تاريخ

الحضارة الإسلامية في العصر العباسي.. العلوم التطبيقية (5)

بقلم: محمد أسامة | أمريكا الشمالية

مع نشاط حركة الترجمة وعناية علماء العرب والمسلمين بنقل العلوم والمعارف من الحضارات الأجنبية إلى العربية وما جرى من امتزاج واختلاط العرب بالموالي، تطورت العلوم التطبيقية بشكل واسع وخطت الحضارة الإسلامية خطوات عظيمة في علوم الطب والصيدلة والهندسة والفلك والموسيقى والرياضيات.
ومن أبرز العلوم التطبيقية علم الجغرافيا الذي نال نصيبًا وافرًا من الاهتمام، وهو علم عرفه العرب منذ جاهليتهم إذ احتاجوا إلى وصف البلدان والطرق والخرائط، غير أنه تطوَّر بصورة واسعة مع النقل والترجمة إذ أن كلمة الجغرافيا كلمة من أصل يوناني تعني رسم أو صورة الأرض، وقد حفلت مؤلفات هشام الكلبي والجاحظ في كتابه الحيوان ببعض المظاهر والمعلومات الجغرافية ثم ما لبث أن اتسع التدوين فظهر عدد من الباحثين والمؤلفين في الجغرافيا مثل المسعودي وابن حوقل والرحالة أحمد بن فضلان واليعقوبي الذي قام برحلات طويلة في مختلف البلاد.
واهتم العلماء منذ عصر المأمون برسم خرائط شاملة للعالم من بينهم المسعودي والمقدسي وأبو الريحان البيروني والإدريسي وعرفوا مع الخرائط خطوط الطول والعرض والقارات والمحيطات ونجحوا في إثبات كروية الأرض وحسبوا بشكل تقريبي طول قطر الأرض ومحطيها
ومن العلوم التي تطورت كذلك علم الفلك حيث اهتم المسلمون بالأجرام السماوية والكواكب والنجوم والحسابات الفلكية وعرفوا الابراج والمنازل وحركات الكواكب، وكان لعلماء المسلمين دور في تصحيح بعض الآراء القديمة وإضافة العديد من الاكتشافات الجديدة.
وتطور كذلك علم الرياضيات حيث ترجمت العديد من الكتب اليونيانية واعتنوا بشرحها، وظهر علم الجبر وعلم الهندسة التطبيقية وعلم الحِيل وحساب المثلثات وعلم الحساب، وكان للرياضيات صلة وثيقة بعلم الفلك ومن أشهر من ترك أثرًا في تلك الفروع: أبو الحسن ثابت بن قرة الحراني والحسن بن هيثم مؤسس علم البصريات ومحمد بن موسى الخوارزمي مؤسس علم الجبر ومخترع المعادلات الخوارزمية التي كانت أساسًا في علم الحاسب الآلي فيما بعد.
وازدهر كذلك علم الطب وما رافقه من علوم الأدوية والعقاقير وأساليب العلاج، وتمت إنشاء العديد من البيمارستانات (المستشفيات) التي كانت تقدِّم الخدمات الصحية والعلاج ويُدرَّس فيها الطب نظريًّا وعمليًّا، وكانت منها بيمارستانات ثابتة وأخرى متنقِّلة، وتفرَّع الطب إلى عدة علوم وأقسام مختلفة مثل علم التشريح والجراحة وطب العيون والعظام والأمراض الباطنية وطب الأسنان وطب النساء والأطفال وأمراض القلب والطب النفسي.
ومع تطور علم الطب تطور معه علم الصيدلة وهو العلم المختص بالأدوية والعقاقير المعالجة للأمراض وأُلِّفت في ذلك مؤلفات عديدة مثل كتاب “الحاوي” للرازي و”القانون” لابن سينا و”منافع الأطعمة والأشربة والعقاقير” لعلي الطبري.
وتطور علم الكيمياء الباحث في خواص المواد والمعادن وكان خالد بن يزيد الأموي قد اعتنى بنقل وترجمة بعض الكتب الخاصة بهذا العلم حتى ازدهر هو أيضًا في العصر العباسي ومن أشهر علماء الكيمياء جابر بن حيان الأزدي الذي كان على اتصال بالرامكة وعاصر زمن الرشيد والمأمون وله كتاب “الخواص” وعدَّة مصنفات أخرى شهيرة، ومن العلماء الذين أسهموا في هذا العلم: الكندي والفارابي وابن سينا والبيروني.
كما تطورت علوم النبات والفلاحة وقد برز فيه قسطا بن لوقا البعلبكي وابن وحشية النبطي وللرازي إسهامات فيه،وعرف كذلك علم الحيوان حيث أُلِّفت فيه عدة مصنفات وكان نواة لنشوء ما عرف بالطب البيطري. غير أن الأبرز وهو ما ابتكره المسلمون وأحدثوه من تطور في علوم الطبيعة أو ما عرف حديثا بالفيزياء. حيث كانت للمسلمين آثار جليلة في علوم الطبيعة وفروعها في علم الحيل (الميكانيك) وعلم الأصوات والضوء والجاذبية الأرضية والمناظر، كما تطور علم البصريات والذي برع فيه العالم الحسن بن هيثم الذي استفاد من علمه في البصريات والضوء فاخترع آلة التصوير (الكاميرا) وله العديد من النظريات العلمية. وللعلماء المسلمين آثار جليلة في علم الروافع والموازين ومراكز الأثقال وعلم السوائل،
وتجدر الإشارة هنا إلى عالم شهير من علوم الطبيعة والفيزياء وهو العالم أبو الريحان البيروني (ت441ه/1050م) وهو أحد أبرز وأمهر علماء الطبيعة على مر التاريخ حيث له شروحات في ضغط واتزان السوائل ومياه الآبار واستخراج المياه الجوفية وله تجارب عديدة أثبت منها أن تفوق سرعة الضوء على سرعة الصوت، وهو أحد من بحث في موضوع الجاذبية الأرضية سابقًا بذلك العالم الانجليزي إسحاق نيوتن وأحد من اجتهدوا في حساب قطر الأرض وبحث دوران الأرض حول محورها. وكانت لهؤلاء العلماء عدة أبحاث في دراسة الجاذبية الأرضية وتساقط الأجسام، وقد استطاع بفضلهم العالم الانجليزي إسحاق نيوتن من التوصل إلى معادلات وقوانين الحركة والجاذبية.
وقد تطوَّر كذلك علم الموسيقى حيث اشتهرت صناعة الآلات الموسيقية وتم دراسة الألحان وتصنيف مقاطعها الصوتية وتطوَّر تماشيًا مع الموسيقى علم الطرب والغناء وشجَّع تطوُّره ميل بعض الخلفاء العباسيين إليه مع شيوع اللهو والترف والحانات، فاشتهر فيه عدد كبير من بينهم: وهب الخزاعي ويحيى المكي وابنه أحمد وابن جامع وإبراهيم ثم ولده إسحاق بن إبراهيم الموصلي صاحب أول مدرسة معروفة للغناء وجعل له نظام واضح وكان شهيرًا ذائع الصيت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى