المفكر علي حسين يوسف ومريم حميد وجهًا لوجه
المفكر الدكتور علي حسين يوسف يكشف تسع شفرات من فلسفته

حاورته: مريم حميد
قبل بضع سنوات اتصلت بدكتور علي حسين يوسف لأبلغه برغبتي في عمل حوار صحفي معه فأجابني في أي مجال تريدين: تعليم أم فلسفة، أم سيرة ذاتية، أو أسئلة عام، أم أكاديمية؟
وبعد سؤاله هذا أحسست إني بحاجة إلى حبة (براستول) كيف يمكن لي أن أصوغ حوارية تحيط بكل هذه الجوانب المتعددة، ربما كنت أتكلم من منطق الابنة التي استندت أن أباها لا يرد لها طلبا لكن لم تدرس الأسئلة جيدا، فكيف يمكن أن تقف على ما يحتويه المحيط، أو من منطق التلميذة التي أرادت أن تكشف عبر اسئلتها إجابات لا تتاح للطلبة عادة.
اسمحوا لي ألا أجتهد كثيرا فيبدو علي ارتباك الطلبة، وأن أكشف لمن لا يعرف البروفيسورعلي حسين يوسف سيرته ثم نتأمل الشفرات التي شرحها متفضلًا التي حاولت أن أجعلها محيطة ببعض الجوانب أكاديميًا، وفلسفيا، وإنسانيًا.
والأستاذ الدكتور علي حسين يوسف عناد ناقد وباحث وأكاديمي عراقي، خبير ومحكم أدبي في أكثر من مجلة ومسابقة، مواليد ١٩٦٩ العراق، حاصل على الدكتوراه فلسفة لغة / النقد المعاصر بتقدير امتياز، عضو نقابة المعلمين، وأمين سر رابطة التدريسيين الجامعيين، وعضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، وعضو نقابة الصحفيين العراقيين، وعضو اتحاد الصحفيين ومشرف قسم اللغة العربية في الكلية التربوية المفتوحة فرع كربلاء، مدير الاشراف الاختصاصي في كربلاء سابقا.
تدريسي في الكلية التربوية، كربلاء، واستاذ محاضر سابقا في كلية الآداب، جامعة أهل البيت في كربلاء، واستاذ محاضر في كلية الأمل للعلوم الطبية التخصصية في كربلاء، مقوّم علمي لبحوث الترقية في كلية الآداب/ جامعة أهل البيت، ومناقش وخبير لعدد من الرسائل والأطاريح في كلية التربية للعلوم الانسانية، جامعة كربلاء.
له عدد من الكتب المطبوعة (وقد طبعت كلها في بيروت) منها:
1ـ الإمام الحسين بن علي في الشعر العراقي الحديث، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط1، 2013، اصدار العتبة الحسينية المقدسة.
2ـ اشكاليات الخطاب النقدي العربي المعاصر، دار الروسم للصحافة والنشر والتوزيع، بغداد، ط1، 2015، وهو معتمد مقررا لطلبة الدراسات العليا في أكثر من جامعة.
3ـ إضاءات في النقد الادبي، المؤسسة الوطنية للتنمية والتطوير، بيروت، ط1، 2014.
4ـ دراسات في الأدب واللغة، دار المنهجية، عمان، ط1، 2015.
5ـ حينما تتوهج الكلمة، دراسات في الادب الكربلائي المعاصر، دار الروسم للصحافة والنشر والتوزيع، بغداد، ط1، 2015.
6ـ النقد العربي المعاصر، دراسة في المنهج والاجراء، دار المنهجية عمان، ط1، 2015.
7ـ ما بعد الحداثة وتجلياتها النقدية، دار الرضوان، الاردن، ط1، 2015.
8ـ المصطلح النقدي، الترجمة والتوظيف، دار الرضوان، الاردن، ط1، 2015 .
9ـ مبادئ البنيوية من النشأة إلى التمثيل العربي، دار المنهجية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن،ط١، ٢٠٢٢
10ـ تلك أسفاره (رواية)، مكتبة فضاءات الفن للطباعة والنشر، بغداد، ط١، ٢٠٢٠.
11ـ مكتبة النسيان (رواية مخطوطة)
12ـ عقلانية الشك والحاجة إلى الإيمان،مقولات الفلسفة والدين (قيد الطبع)
13ـ كتاب الطمأنينة (قيد الطبع)
14ـ الفلسفة أسلوبا للحياة (قيد الطبع)
15ـ الفلسفة القرآنية، القرآن في مواجهة المادية (قيد الطبع)
16ـ وهم الانفصال،وحدة الوجود بين الفلسفة والدين والعلم (قيد الطبع)
17ـ أيام لم تكن لي (سيرة ذاتية) مخطوط
كما كتب مئات البحوث والدراسات المنشورة أو الحاصلة على موافقات نشر في المجلات المحكمة دولية وعربية ومحلية، مثل مجلة فصول وغيرها.
وكتب الباحث عقيل خضر عباس الجبوري رسالة ماجستير عن كتابه اشكاليات الخطاب النقدي العربي، بعنوان (الإشكاليات النقدية المعاصرة في ضوء قراءة الدكتور علي حسين يوسف) في جامعة المصطفى العالمية، إيران ،كلية العلوم والمعارف، باشراف الدكتور محمد علي حاج عليبور، ٢٠٢٣. وكتبت الباحثة أحلام علاوي حسين رسالة ماجستير عن روايته (تلك أسفاره) بعنوان (رواية تلك أسفاره لعلي حسين يوسف، دراسة أسلوبية) باشراف الدكتور صادق ابراهيمي كاوري،جامعة الأديان والمذاهب،كلية اللغات والثقافات الدولية،طهران، ٢٠٢٣ .
كتبت الباحثة الجزائرية ججيقة فاهم رسالة ماجستير بعنوان (غموض اللغة والمفاهيم في النقد العربي المعاصر من منظور علي حسين يوسف، كتاب النقد العربي المعاصر، دراسة في المنهج والاجراء أنموذجا) جامعة مولود معمري، تيزي، وزو، كلية الآداب، الجزائر، باشراف الدكتور عزيز نعمان عام ٢٠٢٣. وقد كتب عنه وعن كتبه أكثر من ناقد وأديب , أبرزهم : الدكتور الشاعر عبود جودي الحلي رئيس جامعة اهل البيت، والشاعر الدكتور المرحوم علي الفتال، والدكتور الشاعر محمد عبد فيحان، رئيس قسم الاعلام في كلية الآداب جامعة أهل البيت، والدكتور الشاعر عمار المسعودي رئيس اتحاد ادباء كربلاء، وعميد الكلية التربوية في كربلاء، والشاعر الدكتور غزوان علي والأستاذ موفق الربيعي في كتابه (شخصيات من بلادي) والأديب المعروف المرحوم أحمد الجنديل، والروائي العراقي عباس خلف، والقاص والشاعر والاعلامي علي لفته سعيد، وشيخ الصحافة العراقية ناظم سعود, والناقد عبد الهادي الزعر , والشاعر محمد طاهر , والباحث حسن عبيد عيسى , والشاعر محمد علي الشمري , والناقد حيدر العابدي، والكاتب عبد الهادي البابي، والاديب خالد الشمري ، وآخرون .وكتب عددًا كبيرًا من البحوث والدراسات منها:
1ـ أيام العرب في شعر جرير
2ـ الأعلام في المثل الشعري
3ـ بين الإمام علي (عليه السلام) وعمانوئيل كانت.
4ـ جماليات الصورة الاستعارية عند عبد الأمير الحصيري مشترك، مجلة اتحاد الأدباء في كربلاء .
5ـ الشعوبية، محاولة لفهم جديد
6ـ بناء القصيدة في النقد العربي القديم والحديث
7ـ ظاهرة التعليل في النحو العربي ـ دراسة في مجلة الملتقى الثقافية العدد 7 خريف 2007 .
8ـ البناءات الهيكلية لمراثي الإمام الحسين (عليه السلام) في النصف الأول من القرن العشرين ـ دراسة مطولة ـ في مجلة الموسوعة ـ العدد الأول ـ السنة الأولى ـ صيف 1430هـ.
9ـ كلمة حول الصراع بين التيارات العلمانية والتيارات الإسلامية في القرن العشرين ـ دراسة موسعة ـ في مجلة المنهج ـ العدد2 السنة الأولى /ه1429.
10ـ كلمة حول الصراع بين التيارات العلمانية والتيارات الإسلامية في القرن العشرين ـ دراسة موسعة ـ في مجلة المنهج ـ العدد2 السنة الأولى /ه1429 .
11ـ إدريس هاني فيلسوف صدرائي في ذروة الحداثة ـ دراسة في مجلة المنهج ـ العدد / 4 لسنة 1429هـ .
12ـ حركية الرمز الحسيني في الشعر العراقي الحديث ـ دراسة موسعة ـ مجلة المنهج ـ العدد / 5 لسنة 2008.
13ـ الشعر الجاهلي وجدلية الارتباط والانفصام ـ مجلة مدارات تربوية ـ عدد 8 لسنة 2009.
14ـ جماليات الدرس الأدبي ـ الشعر العربي مثالاً ـ مجلة مدارات تربوية ـ العدد 11 لسنة 2010.
15ـ ثورة الشعر ـ قراءة في تطور المرثية الحسينية ـ مجلة مدارات تربوية ـ العدد 11 لسنة 2010.
16ـ أدب الجماهير عند نزار قباني واحمد مطر ـ مجلة صدى كربلاء.
17ـ ملامح شخصية الصعلوك في ديوان عروة بن الورد ـ مجلة أهل البيت (ع) في كربلاء المقدسة.
18ـ البنى التركيبية بين الكميت وكثير عزة ـ مجلة جامعة كربلاء.
19ـ مجلة رسالة الشرق، ودورها في الأدب، مجلة جامعة أهل البيت (ع).
20ـ جدلية الخيال والالتزام عند صدر الدين الشيرازي، مجلة مدارات العدد 12 لسنة 2010.
21ـ الطبيعة الإنسانية بين الفلسفة والأدب، صورة الذات الشريرة، مجلة مدارات تربوية، العدد 17 لسنة 2011.
22ـ لقب الأستاذ ومجانية الاستعمال، مجلة مدارات تربوية، العدد 18 لسنة 2012.
بدأت أول أسئلتي بسؤال ألهمتني إياه مقال كان كتبها د.علي عن الشاعر العربي إمرؤ القيس واللهجة التي يتحدثها .
لو قابل الدكتور علي حسين يوسف الشاعر العربي امرؤ القيس فهل سيحدثه بالعامية العراقية أم بالعربية الفصحى؟
لو قُدِّر لي أن ألتقي إمرؤ القيس، فلن أحدثه بالعامية العراقية، ولا بالعربية الفصحى كما نعرفها اليوم. سأحدثه بلغةٍ ثالثة، تولد من دهشة اللحظة، وتُصاغ من رماد الأزمنة، وتتشكل على حافة الإدراك، بين شاعرٍ يسكن رمال البادية، وكائنٍ مثلي أرهقته الأسئلة، وتاه في متاهة الحداثة.
لن أبدأ الحديث بكلام لكن بنظرة، سأترك للصمت أن يُفسرني، وللريح أن تحمل ما عجز لساني عن قوله. سأقول له، إن استطعت أن أقول:(وقفتَ وبكيتَ وتذكرتَ، ونحن اليوم لا نقف ولا نبكي ولا نتذكر. ذابت منا المعالم كما ذابت ناقتك في الظلال البعيدة.)
وسيبتسم لي، كما يبتسم من رأى هذا العالم من قبل، ويهمس:(أنتم تسيرون على سراب حسبتموه ماء، أما أنا فقد ضيّعتُ المعنى وأنا أطارده، كما تطارد العاشقةُ شَبَحَ مَن لا يعود).
لن أحتاج إلى قواعد، إنما إلى وجع، ولن أُعرب عن حديثي له، إنما أترك له أن يعربني، اللغة بيننا لن تُختار، ربما ستنبت من الضرورة من حاجتي لأن أفهم كيف عاش الشعر في فمه، ومن رغبته في أن يعرف كيف مات الشعر في عيوني.
سأجالسه بوصفه شاعرًا ممتدًا، كائنا قديمًا أحنّ إليه، مثل ظلّ كان فيَّ يومًا وما عدت أراه. حديثي معه سيكون مرآتي. لا يعنيني إن كانت الجملة صحيحة نحويًا، إنما يعنيني إن كانت صادقة وجوديًا.
ذلك اللقاء سيكون عزلةً يتقاطع فيها تاريخان، ويستفيق فيها المعنى، لا في الكلمة فقط، في الرجفة التي تسبق الكلمة، في التنهيدة التي تتبعها، وسأخرج من مجلسه وأنا أعلم أني كنتُ ولو للحظة في حضرة الشعر حين كان هو العالم، لا وصفا للعالم.
شخصية فلسفية من الأحياء تحب أن تلتقيها وتوجه سؤالا لها؟
أرغب بلقاء نعوم تشومسكي، بصفته اللغوي الذي فكك بنية اللغة، والكائن الذي رأى العالم من داخله، وصرخ فيه ولم يخَف. أجلس معه كي أُجادله بصمت، وأصغي لصمته حين يتأمل، وأرصد تلك اللحظة التي ينقلب فيها الفكر إلى وجع. لا أريد منه أن يعلّمني، إنما أريده أن يجعلني أرى كيف تُبنى الحقيقة على شفير الهاوية، وكيف يظل العقل حيا وهو يعاين انكسارات الإنسانية كل يوم.
سأقول له:(كيف تحتمل أن تستمر في الكتابة، وأنت ترى أن ما يُكتب لا يُغيّر، وأن الوعي الذي تنادي به يُخنق كلما بدأ يتنفس؟) لن أنتظر إجابة مكتملة، تكفي انحناءة في حاجبه أو رعشة في نبرة صوته، كافية لأدرك ما إذا كان الفكر ما يزال له مكان في هذا العالم، أو أن ما نفعله مجرد صدى بعيد لفكرة ماتت دون أن تجد أرضًا تنبت فيها.
سؤالي له ليس سؤالا، قد يكون استغاثة فكرية، أريده أن يدلني على بقعة من هذا الكوكب لم تُدنّس بعد، كي أزرع فيها شتلة يقين صغيرة، وأراقبها تكبر، علّني أطمئن أن العقل لم ينهزم، وإنما انسحب قليلا، ليعود أكثر توهجًا.
كيف تحب أن يذكرك طلابك، وبأي طريقة؟
أتمنى أن يذكروني ليس لأني كنت أعلمهم ما هو مكتوب، إنما لأني حاولت أن أوقظ فيهم ما لم يُكتب. أن يتذكروا أني لم أكن ناقل معرفة فقط، لكن من حفَر بأسئلتي في جدرانهم حتى اكتشفوا أبوابهم الخاصة، لست راغبا في أن أكون صورة معلّقة على جدار، أرغب أن أكون أثرا مستترا في ضمائرهم، صوتا خافتا يعود إليهم حين تختلط الأصوات، حين تتكاثر الإجابات ويضيع السؤال.
أريدهم أن يقولوا: إنه لم يُمْلِ علينا ما نعرف، لكنه أشعل فينا عطشا لا ينطفئ للمعرفة. لم يكن معنا ليكون فوقنا، إنه كان يسير بجوارنا، يخطئ ويصحّح، يتأمل ويسأل، يفرح بذكائنا أكثر مما يفرح بصوابه.
أتمنى أن يذكروني في لحظاتهم الحرجة، حين يقفون أمام ما لا يفهمونه من الحياة، أن يتذكروا حكمةً قلتها عفواً، أو صمتا امتلأ بمعنى، أو نظرةً تمنّت لهم خيرا دون أن تُقال.
أريدهم أن يشعروا أنني لم أكن استاذا، فلطلما كنت معهم إنسانا أحبّهم وهم يبحثون عن أنفسهم، ففتح لهم مساحات ليكونوا كما يشاؤون، لا كما يُراد لهم، لا حاجة لي أن يكتبوا عني سطورا، يكفيني أن يمرّوا بفكرةٍ فتهزّهم، فيقولوا:(هكذا علّمنا أن نفكر، هكذا جعلنا نحترم قلقنا، ونصغي لضعفنا، ونتقن الصبر على الدهشة).
إن ذُكرت بعد رحيلي، فليكن لأنني كنت جسرا، وليس وجهة؛ لأنني لم أُغلق بابا خوفا، بل فتحته رجاءً؛ ولأنني كنت أؤمن دوما أن المعرفة لا تُمنَح، بل تُستنهَض. وإن نسوني، فلا بأس، ما دام النور الذي حاولت أن أُشعله لهم ما زال يضيء طريقهم.
أصدرت عشرة مؤلفات في النقد والرواية، وكتبت المقالات والدراسات عنك من مختلف دول الوطن العربي، وكانت روايتك (تلك أسفاره) موضوع لرسالة ماجستير وتعبت القراء عينيك فهل ارتوى طموحك؟
لا، لم يرتوِ الطموح، ولن يرتوي، لأن ما أكتبه لم يكن يوما استعراضا لإنجاز، إنما كانت محاولات متعثرة للإمساك بلحظة صدق، بلغة تُشبه نبضي، بفكرة تنقّي الوعي لا تزيّنه المؤلفات العشرة لم تكن خاتمة، فقد كانت بداية كل خيبة وكل سؤال جديد، والرواية لم تكن تتويجا، لكنها انحناءة روحية أمام تعقيد الإنسان حين يواجه المعنى.
أن تُكتب عني الدراسات، وتكون نصوصي موضوعات لرسائل علمية، فذلك امتداد جميل لما تمنّيت، لكنه لا يُغني عن شعور التوتّر المتجدد أمام الصفحة البيضاء، فالقارئ حين يُتعبه نصي لا يشتكي مني، إنما يشاركني دهشتي، وهذا التعب هو اللغة الوحيدة التي أؤمن أنها تصلح للبقاء، فكل نص سهل يبهت، وكل نص موارب يوقظ.
ما زلت أكتب لأني لا أملك اليقين، وما زلت أعود للكلمة لا لأُقفلها بمعرفة، لأفتحها باحتمال، وأحيانا، حين أُغلق كتابا لي نُشر، أشعر أنني بالكاد بدأت أفهم نفسي، وأن الطريق ما زال أطول من ظنّي بكثير. ما زال في القلب عطش لا يرويه التوثيق، وفي الروح قلق لا تُسكته المديح.
وحده الصمت بعد القراءة، حين يطيل القارئ تأمله في سطرٍ ما، أو حين يشعر أنه قرأ شيئا يشبهه، دون أن يدري لماذا، هذا وحده ما يُشعرني أنني اقتربت، لا من النهاية، ومن الصدق، أما الطموح، فهو ماء لا يُشرب، لكنه يُتبخّر في كل فكرة جديدة، في كل شتاء فكري، ليعود يمطر في نصٍ آخر، ونبدأ من جديد.
هل يوجد كتاب تتمنى أن تقرأه الآن؟
نعم، لكنّه ليس كتابا بعينه، إنه ذلك الكتاب الذي لم يُكتب بعد، الكتاب الذي لا يُشبع فضولي بل يزيده، ولا يريحني بل يقلقني بأسئلته، الكتاب الذي يفضح مواساتنا الكاذبة لأنفسنا، ويجرّدنا من ادعاء الفهم، ليضعنا وجها لوجه أمام هشاشتنا، أبحث عن كتاب لا يُطمئن، أريده يُزلزل، كتاب يُربكني من الصفحة الأولى، فيجعلني أتنفّس ببطء وكأنّي أقرأ ذاتي لأول مرة بلغة لم أتعلمها من قبل.
أتمنى أن أقرأ كتابا لا يبيع الحكمة، لكنه يراوغها، ولا يقدّم المعنى، إنما يفتّته، حتى أضطر أن أركب جملي من جديد لألحق بشذراته في صحراء التأويل، أتمنى كتابا يحترم قلقي، يوقظ خيالي، يسخر من يقيني، ويُعيد تعريف الفرح في داخلي على هيئة سؤال: هل ما زلت حيًا بما يكفي لتُدهشك فكرة؟
أتوق إلى كتاب لا يتكرّر، لا يشبه ما قرأته، لا يطلب مني أن أوافق عليه إنما أقاومه، كتاب لا يقودني، أريده يُضيء زوايا مظلمة كنت أتفاداها، لا لأنني لا أراها، لأنني لم أجرؤ على مواجهتها.
إنه ليس على الرف، ولا في مكتبة، إنه في الانتظار في احتمالات الكتابة التي لم تتجسّد، في المسودات التي تموت خوفًا من النقص، في أرواح الكتّاب الذين لم يكتبوا بعد ما يجب أن يُقال، وأعرف أني إذا وجدته، فلن أُغلقه، أدعه يوقّفني، ويتركني مشدوداً على احتمالي الإنساني الأخير: أن أُعيد تشكيل نفسي عبر كلماتٍ لا تُطمئن بل تُحرّر.
يقول شيشرون إن التفلسف هو الاستعداد للموت حسب تجربتك مع الفلسفة ما هو تعليقك على قوله؟
أن نقول مع شيشرون إن التفلسف استعدادٌ للموت، فذلك لا يعني احتقار الحياة، إنما يعني الانتباه العميق إلى حقيقتها؛ إن الحياة لا تُرى على حقيقتها إلا في لحظة مفارقتها، ولا تُعاش بصدق إلا حين يستبطن الفكر هشاشتها، ويصادق الإنسان على نهايتها، أن تتفلسف، إذن هو أن تسكن الوعي على تخوم العدم، أن تحيا كما لو كنت تموت، وتفكر كما لو كنت تولد التفلسف ليس سعيا نحو القبر، إنما شوقا إلى الحقيقة التي لا تكشف إلا تحت ظل الموت، لأن الحقيقة لا تزدهر في الزحام لكن في مواجهة المجهول وحدك، عاريًا من الوهم، عاريًا من الخوف.
من يتفلسف، لا يسعى إلى إلغاء الموت، إنما إلى نزع هيبته، ومن يتوقف عن ارتجافه أمام الفناء، يرى الأشياء على طبيعتها الأولى: مؤقتة، زائلة، لكنها لذلك ثمينة، مشعة، ومؤلمة، الموت ليس خصما، هو شاهدٌ داخلي، لا يملّ التذكير بأن كل ما نحبه قابل للانكسار، وأن كل يقين مهدد بالذوبان، التفلسف لا يعلّق الإنسان بين الحياة والموت، هو يكشف له أن التعليق نفسه هو جوهر التجربة، وأن المعنى لا يُعطى، إنما يُخترق، ويُنتزع من التناقض، من الرجفة، من السؤال.
قد يبدو التفلسف نزولًا هادئًا نحو نهاية مرتقبة، لكنّه في الوقت نفسه تمرّدٌ صارخٌ على التبلد، على النوم في يقين العيش السطحي من يتفلسف لا يسلّم للموت، إنما يعرّيه، ويسأله، ويجرده من سلطته؛ لا بالتكذيب لكن بالتحديق فيه حتى تفقد الظلمة لونها، ولهذا يكون التفلسف أعلى أشكال الحياة: لأنه يعلّم الإنسان كيف يموت دون أن يخاف، وكيف يحب دون أن يتملك، وكيف يؤمن دون أن يُخدَع.
قد يتظاهر الفكر بالحكمة حين يتحدث عن الموت، لكنه لا يبلغها إلا إذا تقبّل هشاشته، وانكسر عند عتبة النهاية التفلسف هو هذا الانكسار الصامت، الذي لا يفر من شيء، ولا يطارد شيئا، إنما يتأمل الكل من خارج الكل، كأنه كان، أو لن يكون.
إذا أخترت ثلاثة عناوين محددة من الكتب فلمن ستهديها ؟
سأهدي الكتاب الأول إلى من لم يقرأني بعد، لكنّ قلبه مستعدّ لي، ذلك الذي لم نلتقِ به سوى عبر مصادفة بعيدة، ربما في مقطعٍ صغير عبر شاشة أو جملة وردت في حديث غريب، لكنه شعر حينها بأنّ هناك شيئا في اللغة يخصّه، كأنّ العبارة خرجت من فمه لا من قلمي. إليه أهدي كتابا لا ليقرأه فقط، ليُكمل فيه النصف الذي لم أستطع أن أكتبه، لا يهمّ إن لم يُخبرني بذلك أبدا، يكفي أن يتردّد صدى الحبر في مكانٍ ما من حياته.
أما الكتاب الثاني، فسأهديه لمن ظنّ أنه يعرفني تماما، لكنه لم يرَ مني سوى السطح، من قرأ كتبي كما يقرأ الأخبار، ولم يتوقّف عند الألم الكامن خلفها، أهديه الكتاب لا لأقنعه، إنما لأتخلّص من ضرورة الشرح، لعله يرى هذه المرة أن كل كلمة كتبتها كانت محاولة نجاة، لا عرض عضلات، وأن الفكر حين يُكتب، لا يُكتب بمداد العقل وحده، يكتب بما نُخفيه من جراحٍ لا تصلح للكلام.
وأما الكتاب الثالث، فهو لمن أحبّني بصمته، وعرفني حين لم أكن معروفا، ووقف إلى جوار المعنى الذي أحاول أن أكونه. هو لا يحتاج إلى إهداء، لأنّه قرأني قبل أن أكتب، وسكن في المسافة التي تسبق اللغة، أهديه الكتاب لأنه الوحيد الذي لن يسألني لماذا كتبت، إنما سيعرف أنني لم أملك خيارا آخر، وأنّ كلّ حرف كان استغاثة مهذّبة، صيغت على هيئة تأمّل.
إذا ثلاثة كتب، بثلاثة وجوه، بثلاثة أرواح، وكلها امتداد لمحاولتي أن أُسمِع هذا العالم صوتي، ليراني، لأشعر لحظةً أنني لم أكن وحدي.




