تاريخ

عمامة نابليون وجُبَّتُهُ وقُفطانُه!

توفيق أبو شومر | فلسطين

إليكم منشور نابليون للمصرين بعد يوم من نزوله على شواطئ الإسكندرية، يوم، 2/7/1798م
دخل الاسكندرية ومعه 55 ألف رجل، وكانت حملته مكونة من 400 سفينة. طبعَ نابليون منشورا باللغة العربية، في المطبعة التي حملَها معه، جاء فيه:
“منذ وقت طويل، وهؤلاء المماليك العبيد، الذين اشتراهم السلاطين من القوقاز، وجورجيا، يستبدون بمصر، أجمل مكان في الدنيا، شاءت إرادة الله، الذي توكلت عليه أن تدول دولتهم.
يا أبناء مصر، سيقال إنني جئت لأهدم دينكم، لا تصدقوا، وإنما جئت أعيد لكم حقوقكم، وأعاقب غاصبيها، فأنا أحترم دينكم، وأؤمن بالله ورسوله، وكتابه القرآن الكريم، ونحن نؤمن مثلكم بأنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
ولكن ما هي تقوى المماليك، وما هي العدالة، حين يكون للمماليك كل شيء، وليس للشعب العربي شيء؟!!
ما العدالة حين تكون الحياة الكريمة لهم، ولكم الذلُّ والهوانُ؟
وإن كانت هناك أرضٌ، فللمماليك وحدهم، وإن كانت هناك جارياتٌ فللمماليك وحدهم، ولا شيء لكم، ثم أين هذه الأرض الخصبة؟ وأين الحدائق؟
إن بخلَهم وجهلَهم وظلمَهم جعلها خرابا!
يا أيها القضاة، والشيوخ، والأئمة، قولوا للناس:
إننا أيضا مسلمون، ونشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ألم نقضِ على البابا الذي يريد هدم الإسلام؟!
ألم نقض على فرسان مالطا الأشرار الذين يقولون:
لا سلام إلا بالقضاء على الإسلام.
طوبى لمن يكون معنا ، طوبى للمحايدين، الويل لمن يقف مع المماليك”
ارتدى نابليون يوم 18/8/1798 م، العمامة، والجبَّة، والقُفطان.
كان عمرُه تسعةً وعشرين عاما، كانت الجُبةُ تتدلى على الأرض.
دعاه الشيخ البكري، نقيبُ الأشراف، لتناول العشاء، في ذكرى مولد الرسول، فجلس القُرفصاء، وأكل بيديه، ومسح فمه بالجبة، واعتذر عن وضع النُّشوق في الأنف.
كذلك أعلن قائد جيشه، مينو إسلامه !! أسمى نفسه، عبد الله مينو.
عندما ثار المصريون بعد ثلاثة أشهر على نابليون، دخل الأزهرَ بالخيولِ، وقصفَ الأزهر بالمدافع، وقتل ألفين وخمسمائة مصري.
إنها السياسة، كما أسماها نابليون: هي فَنُّ الَّلعب بالرجال، ليس المهم ما يُقال، أو يُنشر، ولكن المهم ماذا تفعل لتحقيق المآرب والأطماع!
سوف أظل أُردِّد الحكمةَ المشهورة، وهي:
“كُتِبَ على الذينَ لم يقرأوا التاريخَ أن يُعيدوه مراتٍ، ومرات”
نعم سيظل كثيرون من العرب يُعيدون تجارب أسلافهم السابقةَ بأخطائها وسلبياتها طوال حياتهم.
إذن، مَن يرغب في قيادة عجلة العالم عليه أن يقرأ تواريخ الأمم السالفة، ليفهم طبيعة الشعوب، وعاداتهم، وتقاليدهم، ليتمكن من العثور على نقاط ضعفهم، ومراكز قوَّتهم، ليتمكن في النهاية من إحكام السيطرة عليهم، وفي هذا الإطار لا أنسى أن وزير الحرب السالف، شارون، رفض أن يجلسَ على كرسيٍّ، أحضرَه له فلسطينيٌّ، يسكن خيمة في النقب، بعد أن استعارَه من دكانٍ قريب، ليجلس عليه شارون، دخل شارون الخيمة، وجلس على البساط المفروش، هذا التصرُّف الذكي، جاء نتيجة دراسة واعية للتقاليد والعادات، هدفُهُ التأثير على الجمهور، لهدف إقناعهم، وكسب تعاطفهم، وحينما فشل شارون في إقناع ساكني الخيمة، استخدم جرافاته لإزالة الخيام، كما فعل نابليون بالضبط!
هذا أيضا هو ما حدث عندما حلَّ، دونالد ترامب، في مضارب العرب، شرِبَ القهوةَ العربية، ورقص بالسيف، ليتمكن من تحقيق مآربه!
هذا ما يفعله اليوم، الحاخام الشيخ، العارف بالله، الناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال، أفيحاي أدرعي، حينما يتلو آياتٍ من القرآن، ويُردد الأحاديث ، والأمثال المحكية!!
نعم، كلهم نابليونيون الألفية الثالثة.
كلهم يُردد مقولات الأستاذ، نابليون:
انتصرتُ في بلدي، عندما صرتُ كاثوليكيا، واحتللتُ مصر عندما صرتُ مسلما، وربحتُ معاركي في إيطاليا عندما صرتُ جبليا، وإذا حكمتُ اليهود فسأكون الملك سليمان.
جردوا الأمم من تاريخها، يسهل ابتلاعها.
لا يرسخ الحكمُ إلا بالمهاميز، والأحذية.
عاقب بقسوة، حتى لا تُضطر إلى فرض العقوبات، مرة أخرى.
لا قيمة للأوامر، بل القيمة في تنفيذها.
ليس المهم أن يحبك الناس، بل أن يخدموك على وجه أفضل.
قلبُ رجل الدولة ، يجب أن يكون في رأسه.
عندما يبدأ التآمر، يصبح كل شيء مباحا.
الدم هو طبُّ السياسة.
العلماءُ، والفنانون مُدلَّلون، لا يجب أن تتزوج منهم، أو تجعلهم وزراء.
الناس يُحكمون برذائلهم، أكثر مما يحكمون بفضائلهم.
يستطيع الحُكام، والملوكُ البقاءَ في الحكم مُدةً أطول، لو تحكموا في الأقلام!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى