فكر

إنسان وأديان

بقلم: هيثم نافل والي| كاتب وأديب عراقي

تنويه/ حكمت على قلمي بالإعدام كسراً عندما تعرضت للجلطة الدماغية قبل عامين تقريباً؛ التزمت بالحكم ونفذته بقناعة تامة كون مجتمعنا الشرقي مليء بالرقع، وعندما فشلت بترقيعه لكثرتها، وتنوعها وغرابتها، وعمقها، ووسعها، حكمت بكسر قلمي! وبَعد بي الزمان ولم أكتب حرفاً، وفي لحظة ضعف آدمي اكتشفت فيها مأساة الإنسان بسبب الأديان قررت كتابة هذه القصة بجرة قلم واحدة وقتها فقط هدأت مكتفياً بإنجازي! 
بدأت الأديان دفعة واحدة تسأله غاضبة:
– لماذا تهاجموننا؟
بهدوء ورويه:
– لم نهاجم أحداً، بل العكس تماماً، أنتم الذين تهاجموننا، نحن في وضع الدفاع عن أنفسنا؛ تتدخلون في حياتنا عنوة، تنغصون علينا تأملاتنا، وحدتنا، ولكم في الحياة لوائح في المحرمات كثيرة لا يقبلها الله نفسه على عباده الذين خلقهم، حللتم لأنفسكم ما حرمتموه لغيركم، فرقتم الناس وقسمتموهم إلى فرق وشعوب، بل جعلتم من الأسرة الواحدة أعداء يتقاتلون فيما بينهم، هل تريدون أمثلة على ذلك؟ أستطيع أن أذكر لكم بالاسم من قتل أفراد أسرته بتحريض منكم! ثم أدرك متألماً:
هل يقبل الله هذا وبشر به كما تدعون؟! أتيتم في البداية بالهدايا، بالترغيب، ثم انقلبتم إلى سلطة مطلقة تحكم الأرض ومن عليها تحت راية الخالق!
قاطعته الأديان بأسلوبها المتعودة عليه مستاءة برنة لا تخلو من تهديد مبطن ووعيد واضح:
– تريد أن تكفر وتجهر أمامنا بأننا أقل شئناً مما أراده الله لنا ولم يسخرنا لنشر العدل والخير والرحمة بين العالمين؟
بسخرية:
– وهل تشكون في ذلك؟
– أثبت لنا قولك وندرس ردك ثم نقرر بشأنك!
– الله خالق مبدع، له رحمة لا تدركونها، فمركبات الماء والهواء لم تتبدل مثقال ذره منذ الأزل يكفي هذا دليل حبه لكائناته التي خلقها عارية لترجع له عارية كما خلقها، فهو لا يحب التزويق أو الطلاء الزائف، أبدع الطبيعة بألوانها السبعة البراقة، رفع الجبال وثبتها بحكمته، بسط الأرض وسواها، جعلها ملح الطعام للإنسان والحيوان، نزرع نأكل، نسعى نجد، لم يخبرنا بقتال أخوة لنا، لا يحب الاعتداء على الغير، لم يناقض قوله، لم يأت بالمنكر ويفعل الأمر ذاته تحت اسم آخر، لم يخدعنا بالسحر تارة، وبالجن والعفاريت والشياطين تارة أخرى.. الأول يضرب البحر بعصاه فينقصم وسطه! وآخر يحول الماء إلى خمر ثم نراه يموت ويحيى ويعود ولا نعلم كيف أو لماذا؟ وثالث يسافر البلدان برمشه عين ويعود إلى مكانه دون أن يبرد فراشه! لله دركم، لماذا تلجئون لمثل هذه الأدلة والأمثلة؟ فالصادق لا يحتاج إلى دليل كي يثبت صدقه!.. تبرمت الأديان عند سماعها هذا البيان فحاولت التملص من الاستماع، فقررت الدخول معه  في حوار ربما تتفوق عليه حسب ظنها فسألته مختالة:
– ماذا تعرف عن ماهيتنا حتى تتحدث عنا بهذه الوقاحة يا هذا؟
– أنا لست هذا، بل الإنسان الآدمي الذي خلقني الله حراً بلا قيود بشرط أن لا أؤذي أحداً، ولا أتعدى على حرمة غيري، لا أناقض قولي ولا فعلي، لا أنافق ولا أقول إلا الصدق كما أرادني خالقي أن أكون من دون وساطة! أيعقل بأن الرب يبدع الكائن ثم لا يعرف كيف يحدثه؟ فالأب لا يحتاج لجيرانه وقتما يرغب بالتحدث مع ابنه! أحب الله وأعترف به كخالق لي، في أعماق ضميري حي موجودا، لم أشرك في حبه يوماً، ولم أستجب للصخر أو الحجر مثلكم، أقول ما أفعل، أنظروا إلى مبكى داود، ذلك الجدار الذي تقبلون أحجاره وتبكون عنده، ناهيك عن تقبيل أعواد الخشب والمعدن التي تصنع منها رموزكم التي تعلقونها على صدوركم، يكفي ذرف دموعكم على شبابيك أضرحتكم ولثمها..
قاطعته الأديان مجدداً بتبرم غير مصدقة ما تسمع، اختصر صاحت به متأففة، ثم تابعت: ففي أقوالك الكثير من الآثام مدججة بالخطيئة:
– هذا طبع فيكم، لا تقبلون النقد، ولا تحبون سماع الرأي الآخر، ومن يكون على غير مذهبكم يقتل أو ينبذ أو يشتم وبالقليل تشوه سمعته، أليس هذا ما يحدث في الغالب؟! ثم استكمل الإنسان حديثه بلين ورفق: سأحدثكم عن ماهيتكم كما طلبتم:
اسمعوا إذن: كُتبَ العهد القديم على مدار ألف عام، وفيه كلام لا يستسيغه العقل ولا يقبل به سبحانه كمضاجعة الأنبياء لبناتهم! ثم تبعه العهد الجديد، بل يمكن القول، العهود الجديدة لتعددها وكثرتها التي اختصرتها السلطة الدينية العليا إلى أربعة صالحة للتداول ومنعت البقية من تداولها وظهورها. ثم أتت مرحلة جديدة سيطرت فيها قوى الأغنياء على الفقراء، الأقوياء على الضعفاء، فكتب التأريخ المنتصر؛ عندها ألغى الخليفة الثالث واسع الغنى والجاه الكتب الأربعة التي كانت بحوزة كل من بنت عمر، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وما في حوزة أبا الحسن من كتاب ليبقي على واحد فقط هذا الذي نعرفه اليوم ومنع من ظهور الكتب الأخرى التي نوهت عنها بحكم السلطة التي يملكها آنذاك.. أخذ الإنسان نفساً عميقاً لتأثره بحال البشرية الذي ينزف تعاسة، أضاف بصوت خافت كنبض النائم:
هل تريدون سماع المزيد عن تأريخكم أم يكفي ما قدمته لكم؟
الأديان كانت غاضبة، يستطير الشرر من عيونها، نعم، هي سمعت مثل هذا الكلام من قبل، لكنها عرفت كيف تتخلص من قائليه قبل أن يتفوهون به وينتشر عكس هذه المرة التي حاولت فيها أن تكون حضارية بعض الشيء لتواكب العصر، فسمحت بالحوار مع من أدعى الوقار والحكمة، فندمت على قرارها، وقتها حاولت أن تتدارك موقفها فطلبت منه مهلة، بقولها:
– نحتاج وقت للتفكير.. ثم أدارت له ظهرها وبدأت تتهامس فيما بينها ثم علا صوتها وكأنهم يتشاجرون، فحسمت أمرها قائلة: إن كنت من الصادقين عليك أن تحدد بالضبط ما قلناه ضد الإنسانية كي نؤمن بعدها بأننا ارتكبنا ربما أخطاء إملائية غير مقصودة في بداية ثوراتنا وهذا يمكن له أن يحدث في كل تغيير..
بجدية صارمة لا تقبل التأويل:
– حسناً، أنتم إذن على المحك، سنبدأ بالكتاب الأول، اسمعوا ما جاء به:
” سفر لاويين 15:24- 11:25  وإذا قتل رجل نفس إنسان فإنه يقتل، ومن قتل نفس بهيمة يعوض عنها نفساً بنفس، وإذا أحدث إنسان في صاحبه عيباً، فكما فعل يفعل به، كسر بكسر وعين بعين وسن بسن، كالعيب الذي يحدث فيه. وفي سفر التثنية 19:19-14:20  وإذا تقدمت إلى مدينة لتحاربها، فأبلغها شروط السلم، فإن أجابتك بالسلم وفتحت لك أبوابها فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويخدمك، ولكن إن لم تسالمك، بل حاربتك، فحاصرها، يسلمها الله إلى يدك فتضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها فتنهبها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي يعطيك الله إياها “.. ثم يأتي القول النقيض فينسف ما تقدم كما واضح في الوصايا العشر التي تنهي عن الكذب والسرقة والزنا والشرك وتنصح بالرأفة بالوالدين!..
في حين جاء في الكتب الثانية ” لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً علي الأرض، ما جئت لألقي سلاما بل سيفا، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنه ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته “.. ثم يناقض ما تقدم بقولها ” أحبوا أعداءكم وصلوا لأجل الذين يضطهدونكم “.. وفي سياق آخر يقول” لا تدينوا لكيلا تدانوا “.. ثم يسترسل منوهاً ” لا تقاوموا الشرير، بل من لطمك على خدك الأيمن، فأدر له الآخر أيضاً، ومن سخرك ميلاً، فأذهب معه ميلين “..
بينما صرح الكتاب الثالث بأمور غاية في الخطورة كما جاء في الكتاب الأول، انتبهوا لما يقول ” وكتبنا عليهم فيها النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن والجروح قصاص ” ثم يستكمل ” فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ” ثم يستمر بمثل هذا السياق ” فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ” بعدها نرى الطرف الآخر من القضية كقول” لا إكراه في الدين “.. ” لكم دينكم ولي دين “.. ” إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا يحزنون “..
استوقفت الأديان الإنسان، شعرت بالحرج، حاولت أن تدافع عن وجهة نظرها لكنها لم تتفق فيما بينها، فقد عرّ الإنسان ثوب الأديان، قال لهم، هذا أنتم وما جئتم به ولم أنطق حرفاً واحداً من عندي، أنها أقوالكم وحكاياتكم وما حاولتم الزمن كله أن تلقنوه لنا عبر الأجيال، فاحصدوا ما زرعتم ولن يسعفكم أحد غير أن تتحدثوا معنا، تسمعوا لنا، حاولوا أن تتفهموا طبيعتنا، الزمن متغير، لا شيء يبقى على حاله، نحن لسنا أعداء لكم، ولا نبغي منكم غير المحبة، الرحمة، من غير شروط، الله لم يشترط علينا عندما خلقنا إلا أن نكون أحراراً بعقل وتتحكم فينا ضمائرنا التي يسكن الله فيها، لسنا من جامل الأصنام وحابى التماثيل في قوله” تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتضى “..  فلا تحرضوا ولا تغرروا فالحق لا يحتاج إلى دليل، نريد أن نكون إلهيين لا دينيين عندها فقط ننكر الاستعمار ونبغض الاستبداد، نبتعد عن إيذاء الآخرين ويكون لنا كتاباً واحداً أسمه الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى