتعابير الشعرية،ودافع عن بعض الألفاظ النابية الواردة فيه بأنَّ نظائرها موجودة في كتابٍ للمفسر الشهير جلال الدين السيوطي، وكذلك في حكايات (ألف ليلة وليلة)، وغيرها ويجب تقبل هذا الأمر.
وجرى الحديث عن علاقة الشاعرين بالصحافة وتأثر الصائغ بمقولة لبورخيس مفادها (أنَّ الصحفي يكتب للنسيان) مما أدى به إلى ترك العمل الصحفي نهائياً، و التفرغ للشعر في حين استمر الربيعي بنجاح في الشعر والصحافة، والمسرح، وهذا الجمع غير متيسر لكل شخص.
أطرف ما في الجلسة التي امتدت إلى ساعتين وثلاثين دقيقة أنَّ كلا الشاعرين لم يتحدث عن نفسه، بل تحدث كل منهما عن الآخر، ما يعكس خصلة الإيثار والثقة بالنفس، وهذا ما أثار إعجاب الحاضرين الذين تفاعلوا معهما وصفقوا لهما وهما يواصلان مسيرتهما الإبداعية بكل ثبات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى