ترجمة

المفكّر بقلم ألبرتو مورافيا

ترجمة: أسماء موسى عثمان
في مطعم “مارفوريو” التقليدي الواقع في حي “تراستيفيري” بمدينة روما.
كان كل شيء يسير على ما يرام. كان رأسي فارغًا كصدفة ألقاها البحر منذ زمن، لا أحد يعرف متى مات الكائن الذي كان يسكنها.
عندما يطلب الزبائن طبق المعكرونة بالصلصة، يردد رأسي بلا نقاش: “طبق معكرونة بالصلصة”. وحين يطلبون كعكة الكاسترد، يردد الرأس نفسه: “كعكة كاسترد”. ولا شيء غير ذلك.
باختصار: لم أكن أفكّر أصلًا. كنت مجرد نادل. وحتى في الليل، عندما أحاول أن أنام، لا يدور برأسي سوى قوائم الطعام التي سجلتها طوال اليوم.
كنت أظن أن لدي رأسًا فارغًا، لكن ربما يجدر بي القول:
كان رأسي متجمّدًا كبحيرة جبلية لا تذيبها إلا شمس الربيع حين يعود الماء للجريان، وتداعبه نسائم يوم صافٍ.
على أي حال: فارغ أو متجمّد، كنت نادلًا مثاليًا…
حتى إنني سمعت شابة ذات يوم تقول لصديقها مشيرة إليّ:
“انظر إلى ذلك النادل هناك… من وجهه تعرف أنه نادل حقيقي… هذا الرجل لم يُخلق إلا نادلًا؛ سيعيش نادلًا ويموت نادلًا.”
لكن ماذا تقصد بقولها: “من وجهه تعرف أنه نادل حقيقي”؟
ربما تقصد الوجه الذي يحبه الزبائن… فالزبون لا يحتاج أن يكون ودودًا لأنه ليس مضطرًا لإرضاء أحد، أما النادل فإن أراد الاحتفاظ بوظيفته فعليه أن يجعل من وجهه مائدة للودّ.
يكفي أن أقول:قضيت عامًا كاملًا دون أن يخطر ببالي فكرة واحدة… أقدّم الطلبات فقط.
حتى عندما صاح أحد الزبائن في وجهي ذات مرة قائلاً:
“هل أنت غبي أم أنك تتظاهر بالغباء؟”
كان رأسي يكرر العبارة مثلما يكرر الطلبات:
“هل أنت غبي أم أنك تتظاهر بالغباء؟”
ولا شيء آخر.

المدير كان في غاية الرضا عني. كان يقول أمام زملائي:
“لا أريد مشكلات… افعلوا مثل ألفريدو، إنه نادل ممتاز.”
وبدأ التغيير في ليلة ما، حيث بدأ الجليد يذوب في رأسي.
دخل زبون عجوز، تجاعيده كخرائط للحياة، وشعره أبيض كأن أحدهم نثر عليه الدقيق، ترافقه فتاة شقراء.
عاملني بوقاحة—ربما ليستعرض نفسه أمامها.
لم يعجبه شيء… حتى حين أحضرت له الطبق الذي طلبه، صرخ في وجهي:
“ما هذا؟ أي طعام هذا؟! لا أدري ما الذي يمنعني من رمي الطبق في وجهك!”
كان على خطأ—لقد طلب لحم بقر وقد أحضرته له فعلًا.
لكن هذه المرة… بدلًا من تكرار كلماته في رأسي…
وجَدتُ لساني يسبقني ويقول داخلي: “أنت كالعنز العجوز أيها الأحمق.”
كانت خاطرة… لكنها كانت أوّل تفكير لي منذ عام.
عدتُ إلى المطبخ، بدّلت الطبق بلحم الضأن، وقلت في نفسي:
“ليتك تختنق !”
خاطرة أخرى… صغيرة، لكنها خاطرة.
منذ تلك الليلة، بدأت أفكر.
أعمل شيئًا… وأفكر نقيضه في الوقت نفسه.
وهذا—على ما يبدو—ما يسمّونه “خواطر”.
كنت أتوجّه للزبائن قائلًا:
“تفضلوا يا سادة، ما هي طلباتكم؟”
لكن رأسي يقول:
“أنظر لذلك الأبله… رقبته طويلة كالإوزة!”
وأسأل سيدة بلطف:
“أتودين بعض الجبن يا سيدتي؟”
ورأسي يصيح:
“احلقي شواربك يا عزيزتي!”
غالبًا كانت المسبات و الشتائم تتسارع إلى ذهني مثل :أنت غبي، يالك من أحمق، أيها المعتوه وما إلى ذلك. كانت تلك الشتائم تنطلق في رأسي مثل حبّات الفشار في المقلاة.
قلت لنفسي: لا بأس… مادامت الكلمات تبقى في الداخل، فمثلًا كنت أسأل أحد الزبائن قائلًا:”هل تريد إضافة الزيت والليمون؟” ورأسي يتمتم:
“في وجهك أيها الأحمق!”
أو ربما أسأل قائلًا:”هل تريد أن تعرف طبق اليوم يا سيدي؟” في حين أن رأسي يقول:”طعام قبيح بأسعار باهظة”.ثم اكتشفت فجأة، أن الكلمات، لم تعد كلمات أو خواطر فقط… بل كلمات ينطق بها اللسان أيضًا. كنت احدق بالزبائن و لكن بحذر، كنت في بداية الأمر، لا أفكر أبدًا وبعد ذلك انتقلت من التفكير… إلى الحديث بصوت مسموع.
أتذكر جيدًا كيف سارت الأمور في أول مرة تحدثت فيها. كان مساء عطلة نهاية الأسبوع عندما
حين دخل شاب ورفيقته.
كانا النموذج المثالي لزبائن نهاية الأسبوع:
كانت الفتاة طويلة، شعرها مصبوغ، تتمايل وهي تمشي، وجهها غارق في المساحيق وتفوح منها رائحة العطور…
أما هو فكان قصير، أشقر، ذو شعر مجعّد، كتفاه عريضان ووجهه محمرّ، يرتدي بدلة زرقاء وحذاء أصفر. يبدو أن الفتاة من الشمال بينما الشاب كان يتحدث بلهجة أهل مدينة “ڤيتربو” في وسط إيطاليا.
كانت تركز في كلماتي وتنصت لها بدقة.
أمسك الشاب قائمة الطعام كما لو أنه يعلن الحرب، دقّق فيها طويلًا، ثم طلب:
اسباجيتي بالصلصة البيضاء، لحم الضأن بالبطاطس، وسلطة الأنشوجة.
أما هي فطلبت أطباقًا خفيفة.
سجلت الطلبات وتوجهت إلى المطبخ…
لكن—ودون أن أستطيع منع نفسي—نظرت إليه طويلًا.
وإذا بلساني يهمس بصوت مسموع قليلًا:
“وجهك وجهُ حمار ريفي.”
لم ينتبه الشاب لأنه كان يتصفح قائمة الطعام، أما هي كان لديها حاسة سمع قوية كمعظم النساء، التفتت نحوي بعينين تشتعلان، ويبدو أنها سمعتني.
عدت إلى المطبخ هاتفًا:
“طبق شوربة! اسباجيتي بالصلصة البيضاء!”
ثم عدت ووقفت قربهما، متّكئًا على الجدار.
وفجأة… بدأت الفتاة تضحك.
وتضحك… وتضحك حتى احمرّ وجهها.
مال نحوها يسألها، لكنها استمرت في الضحك.
فاستدار نحوي وحدّق بي.
تظاهرت أنني أنظر في اتجاه آخر… لكنها انفجرت ضاحكة مجددًا،
أما هو فكان يتأهب للهجوم ككبش ينحني قبل النطاح.
ناداني:”أيها النادل!” فتوقفت الفتاة عن الضحك وكنت اقترب ببطء و ينتابني بعض الخوف لكنني كنت اتمتم مرة اخرى :”حقًا إنه وجه حمار”.
وتوقفت ضحكاتها للحظة.
اقتربت ببطء…
وقفت أمامه:
“تحت أمرك يا سيدي.”
قال:”لقد تهكّمت عليّ منذ قليل.”
نظرت إليه متصنعًا الجهل:
“تهكم؟… لا أفهم قصدك.”
قال:
“بل كنت تهكّمني… الآنسة سمعتك.”
قلت:
“الآنسة أساءت السمع.”
قال:
“لقد سمعتك جيدًا.”
قلت:
“ربما لم تعد ترغب بالاسباجيتي… يمكننا تبديل الطبق.”
قال بغضب شديد:
“لقد كنت تهكّمني… ولن أترك الأمر.”
فتدخلت الفتاة هامسة له:
“دعك من الأمر.”
لكنه صاح:
“نادِ المدير!”
ذهبت بهدوء.
جاء المدير… سمع شكواهما… حاول تهدئتهما.
والفتاة تضحك… أما هو فيزداد غضبًا.
اقترب مني المدير هامسًا:
“قدّم لهما الطعام… وإن تكرّر هذا، فأنت مفصول.”
قلت: “لكنني—”
قاطعني:
“اخرس وواصل عملك.”
قدّمت لهما الأطباق بصمت.
هي تضحك حتى النهاية… وهو يكاد لا يمس طعامه.
غادرا دون تحلية… ودون بقشيش.
والضحك يرافقها حتى باب المطعم.
ومنذ تلك الليلة…
لم أعد أفكر خفية… بل أتحدث علنًا.
وفي الأوقات الهادئة كان زملائي يرون شفتي تتحركان…
فيضحكون:
“أتتلو صلوات أم تُسبّح يا ألفريدو؟”
وأنا اتمتم في نفسي: ولا هذا ولا ذاك…
كنت أُراقب عائلة من خمسة أفراد… وأفضحهم في عقلي بصوت منخفض:”يبدو أن الأب لا يريد أن يدفع لأنه بخيل أو أنه لا يمتلك المال الكافي أما الأم فكانت تنفق بمرح وترى في ضيقه متعة وطلبت كل الأطباق الفاخرة مثل الاستاكوزا و الماشروم و أطباق التحلية..كان الأب مستاء بينما الأم تستمتع برؤيتة يعاني… و كان الأطفال يشاكسون بينما يغرق الأب في التفكير بالتكلفة”
وأيضا كنت أحدق في جبهة رجلٍ له بروز كحبّة بطاطا وأقول:
“كيف يرتدي قبعة؟ فوقها؟ أم خلفها؟”
وهكذا…
بتّ أتكلم مع نفسي أكثر مما أتكلم مع العالم.
المدير لم يعد يراني نادلًا مثاليًا…
بل صرت عبئًا وينتظر أول خطأ لتطردي.
وذات ليلة… جاء الخطأ المنتظر.
القاعة فارغة تقريبًا.
والفرقة تغني للطاولات الخاوية اغنية: ( روح وقلب)
وأنا… أتثاءب قرب طاولة محجوزة لعشرة أشخاص.
ووصلوا أخيرًا هؤلاء العشرة.
يدخلون بصخب متفاخرون.لقد سمعتهم في المطعم يقولون:”لقد دخل إلى المطعم زبائن مهمون هذه الليلة”. على أي حال، مهمون أم لا لم يعجبوني أبدا، وذلك لأسباب منها: أنهم ينادونني بعدم إحترام و يقولون:”أحضر لي كرسي.. أعطني قائمة الطعام.. تحرك.. اذهب.. تعال.. أسرع”.
كانوا يحدثونني بهذة الصيغة وكأننا أصدقاء مقربين لكنني لم أكن كذلك. كانوا يتحدثون بالطريقة نفسها مع زملائي و حتى مع المدير ، لكن لا يهمني، فليفعلوا ذلك مع أي شخص غيري! ثم جلسوا واحدًا تلو الآخر:
چوليا هنا…
فابرتسيو هناك…
لورينزو عن يميني…
بيترو عن شمالي…
چوفانا إلى جانبه…
وماريسيا أول الطاولة…
وأخيرًا… استقرّوا جميعًا. ثم ذهبت و أعطيت قائمة الطعام لذلك الرجل الأقرع السمين ذو الأنف الكبيرالذي كان يجلس على رأس الطاولة. أخذ قائمة الطعام وبدأ يتصفحها قائلًا:”ما هي اقتراحتك يا هذا ؟”
أعتقد أنه أيضًا خاطبني دون إحترام ، فتمتمت قائلًا:”يالك من حانوتي !”
لكن لحسن الحظ لم يسمع بسبب ضجيج الأخرين وهم يتجادلون حول اختيار الأطباق. أراد البعض تناول الاسباجيتي و البعض أراد المقبلات، منهم من يريد الأطباق الرومانية المميزة ومن لا يريدها، من يريد النبيذ الأحمر ومن يريد الأبيض. خاصة النساء كن يثرثرن مثل الدجاج. تذمرت بيني و بين نفسي ثم أقتربت منه قائلًا:”ما رأيك في تناول بعض الدجاج؟”
فسألني:”ماذا تقول؟…الدجاج؟”
فأجبته:”نعم، لدينا دجاج مسلوق”
فصاح أحد الموجودين قائلًا:”أي دجاج مسلوق!..نريد تناول اطباق من المطبخ الروماني كالفاصوليا و اللحم المقدد ونريد أيضًا أن نأكل “البالياتا”.
فسألته:”وما هي”البالياتا؟”.
فأجابني ذلك الرجل الأقرع قائلًا:”البالياتا” هي أمعاء العجل الرضيع الذي لم يتناول العشب قط، مطبوخة بكل ما فيها.. أعني الفضلات”
تمتمت قائلًا:”فضلات..! كم أن هذا فظيع، لكنة مناسب لكم تماماً”. لقد سمعني هذه المرة لأنه سألني بتعجب:”ماذا قلت ؟”
فأجبته:”أنا لم أتحدث”
رد بحزم قائلًا:”لقد تحدثت و قلت شئ ما” لكنه لم يغضب بعد.
في هذه الأثناء، لا أعلم كيف عم الصمت أرجاء المكان حتى أن الفرقة توقفت عن العزف ووجدت نفسي أقول بصوت خافت لكنه واضح:”يالك من حانوتي”.
على الفور قام من مجلسه وهو في شدة غصبة وقال:”تناديني أنا بالحانوتي!.. ألا تعرف مع من تتحدث؟”
فقلت:”أنا لم أقل أي شئ”
فقال:”أنا حانوتي أيها الأحمق؟.. سأعلمك درسًا لن تنساه”. ثم أمسك بي من ياقتي ودفعني نحو الحائط، فوقف كل الموجودون على الطاولة وحاول البعض تهدئة الأمور و البعض الأخر كان يشتمني. كان المطعم كله ينظر إلينا، بعدها دفعته و أنا اقول:”ابعد يدك عني.. أنا لم أقل شيئًا”. وهكذا مرة أخرى هربت المسبة من فمي لكن لحسن الحظ جاء المدير مهرولاً ويقول:”المعذرة يا سيدي.. أعتذر بشدة.. حقًا أعتذر”
صرخ السيد قائلًا:”سأحطم رأسه”.
وبينما يشاهدنا كل من في الصالة، سحبني المدير من ذراعي وقال لي:”تعال معي يا هذا!”.
لم أستطع أن أمنع نفسي من أن أفكر بصوت عالٍ وأقول:”هاهو حانوتي أخر يتحدث معي دون إحترام ”
لم يقل المدير أي كلمة حتى دخلنا إلى المطبخ ثم انفجر في وجهي قائلًا:”أتقول للزبون أنه حانوتي ثم تكرر لي الكلمة نفسها ؟”
فأجبته:”أنا لم أقل أي شئ أيها الحانوتي”
فقال لي:”أنت مُصر على ذلك، الحانوتي هو أنت، انصرف من هنا فوراً ، أنت مفصول”
قلت له:”حسنًا أيها الحانوتي ، سأذهب من هنا”. باختصار تحركت شفتاي ولم أستطع كبحها.
وجدت نفسي في الشارع غاضبًا وأصيح بصوت عالٍ :”من هم ليعاملونني بعدم احترام، أنا لا أعرف أحدًا منهم، لماذا لا يحافظون على الاحترام بيننا”.
في هذه اللحظة، رأى ضابط دورية أنني أحدث نفسي، فاقترب مني وسألني:”هل أنت مسطول..أي نوع من الخمر شربت؟ هيا غادر المكان، لا يمكنك البقاء هنا”
تذمرت قائلًا:”من هو المسطول” وعلى الفور خرجت من فمي الكلمة نفسها، التي تسببت في فصلي من “مطعم مارفوريو”. حاولت أن أكبحها لكن دون جدوى كما لو كنت أمسك الماء بين يدي ولذلك، تم اعتقالي بهتمة إهانة ضابط وقضيت الليلة في الحجز وحكم عليّ مع إيقاف التنفيذ وعندما خرجت من الحبس، أدركت أن رأسي تجمد مرة أخرى. كنت في حالة من الذهول وأنا أعبر الشارع عند جسر “ڤيكتوريو” حينها كادت سيارة أن تدهسني وبينما كنت أرتجف خوفاً، أخرج السائق رأسه من السيارة وصرخ في وجهي:”استيقظ أيها المسطول”.
وأثناء ما كانت السيارة تختفي في الأفق، عاد رأسي ليردد الكلمات بلا نقاش كما كان يحدث منذ عام بالضبط:”مسطول .. مسطول.. مسطول”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى