حوار

عبد الكريم محمد مرجان: حاول الجميع إحباطي وإثنائي عن الاهتمام بدراسة الخط العربي

حوار مع أصغر خطاط.. الآن ينادوني بدكتور الخط العربي

حوار أجرته | أفنان زعيتر 

شاب في مقتبل العمر، صعيدي من محافظة قنا مركز أبو تشت قرية الشرقي سمهود. يدرس اللغة العربية في جامعة جنوب الوادي. وهو عضو بلجنة إعداد سلسلة علوم المصحف الشريف بدولة ليبيا.
تدرب على كتابة المصحف الشريف لمدة عامين قبل التوجه إلى النقابة وخوض الاختبارات اللازمة للحصول على الإجازة في كتابة القرآن الكريم. وقد حصل على الإجازة في كتابة القرآن بخط النسخ في عمر 19 عاما من الأستاذ مسعد خضير البورسعيدي، نقيب الخطاطين المصريين، في الخامس من شهر فبراير لعام 2021 بعد نجاحه في العديد من الاختبارات التي خضع لها. وإن لشهادة الإجازة مكانة كبيرة في مجال الخط العربي على مستوى العالم.
زرع والده –رحمه الله- حب الخط العربي في نفسه، فقد كان يهتم بإتقانه للكتابة بصورة جمالية وصحيحة. فقرر استكمال ما بدأ به والده وهو في عمر الثانية عشرة عاما، فاكتسب علومه من متابعة شبكة الانترنت، ليلتحق فيما بعد بمدرسة الخطوط العربية في أبو تشت لاكتساب الخبرة اللازمة وتعلم خمس خطوط عربية. ثم أجّل حصوله على شهادة الثانوية العامة ليلتحق بمعهد الخطوط العربية، حيث حصد المراكز الأولى كل عام، ليحصد المركز الأول في الجمهورية في دبلوم الخط العربي لعام 2022 بعد التزام أربع سنوات دراسية تتبع التعليم الحكومي. وقد حصل في عامه الدراسي الثاني على عضوية لجنة إعداد سلسلة علوم المصحف الشريف بدولة ليبيا.
جرى اختياره لتدريب عدد من الطلاب في مدرسة الخطوط في أبو تشت، وقدم العديد من الندوات لزملائه في الكلية. وقد ألّف كتابا عن قواعد خطي النسخ والرقعة لجامعة جنوب الوادي. وقد شارك قصر الثقافة في أبو تشت، ومكتبة الطفل والشباب في أبو تشت، العديد من المعارض.
كان سر نجاحه هو مثابرته على محاولة تحقيق حلمه، فكان ملتزما بالتدريب لساعات طويلة، واهتمامه بتطوير ذاته وأدواته، واهتمامه بتلقي علومه حتى لو اضطر للسفر لأماكن أخرى بهدف تلقي العلوم ومعرفة أسرار الخطوط على يد فناني الخط العربي .
هدفه استكمال سنتين أخرتين في تخصص الزخرفة ليكون متاحا له العمل كمدرس للخط العربي، واستكمال نسخ آيات المصحف الشريف كاملا بيده.
وبعد أن نعته أقاربه وأصدقاءه بالفاشل لتأخير حصوله على شهادة الثانوية العامة، وإحباطه وعدم دعمه، أثبت لهم خطأهم بمحاربته في شغفه وحلمه، فأصبحوا يلقبونه بدكتور الخط العربي.
مازال يتعلم الخط العربي، فهو علم كامل قائم بذاته، له قواعده، ويعتمد على التناسب بين الخط والنقطة والدائرة، ومشاعر وأثر تتركه اليد على الخط.

ما الأمر الذي جذبك للخط العربي؟

الأمر هو تعلقي الشديد بدراسة القرآن الكريم منذ صغري، فقد كانت تعجبني كثيرا طريقة كتابة القرآن الكريم. وحيث أنني كنت دائم الكتابة لما أحفظ وانا في الكُتّاب، ومع كثرة الكتابة بدأت أجد في خطي بعض الشبه من خط المصحف الشريف.
أما السبب الرئيسي للخوض في طريق الخط العربي فهو والدي –رحمه الله- الذي كان يعلمني أن أكتب على مهل وأن أراجع خطي دائما، وكان يحثني على ذلك على الدوام.
لقد جعلني دائما حسن الخط، لكني لم أكن أعلم أنه كان يصنع شخصا سيكون عضوا في لجنة مراجعة المصحف الشريف.

كيف استطعت الإقدام على خطوة ترك الثانوية لفترة والتركيز على حلمك بتعلم الخط العربي في مدرسة معتمدة؟
كان الأمر صعبا جدا، فوق تصور أي أحد، وذلك لاعتراض جميع من حولي على ذلك، ولكن حين بدأت أولى خطوات نجاحي، رأيت تقهقر الناس بآرائهم، فقد شاء الله أن يثبت لهم أن تعلقي بالقرآن هو أساس وبداية نجاحي.

رغم غياب كلمات الدعم، كيف استطعت مجابهة مخاوفك من تحقيق الفشل الذي يتوقعونه لك؟
كنت قد احتسبت عملي لوجه الله، ورغم عدم توقعي للمكانة التي سأصبح فيها إلا أنني كنت على يقين بأن الله لن يتركني. أجل لقد كان الطريق مليئا بالمصاعب والتعب، لكن الله كان معي دائما، وشاء الله أن يحقق لي الأحلام بشكل سريع، الأمر الذي جبر خاطري وشد من أزري.

في كل مرة واجهت فيها الصعوبات أثناء بذلك الجهود لتحقيق حلمك، ألم تواجه ألما في روحك وحوار مع النفس بضرورة ترك ذلك؟ وكيف كنت تواجه ذلك الحديث وتتعامل معه؟
حقيقة، رغم كل الصعاب لم أفكر يوما في ترك تعلم الخط العربي، فقد أصبح بالنسبة لي سر روحي الذي بدونه لا طاقة لي ولا وقود، فهو من يحركني بشغفي لممارسة موهبتي وخوض أسرارها أكثر. وإن الله طالما زرع في الإنسان رغبة لشيء ما فسوف يوصلك إليه بثقتك به وتعلقك بشغفك.

 لقد استطعت الحصول على إجازة في نسخ آيات القرأن الكريم، وحصلت على المركز الأول في دبلوم الخط العربي، وكنت عضوا في لجنة إعداد سلسلة علوم المصحف الشريف بدولة ليبيا، وشاركت في معارض عدة، وكانت لك ورش عمل وندوات ودورات تدريبية عن الخط العربي للصغار وزملائك في الجامعة، وحصلت على العديد من الشهادات التقديرية، ما الذي لم يحققه بعد عبد الكريم وما زال يسعى إليه؟
لقد كانت جميعها إنجازات تحققت بفضل الله، لكن ما أرغب حقا بتحقيقه هو الانتهاء من كتابة المصحف الشريف كاملا، و أن تتم طباعته على أكمل وجه إن شاء الله. وما يحول حاليا دون تحقيق ذلك هو دراستي وتعبي وغيابي الطويل عن البيت لفترة تزيد على ستة أشهر.
ولأن كتابة المصحف الشريف هو أمر له خصوصيته، لذا فإني لا أمارسها أمام ناظر أحد، بل أكون منعزلا عن الناس، خوفا من السهو وخوفا من ضياع البركة عند عرضها للناس.

ما هي الخطوة القادمة لعبد الكريم؟
الخطوة قد حصلت بالفعل، لكني حاليا لا أستطيع الإفصاح عنها، لكن في القريب العاجل سيعرفها الناس وستكون متداولة بينهم بإذن الله. وإني الحمد لله راض بقسمتي وقدري، وراض بمكانتي التي جعلني الله فيها، وإني أتمنى على الله أن يوفقني ويصبح لدينا مصحفا مكتوبا بيدي شاب مصري صغير السن.

لأي جزء وصلت في نسخك لآيات القرآن الشريف؟ وما الذي ستكون قد حققته من ذلك؟
في آخر مرة كنت قد انتهيت من كتابة خمسة أجزاء.
ولكن عند كتابة المصحف لا نفرح بالكم بل المهم هو إتمام الكتابة على أتم وأكمل وجه. فليس مهما كم قد أستغرق وقتا في الكتابة، ولا أن أعيد الكتابة مرارا، بل المهم هو إتقان كتابة وعرض كلام الله المتقن، المنزه عن أي خطأ.

 لماذا يستدعي نسخ آيات القرآن الكريم ثلاث سنوات؟
لأنه يحتاج للكثير من التركيز والتدقيق والمراجعة والاهتمام، لذا يتوجب على الكاتب أن يكون مرتاحا وفي أوج تركيزه.

 ما هي أدوات الكتابة للخط العربي؟ وهل هي متوفرة ومتاحة للجميع ؟
أدوات الخط العربي كثيرة جدا، منها؛ القلم الذي يجب أن يكون جديدا وجيدا دائما، فهناك مقولة تقول: ” إذا جوّدت قلمك جوّدت خطك، وإن أهملك قلمك أهملك خطك”، وهناك أنواع عديدة جدا وأسماء كثيرة للأقلام منها الأقلام المعدنية والبيلي والهندام والجاوا.
هناك أيضا الحبر، منها ما يسمى بـ: الدايسو الياباني، والحبر العربي، وحبر طاهر وأنواع أخرى. أيضا هناك الأوراق، التي غالبا ما تكون أوراق كوشيه سواء كانت من النوع المطفي أو اللامع أو الورق المطهر –وهو غالي الثمن جدا-، بالإضافة إلى عدة أدوات هندسية.
هذه الأدوات غير متوفرة للعامة، ولكنها متوفرة للمتخصصين فقط، لأن أغلب هذه الأدوات تكون مخصصة بصناعتها لنفسه.

هل يستطيع الشخص تعلم الخط العربي دون الأدوات اللازمة؟ وهل من الصعب الحصول عليها ؟
إن كان الشخص ذو موهبة كبيرة فإنه يستطيع أن يتعلم الخط العربي دون هذه الأدوات الغالية، فربما يصنع قلمه وحبره وأدواته بنفسه، ويصبح من أكبر الخطاطين، ولكن الأدوات مهمة جدا في التعلم.. وكلما كانت الأدوات جيدة، كانت النتيجة النهائية مُرضية، وإن كانت جودة إحدى الأدوات سيئة فلا بد أن ينقص ذلك من جمال الكتابة.

 حدثنا عن كتابك الذي ألفته عن قواعد خطي النسخة والرقعة..
اسم الكتاب ” جماليات الحرف العربي”، كتبت فيه كل الحروف واتصالاتها وأرفقت فيه بعضا من أعمالي. كان هذا الكتاب أشبه بمدونة للكتابات التي كتبتها وقدمتها للأستاذ في سبيل حصولي على شهادة الإجازة، فكان توثيقا للرحلة التي خضتها.

 ما هي العلوم التي يجب اكتسابها لتكون مجازا للخط العربي، والأمور التي يجب معرفتها لتكون مجازا لكتابة آيات القرآن.
هناك فارق بين أن تكون مجازا في الخط العربي وأن تكون مجازا لكتابة آيات القرآن الكريم.
فالأولى تحتاج فيها للموهبة والأسلوب الخاص بك في الكتابة؛ أي أن تكون لك بصمة تميزك، مع إتقان القواعد الأساسية بالطبع.
وأما الثانية، فتحتاج للالتزام برسم القرآن والالتزام بالقواعد والأسس التي تعطيها لك لجنة مراجعة المصحف الشريف.

 ما هدفك بعد التخرج من تخصص اللغة العربية؟
هدفي الأول والرئيس هو الانتهاء من كتابة المصحف الشريف، وأن أكون أستاذا من أساتذة الخط العربي، أستاذا متخصصا متقنا مُجيدا له على أكمل وجه.

ما الذي تضيفه ممارسة رسم الخط العربي إلى الشخص؟
هو حياة جديدة و جميلة، ترى فيها جمال الحرف وتُخرج فيها بكتابتك ورسمك للحروف ما بداخلك من جمال وشعور وفكر وإبداع. تضفي عليك ملامح كأن تكون صبورا جدا وهادئا وأن تنظر لأي شيء نظرة فنية ترى فيها جمال صنع الله عز وجل، فترى الجمال في جوهر الشيء والإبداع فيه.
كما ينعكس الاهتمام بنظافة الكتابة وزخارفها على مظهرك الخارجي وهندامك ونظافتك، وأما الهدوء والتفكر أثناء الكتابة يجعلك هادئ النفس بعيدا عن الحقد والضغينة، محبا لكل شيء جميل، مليئا بالإيجابية.

 من خلال دراستك للخط العربي وملاحقتك لفناني وأخصائيي الخط ، كيف تختلف المدارس والمذاهب في الخط العربي؟
من رؤيتي المتواضعة، إن اختلاف المدارس ليس اختلافا كبيرا، فالقاعدة واحدة، لكن اختلافها جاء من اختلاف الأساتذة واختلاف مواهبهم وبيئاتهم، لذا فالتطبيق هو المختلف؛ فمن يعيش في الصحراء ليس كمن يعيش في المدينة، فالصحراء تجعل الخطاط ذو حرف قاسٍ شديد مثله، بعكس من يعيش حياة المدينة السهلة، فتجد في خطه اللين والانسيابية.

 كم عدد الخطوط العربية وما هي هذه الخطوط؟
أنواعها كثيرة جدا لا أستطيع عدها وإحصاءها، ولكن ما يتعمله الطلاب في مدارس الخط العربي في المرحلة الأولى هي خمسة خطوط، هي: الرقعة والديواني والنسخ والفارسي والثلث.
أما في مرحلة التخصص فيتعلمون الخط الكوفي بأنواعه (مصحفي، فاطمي، هندسي..الخ) والزخرفة الإسلامية والتذهيب.
لكن هناك أيضا الخطوط الحرة، والخطوط القديمة مثل الخط الطورائي والشكستة وخط الطومار، وخطوطا أخرى كثيرة جدا تحتاج دراستها إلى وقت كبير. 

ما هي أحب الخطوط إلى قلبك ولماذا؟

أحب الخطوط إلى قلبي هو خط النسخ، لعلاقته الكبيرة وخدمته للقرآن الكريم. فأرى فيه جمال الدنيا كلها.
كما أحب الخط الكوفي المصحفي لتعلقه أيضا بالقرآن الكريم.
ذلك هو أساس حبي للخطوط. 

برأيك… لو تمت إضافة تعليم الخط العربي إلى منهج المدارس فهل سيكون تعلم ذلك سهلا لنسبة كبيرة من الطلاب أم لا؟

إن تعليم الخط العربي موجود في المدارس منذ زمن بعيد، لكن الطلاب لا يهتمون به.
للأسف حاليا يهتم الطلاب بالتكنولوجيا وليس تعلم الكتابة، رغم الفوائد العديدة التي لا تحصى ولا تعد لتعلم الخط العربي، فهناك مقولة للإمام علي يقول فيها: “الخط الحسن يزيد الحق وضوحا”، أي أن الكتابة الواضحة لا تدع مجالا للجدال والتخمين والافتراضات.
كما يوافق ذلك أبيات شعر للإمام الشافعي يقول فيها:
العلم صيد و الكتابة قيده
قيد صيودك بالحبال الواثقة
فمن الحماقة أن تصيد غزالة
وتتركها بين الخلائق طالقة

وقالوا أيضا: قيدوا العلم بالكتابة، فإن قيدته بخط ردئ فلن تستطيع أنت نفسك أن تقرأ ما كتبت…
لذا فالعلم هو الحق والكتابة تزيده وضوحا وجمالا وقوة.
وكما قال عمر رضي الله عنه: ” تَعَلَّمُوا الْعَرَبِيَّةَ ؛ فَإِنَّهَا تُثَبِّتُ الْعَقْلَ ، وَتَزِيدُ فِي الْمُرُوءَةِ “.، وقال أيضا رضي الله عنه: “تعلموا العربية فإنها من دينكم”..
وإن إحدى علوم اللغة العربية هي علوم الخط العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى